مالك بن أنس
ع : مالك بن أنس . هو الإمام العلم ، شيخ الإسلام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، والحارث هو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن عامر بن ربيعة بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وإلى قحطان جماع اليمن ، وقيل : ذو أصبح من حمير ؛ المدني الأصبحي ، حليف عثمان بن عبيد الله التيمي أخي طلحة رضي الله عنهما . مولد مالك سنة ثلاث وتسعين ، سمعه منه يحيى بن بكير ، وهي السنة التي مات فيها أنس بن مالك الأنصاري خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو داود : ولد سنة اثنتين وتسعين . قلت : الأول هو الصحيح . وقيل : ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك ، وليس بشيء .
وأول طلبه للعلم في حدود سنة عشر ومائة ، وفيها توفي الحسن البصري ، وأخذ عن نافع ولازمه ، وعن : سعيد المقبري ، ونعيم المجمر ، ووهب بن كيسان ، والزهري ، وابن المنكدر ، وعامر بن عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن دينار ، وزيد بن أسلم ، وصفوان بن سليم ، وإسحاق بن أبي طلحة ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، ويحيى بن سعيد ، وأيوب السختياني ، وأبي الزناد ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وخلق سواهم من علماء المدينة ، فقل ما روى عن غير أهل بلده . روى عنه من شيوخه : الزهري ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد ، وغيرهم . ومن أقرانه : الأوزاعي ، والثوري ، والليث ، وخلق ، وابن المبارك ، ويحيى بن سعيد القطان ، ومحمد بن الحسن ، وابن وهب ، ومعن بن عيسى ، والشافعي ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأبو مسهر ، وأبو عاصم ، وعبد الله بن يوسف التنيسي ، والقعنبي ، وسعيد بن منصور ، ويحيى بن يحيى ، ويحيى بن يحيى القرطبي ، ويحيى بن بكير ، والنفيلي ، ومصعب الزبيري ، وأبو مصعب الزهري ، وقتيبة بن سعيد ، وهشام بن عمار ، وسويد بن سعيد ، وعتبة بن عبد الله المروزي ، وإسماعيل بن موسى السدي ، وخلائق آخرهم وفاة أحمد بن إسماعيل السهمي .
قال مصعب الزبيري : سمعت ابن أبي الزبير يقول : حدثنا مالك قال : رأيت عطاء بن أبي رباح دخل المسجد ، وأخذ برمانة المنبر ، ثم استقبل القبلة يدعو . قال علي ابن المديني : لمالك نحو ألف حديث . وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم على مالك أحدا .
قال معن بن عيسى ، والواقدي ، ومحمد بن الضحاك : حملت بمالك أمه ثلاث سنين . وعن عيسى بن عمر المدني قال : ما رأيت بياضا قط ، ولا حمرة أحسن من وجه مالك ، ولا أشد بياض ثوب من مالك . وقال غير واحد : كان مالك رجلا طوالا جسيما ، عظيم الهامة ، أبيض الرأس واللحية ، أشقر ، أصلع ، عظيم اللحية ، عريضها ، وكان لا يحفي شاربه ، ويراه مثلة ، وقيل : كان أزرق العينين .
وقال مطرف بن عبد الله : كان طويلا عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية ، شديد البياض بشقرة . وقال محمد بن الضحاك الحزامي : كان مالك نقي الثوب رقيقه ، يكره اختلاف اللبوس . قال الوليد بن مسلم : كان مالك يلبس البياض ، ورأيته والأوزاعي يلبسان السيجان ولا يريان بلبسها بأسا .
قال أشهب : كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين كتفيه . وقال خالد بن خداش : رأيت على مالك طيلسانا ، وثيابا مروية جيادا . قال أشهب : كان مالك إذا اكتحل للضرورة جلس في بيته .
وقال مصعب : كان يلبس الثياب العدنية الجياد ويتطيب . قلت : قد كان هذا الإمام عظيم الجلالة كثير الوقار . قال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : من أثبت أصحاب الزهري ؟ قال : مالك أثبت في كل شيء .
