داود الطائي
ن : داود الطائي . هو أبو سليمان ، داود بن نصير الطائي الكوفي ، الفقيه الزاهد ، أحد الأعلام . روى عن : هشام بن عروة ، وحميد ، والأعمش ، وعبد الملك بن عمير ، وجماعة .
وعنه : ابن علية ، وزافر بن سليمان ، ومصعب بن المقدام ، وإسحاق بن منصور السلولي ، وأبو نعيم ، وغيرهم . وكان من كبار أصحاب الرأي ، لكنه آثر الخمول والإخلاص ، وفر بدينه . سأله رجل مرة عن حديث فقال : دعني فإني أبادر خروج نفسي .
وكان سفيان الثوري يقول : أبصر داود أمره . وقال ابن المبارك : هل الأمر إلا ما كان عليه داود . وعن ابن عيينة قال : كان داود الطائي يجالس أبا حنيفة ، ثم إنه عمد إلى كتبه فغرقها في الفرات ، وأقبل على العبادة وتخلى .
وكان زائدة صديقا له ، فأتاه يوما فقال : يا أبا سليمان : الم . غلبت الروم ، قال : وكان يجيب في هذه الآية ، فقال له : يا أبا الصلت ، انقطع الجواب ، وقام فدخل بيته . رواها ابن المديني ، عن سفيان ، وزاد فيها : كان داود ممن علم وفقه ونفذ في الكلام قال : وأخذ حصاة فحذف بها إنسانا ، فقال له أبو حنيفة : يا أبا سليمان ، طال لسانك ، وطالت يدك ، فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا يجيب .
وقيل : كان داود يعالج نفسه بالصمت ، فأراد أن يجرب نفسه هل يقوى على العزلة ، فقعد في مجلس أبي حنيفة سنة لم ينطق ، ثم اعتزل الناس . قال أبو أسامة : جئت أنا وابن عيينة إلى داود الطائي ، فقال : قد جئتماني مرة فلا تعودا إلي . وعن أبي الربيع الأعرج ، قال : كان داود الطائي لا يخرج من منزله حتى يقول المؤذن : قد قامت الصلاة ، فإذا سلم الإمام أخذ نعله ودخل منزله ، فأتيته فقلت : أوصني ، قال : اتق الله ، وبر والديك ، ثم قال : ويحك ، صم الدنيا ، واجعل الفطر الموت ، واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم .
وعن ابن إدريس : قلت لداود : أوصني ، قال : أقلل من معرفة الناس ، قلت : زدني ، قال : ارض باليسير مع سلامة الدين ، كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين . وعنه قال : كفى باليقين زهدا ، وكفى بالعلم عبادة ، وكفى بالعبادة شغلا . وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي : أخبرنا أبو نعيم ، قال : رأيت داود الطائي وكان من أفصح الناس وأعلمهم بالعربية ، يلبس قلنسوة سوداء طويلة مما يلبس التجار ، وقد قال له أبان بن تغلب : هذا أعلم من بقي بالنحو ، ثم قال أبو نعيم : كان أبان غاية من الغايات .
وقال إبراهيم بن بشار : قال داود الطائي لسفيان : إذا كنت تشرب الماء المبرد ، وتأكل اللذيذ الطيب ، وتمشي في الظل الظليل ، فمتى تحب الموت . وقيل : إن محمد بن قحطبة الأمير قدم الكوفة فقال : أحتاج إلى مؤدب يؤدب أولادي ، حافظ لكتاب الله ، عالم بسنة رسول الله ، وبالأثر ، والفقه ، والنحو ، والشعر ، وأيام الناس ، فقيل له : ما يجمع هذه الأشياء كلها إلا داود الطائي . وقال محمد بن بشير : أخبرنا حفص بن عمر الجعفي قال : كان داود الطائي قد ورث من أمه أربع مائة درهم ، فمكث يتقوت بها ثلاثين عاما ، فلما نفدت جعل ينقض سقوف الدويرة فيبيعها ، حتى باع البواري واللبن ، حتى بقي في نصف سقف .
قال عطاء بن مسلم الحلبي : عاش داود الطائي عشرين سنة بثلاث مائة درهم . وقيل : مرض داود ، فقيل له : لو خرجت إلى الروح تفرح قلبك ، قال : إني لأستحي من نفسي أن أنقل قدمي إلى ما فيه راحة لبدني . ويقال : عوتب في التزويج فقال : كيف بقلب ضعيف لا يقوى بهمه يجتمع عليه همان ؟ ! .
قال إسحاق السلولي : حدثتني أم سعيد قالت : كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير ، وكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ ، فمما سمعته يقول : اللهم همك عطل علي الهموم ، وحالف بيني وبين السهاد ، وشوقني إلى النظر إليك ، ومنع مني الشهوات ، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب . وربما ترنم بالسحر بالقرآن ، فأرى أن نعيم الدنيا جميعه جمع في ترنمه تلك الساعة ، وكان يكون في الظلمة لا يسرج عليه . وعن سندويه قال : قيل لداود الطائي : أرأيت من دخل على الأمراء فأمرهم ونهاهم ؟ قال : أخاف عليه السوط ، قال : إنه يقوى ، قال : أخاف عليه السيف ، قال : إنه يقوى ، أخاف عليه الداء الدفين ، العجب .