وقال الشافعي : إذا ذكر العلماء فمالك النجم . وقال ابن سعد في الطبقات : كان مالك رحمه الله ثقة ، ثبتا ، حجة ، فقيها ، عالما ، ورعا . وقال ابن مهدي : مالك أفقه من الحكم ، وحماد .
وقال الشافعي : لولا مالك ، وابن عيينة لذهب علم الحجاز ، وما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من الموطأ . أخبرنا أحمد بن إسحاق ، قال : أخبرنا محمد بن أبي القاسم الخطيب ، وأخبرنا علي بن تيمية بمصر ، قال : أخبرنا عبد اللطيف بن يوسف قالا : أخبرنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أخبرنا علي بن محمد الأنباري ، قال : أخبرنا عبد الواحد بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن مخلد ، قال : حدثنا أبو يحيى محمد بن سعيد بن غالب العطار ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم ، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة . وبه قال ابن مخلد : حدثنا ليث بن الفرج بالعسكر ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، فذكر الحديث مرفوعا .
وبه قال ابن مخلد : حدثني إسحاق بن يعقوب العطار ، قال : حدثنا أبو موسى الأنصاري قال : سألت ابن عيينة : أكان ابن جريج يقول : نرى أنه مالك بن أنس ؟ فقال : إنما العالم من يخشى الله ، ولا نعلم أحدا كان أخشى لله من العمري ، يعني عبد الله بن عبد العزيز . وقال محمد بن حماد الطهراني : قال عبد الرزاق عقيبه : كنا نرى أنه مالك . قلت : وكذا قال غير واحد أنه مالك .
وقيل : هو سعيد بن المسيب . قال خالد بن نزار الأيلي : بعث أبو جعفر المنصور إلى مالك حين قدم المدينة فقال : إن الناس قد اختلفوا بالعراق ، فضع للناس كتابا نجمعهم عليه ، فوضع الموطأ . قال ابن وهب ، عن مالك قال : دخلت على أبي جعفر مرارا ، وكان لا يدخل عليه أحد من الهاشميين وغيرهم إلا قبل يده ، فلم أقبل يده قط .
وقال يحيى القطان : كان مالك إماما في الحديث ، وهو أحب إلي من معمر . وقال الشافعي : كان مالك إذا شك في حديث طرحه كله . قال شعبة : قدمت المدينة بعد وفاة نافع بسنة ، وإذا لمالك حلقة .
قلت : تصدر للعلم ، وقد نيف على العشرين . قال عبد السلام بن عاصم : قلت لأحمد بن حنبل : رجل يحب أن يحفظ حديث رجل بعينه ؟ قال : يحفظ حديث مالك . قلت : فرأي ؟ قال : رأي مالك .
وقال ابن وهب : قيل لأخت مالك : ما كان شغل مالك في بيته ؟ قالت : المصحف والتلاوة . وقال أبو مصعب : كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام ، وكنا نكون عنده فلا يكلم ذا ذا ، ولا يلتفت ذا إلى ذا ، والناس قائلون برؤوسهم هكذا ، وكانت السلاطين تهابه ، وهم قابلون منه ومستمعون . وكان يقول : لا ونعم ، ولا يقال له : من أين قلت هذا ؟ قال مطرف بن عبد الله ، وغيره : كان خاتم مالك فصه أسود حجر ، ونقشه : حسبي الله ونعم الوكيل ، كان يلبسه في يساره ، وربما لبسه في يمينه .
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال : ما رأيت أهيب من مالك ، ولا أتم عقلا ، ولا أشد تقوى . قال ابن وهب : الذي نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه . وعن مالك قال : ما جالست سفيها قط .
قال ابن عبد الحكم : أفتى مالك مع نافع ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد . وعن مالك قال : قدم الزهري ، وحدثنا فقال له ربيعة : ها هنا من يسرد عليك ما حدثت به أمس ، قال : ومن ؟ قال : ابن أبي عامر ، قال : هات ، فحدثه بأربعين حديثا من نيف وأربعين ، فقال الزهري : ما كنت أرى من يحفظ هذا الحفظ غيري . وقال الواقدي : حسدوا مالكا وسعوا به إلى جعفر بن سليمان وهو على المدينة ، وقال : إنه لا يرى بيعتكم هذه شيئا ، ويأخذ بحديث في طلاق المكره أنه لا يجوز ، فغضب ، ودعا به ، وجرد ومدت يده حتى انخلع كتفه ، وفي رواية : يداه ، حتى انخلعت كتفاه .
قال الواقدي : فوالله ما زال بعد ذلك الضرب في علو ورفعة . وروى الحافظ أبو الوليد الباجي قال : حج المنصور فأقاد مالكا من جعفر بن سليمان ، فامتنع مالك وقال : معاذ الله . قال نعيم بن حماد : حدثنا ابن المبارك قال : ما رأيت أحدا ارتفع مثل ما ارتفع مالك ، من رجل لم تكن له كثير صلاة ، إلا أن تكون له سريرة .
وقال أشهب : رأيت أبا حنيفة بين يدي مالك كالصبي بين يدي أبيه . وقال أبو مصعب : سمعت مالكا يقول : سألني أبو جعفر عن أشياء ثم قال : أنت ، والله أعقل الناس ، وأنت أعلم الناس ، قلت : لا ، والله يا أمير المؤمنين ، قال : بلى ، ولكنك تكتم ، والله لئن بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف ، ولأبعثن به إلى الآفاق فأحملهم عليه . حفص بن عبد الله : سمعت إبراهيم بن طهمان يقول : أتيت المدينة فكتبت بها ثم قدمت الكوفة فأتيت أبا حنيفة ، فسلمت عليه ، فقال لي : عمن كتبت ؟ أكتبت عن مالك شيئا ؟ قلت : نعم ، قال : جئني بما كتبت عنه ، فأتيته به فدعا بقرطاس ودواة ، فجعلت أملي عليه ، وهو يكتب .
وقال نصر بن علي : حدثنا حسين بن عروة قال : قدم المهدي فبعث إلى مالك بألفي دينار ، أو قال : بثلاثة آلاف دينار . قال قتيبة : كنا إذا دخلنا على مالك خرج إلينا مكحلا مزينا مطيبا قد لبس من أحسن ثيابه ، ثم تصدر فدعا بالمراوح فأعطى كل إنسان منا مروحة . ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر قال : كان مالك يشهد الصلوات ، والجمعة ، والجنائز ، ويعود المرضى ، ويقضي الحقوق ، ويجلس في المسجد ، ثم ترك الجلوس في المسجد ، فكان يصلي ويرجع إلى منزله ، وترك شهود الجنائز فكان يأتي أصحابها فيعزيهم ، ثم ترك ذلك كله حتى ترك الجمعة ، واحتمل الناس ذلك كله ، وكانوا أرغب ما كانوا فيه ، وأشد له تعظيما ، حتى مات على ذلك ، وكان ربما كلم قي ذلك فيقول : ليس كل واحد يقدر أن يتكلم بعذره .
وكان يجلس في منزله على ضجاع ونمارق يمنة ويسرة في سائر البيت لمن يأتيه من قريش والأنصار والناس ، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم وعلم ، وكان مهيبا نبيلا ما في مجلسه شيء من المراء واللغط ، ولا رفع صوت ، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث فلا يجيب إلا في الحديث بعد الحديث ، وربما أذن لبعضهم أن يقرأ عليه ، وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له : حبيب ، يقرأ للجماعة ، فليس أحد من يحضره يدنو ، ولا ينظر في كتابه ، ولا يستفهم هيبة له وإجلالا ، وكان حبيب إذا قرأ فأخطأ فتح عليه مالك ، وكان ذلك قليلا . قال هلال بن العلاء ، وأبو حاتم : أخبرنا أبو يوسف محمد بن أحمد ، قال : حدثنا عتبة بن حماد الدمشقي ، عن مالك قال : قال لي المنصور : ما على ظهرها أعلم منك ، قلت : بلى ، قال : فسمهم لي ، قلت : لا أحفظ أسماءهم ، قال : قد طلبت هذا الشأن في زمان بني أمية فقد عرفته ، فأما أهل العراق فأهل إفك وباطل ، وأما أهل الشام فأهل جهاد ، وليس فيهم كثير علم ، وأما أهل الحجاز ففيهم بقية العلم فأنت عالم الحجاز ، زاد أبو حاتم : فلا تردن على أمير المؤمنين قوله ، ثم قال : أكتب هذا العلم لمحمد . حماد بن غسان واه ، قال : حدثنا ابن وهب ، سمعت مالكا يقول : لقد حدثت بأحاديث وددت أني ضربت بكل حديث منها سوطين ولم أحدث بها .