روح بن الفرج : حدثنا يحيى بن سليمان قال : قال ابن السماك : أصبح داود الطائي جالسا على باب داره ، فأتاه جيرانه فقالوا : يا أبا سليمان ، ما بدا لك اليوم في الجلوس هنا ؟ قال : إن أمي ماتت ، فجلست لأصلح من أمرها ، فأعانوه على دفنها ، وتركت له جارية باعها بعشرين دينارا . ويقال : إن ابن قحطبة الأمير أحب أن يصل داود الطائي ، فكلم إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أن يحمل إليه ألف دينار ، فقال : لا يقبلها ، قال : تلطف ، فجاء داود فكلمه ، وقال : قد علمت ما بينك وبين الحسن بن قحطبة من القرابة ، وقد أحب أن يصلك فغضب ، وقال : لو غيرك فعل هذا ما كلمته أبدا ، قل له يردها على أهلها ، فهم أحق بها . وروى شهاب بن عباد ، وغيره : أن داود الطائي قيل له : ألا تسرح لحيتك ، وكانت مفتلة ، قال : إني عنها لمشغول .
محمد بن شجاع الثلجي : أخبرنا الحسن بن زياد قال : أتيت أنا وحماد بن أبي حنيفة داود الطائي ، وبلغه عنه فاقة ، فأخرج له أربع مائة درهم ، وتلطف به ، فقال : ما لي إليها حاجة ، ولو قبلت شيئا لقبلتها . أبو داود الحفري ، قال لي داود الطائي : أليس كنت تأتينا إذ كنا ثم ؟ ما أحب أن تأتيني . وقال محمد بن بشر العبدي : جاءنا داود الطائي في قباء أصفر ، فكنا نضحك منه ، فوالله ما مات حتى سادنا .
أخبرنا نصر الله بن محمد الصالحي سنة اثنتين وتسعين وست مائة ، قال : أخبرنا أبو موسى عبد الله بن عبد الغني ، قال : أخبرنا خليل بن بدر الرازي ، قال : أخبرنا أبو علي المقرئ ، قال : أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال : أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب النسائي ، قال : حدثنا محمد بن رافع ، قال : حدثنا مصعب بن المقدام ، عن داود الطائي ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عائشة قالت : ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينارا ولا درهما ولا شاة ، ولا بعيرا ، ولا أوصى . قلت : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجوه في الكتب الستة ، وداود صدوق في الحديث ، وقد كانت جنازته مشهودة . قال حفص بن عمر الجعفي : اشتكى داود الطائي ، وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار فكررها فأصبح مريضا ، فوجدوه قد مات ورأسه على لبنة ، ففتحوا باب الدار ، ودخل ناس من إخوانه وجيرانه ، ومعهم ابن السماك ، فلما نظر إلى رأسه قال : يا داود فضحت القراء فلما حملوه إلى قبره شيعه خلق حتى خرج ذوات الخدور ، فقال ابن السماك : يا داود سجنت نفسك قبل أن تسجن ، وحاسبتها قبل أن تحاسب ، اليوم ترى ثواب ما كنت ترجو ، وله كنت تنصب ، فقال أبو بكر بن عياش : اللهم لا تكله إلى عمله ، فأعجب الناس ما قال أبو بكر .
وقال عبد الرحمن بن مهدي : بلغني أن داود الطائي لما دفن ، أخذ الناس يثنون عليه ، فقال أبو بكر النهشلي : اللهم لا تكله إلى عمله . قال أحمد الدورقي : حدثني محمد بن عيسى الوابشي قال : رأيت الناس ها هنا باتوا ثلاث ليال مخافة أن تفوتهم جنازة داود ، ورأيت الناس كلهم يبكون ، ما شبهته إلا بيوم الخروج . قال الدورقي : وحدثنا أبو داود الطيالسي قال : شهدت جنازة داود الطائي ، وحضرته عند الموت ، فما رأيت أشد نزعا منه ، أتيناه من العشي ونحن نسمع نزعه قبل أن ندخل ، ثم غدونا عليه وهو بعد في النزع ، فلم نبرح حتى مات .
قال : وحدثنا الحسن بن بشر ، قال : حمل داود الطائي على سريرين أو ثلاثة ، تكسر من زحام الناس عليه ، فيغير السرير ، وصلي عليه كذا كذا مرة ، وحضرت جنازته . أنبأنا أحمد بن سلامة ، عن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد الكاغدي ، قال : أخبرنا أبو علي الحداد ، قال : أخبرنا أبو نعيم ، قال : حدثنا محمد بن الفتح الحنبلي ، قال : حدثنا ابن صاعد ، قال : حدثنا أحمد بن المقدام ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا داود الطائي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ، قال : وقع أناس من أهل الكوفي في سعد عند عمر ، فقالوا : والله ما يحسن أن يصلي ، فقال : أما أنا فإني أصلي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا أخرم عنها أركد في الأوليين ، وأحذف في الأخريين ، قال : ذاك الظن بك أبا إسحاق ، رواه شعبة والناس ، عن عبد الملك . مات داود - رحمة الله عليه - سنة اثنتين وستين ، وقيل : خمس وستين ومائة .
وما يذكر من قصة لبس الخرقة ، وأن داود الطائي صحب حبيبا العجمي فخطأ بين ، لم يصحبه ، ولا عرفنا لداود رواحا إلى البصرة ، ولا لحبيب قدوما إلى الكوفة ، ثم أبعد من ذلك قولهم : إن معروفا الكرخي أخذها من داود ، فما علمنا أن داود ومعروفا اجتمعا ولا التقيا ، والله أعلم .