قال مصعب الزبيري : سأل الرشيد مالكا ، وهو في منزل مالك ، ومعه بنوه أن يقرأ عليهم فقال : ما قرأت على أحد منذ زمان ، وإنما يقرأ علي ، فقال : أخرج الناس حتى أقرأ أنا ، فقال : إذا منع العام لبعض الخاص لم ينتفع الخاص ، وأمر معنا ، فقرأ عليه . قال إسماعيل بن أبي أويس : كان مالك لا يفتي حتى يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله . وقال أبو مصعب : لم يشهد مالك الجماعة خمسا وعشرين سنة ، فقيل له : ما يمنعك ؟ قال : مخافة أن أرى منكرا فأحتاج أن أغيره ، رواها إسماعيل القاضي عنه .
وقال الحسين بن الحسن بن مهاجر الحافظ : سمعت أبا مصعب يقول : كان مالك بعد تخلفه عن المسجد يصلي في منزله في جماعة يصلون بصلاته . وكان يصلي صلاة الجمعة في منزله وحده . وقال أحمد بن سعيد الرباطي : سمعت عبد الرزاق قال : سأل سندي مالكا عن مسألة فأجابه ، فقال : أنت من الناس أحيانا تخطئ وأحيانا لا تصيب ، قال : صدقت ، هكذا الناس ، ففطنوا مالكا فقال : عهدت العلماء لا يتكلمون بمثل هذا .
وقال يحيى بن بكير : قلت لمالك : إني سمعت الليث يقول : إن رأيت صاحب كلام يمشي على الماء فلا تثقن به ، فقال مالك : إن رأيته يمشي على الهواء فلا تأمنن ناحيته ، ولا تثقن به . النجاد : حدثنا هلال بن العلاء : قال : حدثني أبو يوسف الصيدلاني قال : سمعت محمد بن الحسن الشيباني قال : كنت عن مالك فقال لأصحابه : انظروا أهل المشرق فنزلوهم بمنزلة أهل الكتاب ، إذا حدثوكم فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، ثم رآني فكأنه استحيى فقال : يا أبا عبد الله أكره أن تكون غيبة ، كذا أدركت أصحابنا يقولون . فهذه الحكاية عن مالك يريد بها من لم تثبت عدالته منهم ، فإنه بلا ريب مجهول الحال فلا يعتمد عليه ، ومن علم كذبه رد خبره ، أما من ثبت صدقه ، وإتقانه فهم كعلماء المدينة ، فلمالك نظراء في أهل المشرق مثل : شعبة ، وحماد بن زيد ، ويزيد بن زريع ، ولشيوخ مالك نظراء كمنصور ، والأعمش ، وقتادة ، وللقاسم ، وسالم ، وعروة نظراء في الجلالة كالشعبي ، والنخعي ، ومحمد بن سيرين ، نعم ، الكذابون يندرون بالحجاز ويكثرون بالعراق .
قال البوسنجي : سمعت عبد الله بن عمر بن الرماح قال : دخلت على مالك فقلت : يا أبا عبد الله ما في الصلاة من فريضة ، وما فيها من سنة ؟ فقال مالك : هذا كلام الزنادقة أخرجوه . وقال أشهب : كنت عند مالك فسئل عن البتة فقال : هي ثلاث ، فأخذت ألواحي لأكتب فقال : لا تكتب فعسى في العشي أن أقول إنها واحدة . وقال معن بن عيسى : سمعت مالكا يقول : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما خالف فاتركوه .
إسماعيل بن أبي أويس : حدثني مالك قال : لما أراد يحيى بن سعيد أن يخرج إلى العراق قال لي : اكتب لي مائة حديث من حديث ابن شهاب ، فكتبتها له ، فأخذها ، قلت لمالك : فما قرأها عليك ، ولا قرأتها عليه ؟ قال : لا ، هو كان أفقه من ذلك . منصور بن سلمة الخزاعي : كنت عند مالك فقال له رجل : يا أبا عبد الله أقمت على بابك سبعين يوما وقد كتبت ستين حديثا ، فقال : ستون حديثا وجعل يستكثرها ، فقال له الرجل : إنا ربما كتبنا بالكوفة في المجلس ستين حديثا ، قال : وكيف بالعراق دار الضرب ، يضرب بالليل وينفق بالنهار . أحمد بن حنبل : حدثنا إسحاق ابن الطباع : سألت مالكا عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء ، فقال : إنما يفعله عندنا الفساق .
ابن وهب ، عن مالك قال : سمعت من الزهري أحاديث كثيرة لا أحدث بها أبدا . وقال معن : كان مالك يتحفظ من الباء ، والتاء . وسمع ابن وهب مالكا يقول : إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه .
وقال أبو الربيع ابن أخي رشدين : حدثنا ابن وهب قال : كنا عند مالك فقال رجل : يا أبا عبد الله ﴿الرحمن على العرش استوى ﴾ كيف استواؤه ؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ، ثم رفع رأسه فقال : ﴿الرحمن على العرش استوى ﴾كما وصف نفسه ، ولا يقال له : كيف ، وكيف عنه مرفوع ، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه ، فأخرج الرجل . وقال محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري : سمعت يحيى بن يحيى يقول : كنا عند مالك فجاءه رجل فقال : ﴿الرحمن على العرش استوى ﴾ كيف استوى ؟ ، وذكر نحوه ولفظه ، فقال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول . وقال عبد الله بن نافع : قال مالك : الله في السماء ، وعلمه في كل مكان ، رواه أحمد بن حنبل ، عن سريج بن النعمان ، عن ابن نافع .
قال عبد الرحمن بن مهدي : سمعت مالكا يقول : التوقيت في المسح على الخفين بدعة . قلت : قد صح التوقيت ، ولكن لم يبلغ مالكا ذلك . قال البخاري : أصح الأسانيد مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر .
قال ابن عبد البر في تمهيده : هذا كتبته من حفظي أن عبد الله بن عبد العزيز العمري كتب إلى مالك يحضه على الانفراد ، والعمل ، فكتب إليه مالك : إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق ، فرب رجل فتح له في الصلاة ، ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الصدقة ، ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الجهاد ، ونشر العلم من أفضل الأعمال ، وقد رضيت ما فتح لي فيه ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر . قلت : ما أحسن ما جاوب العمري واحتج عليه بسابق مشيئة الله في عباده ، ولم يفضل طريقته في العلم على طريقة العمري في التأله والزهد . قال أبو حاتم الرازي : حدثنا عبد المتعالي بن صالح صاحب مالك قال : قيل لمالك : إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ، ويجورون ، قال : يرحمك الله ، فأين المكلم بالحق ؟ .
قال موسى بن داود : سمعت مالكا يقول : قدم علينا أبو جعفر سنة خمسين ومائة ، فدخلت عليه ، فقال لي : يا مالك كثر شيبك ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، من أتت عليه السنون كثر شيبه ، قال : ما لي أراك تعتمد على قول ابن عمر من بين الصحابة ؟ ، قلت : كان آخر من بقي عندنا من الصحابة ، فاحتاج إليه الناس فسألوه ، فتمسكوا بقوله . قال ابن المديني في مراتب أصحاب نافع : أيوب وفضله ، ومالك وإتقانه ، وعبيد الله بن عمر وحفظه . محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قال لي محمد بن الحسن : أيما أعلم ، صاحبنا أو صاحبكم ؟ قلت : على الإنصاف ، قال : نعم ، قلت : أنشدك بالله من أعلم بالقرآن ؟ قال : صاحبكم ، قلت : فمن أعلم بالسنة ؟ قال : اللهم صاحبكم ، قلت : فمن أعلم بأقاويل الصحابة ، والمتقدمين ؟ قال : صاحبكم ، يعني مالكا ، قلت : لم يبق إلا القياس ، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء ، فمن لم يعرف الأصول على أي شيء يقيس ؟ .
أحمد بن سنان : سمعت عبد الرحمن بن مهدي قال : كنا عند مالك ، فجاءه رجل فقال : جئتك من مسيرة ستة أشهر ، حملني أهل بلادي مسألة ، قال : سل . فسأله عنها ، فقال : لا أحسن ، قال : فأي شيء أقول لأهل بلادي ؟ قال : تقول : قال مالك لا أحسن . قال الفضل بن زياد : سألت أحمد : من الذي ضرب مالكا ؟ قال : ضربه بعض الولاة في طلاق المكره .
كان لا يجيزه ، فضربه لذلك . وقال أبو داود السجزي : ضرب جعفر بن سليمان العباسي مالكا في طلاق المكره ، فحدثني بعض أصحاب ابن وهب ، عن ابن وهب أن مالكا ضرب وحلق ، وحمل على بعير ، فقيل له : ناد على نفسك ، فنادى : ألا من عرفني فقد عرفني ، أنا مالك بن أنس ، أقول : طلاق المكره ليس بشيء ، فقال جعفر : أدركوه أنزلوه . وعن إسحاق الفروي ، وغيره قال : ضرب مالك ونيل منه ، وحمل مغشيا عليه .
فعن مالك قال : ضربت فيما ضرب فيه سعيد بن المسيب ، ومحمد بن المنكدر ، وربيعة ، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر . وعن الليث بن سعد قال : إني لأرجو أن يرفعه الله بكل سوط درجة في الجنة . قال مصعب بن عبد الله : ضربوه ثلاثين سوطا ويقال : ستين سوطا وذلك في سنة ست وأربعين ومائة .
قال الأصمعي : ضربه جعفر ، ثم بعد مشيت بينهما حتى جعله في حل . سليمان بن معبد : حدثنا الأصمعي قال : قال عمر بن قيس سندل لمالك : يا أبا عبد الله ، أنت مرة تخطئ ، ومرة لا تصيب ، قال : كذاك الناس ، ثم فطن فقال : من هذا ؟ قيل : أخو حميد بن قيس ، فقال : لو علمت أن لحميد أخا مثل هذا ما رويت عن حميد . عن ابن وهب : أن مناديا نادى بالمدينة : ألا لا يفتي الناس إلا مالك ، وابن أبي ذئب .
حرملة : حدثنا ابن وهب : سمعت مالكا ، وقال له رجل : طلب العلم فريضة ؟ قال : طلب العلم حسن لمن رزق خيره ، وهو قسم من الله . وقال : لا يكون إماما من حدث بكل ما سمع . وقال : إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار ، وسكينة ، وخشية ، وأن يكون متبعا لأثر من مضى قبله .
قال الرمادي : حدثنا القعنبي ، وسئل : كم أتى على مالك ، قال : سمعتهم يقولون : تسع وثمانون سنة ، قال : ومات سنة تسع وسبعين ومائة ، وعرضت عليه سنة إحدى وستين . قال إسماعيل بن أبي أويس : اشتكى مالك ، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت ، قالوا : تشهد ثم قال : لله الأمر من قبل ومن بعد . وتوفي في صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول فصلى عليه أمير المدينة عبد الله بن محمد بن إبراهيم الملقب بالإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي - ، وأمه زينب بنت سليمان العباسية ، وكان الأمير عبد الله يعرف بأمه ، يقال له : ابن زينب ، رواها محمد بن سعد ، عن إسماعيل : ثم قال : وسألت مصعبا الزبيري فقال : بل توفي في صفر ، فأخبرني معن بن عيسى بمثل ذلك .
وقال أبو مصعب الزهري : مات لعشر مضت من ربيع الأول . وقال ابن سحنون : مات في حادي عشر ربيع الأول . وقال ابن وهب : مات لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول .
واتفقوا على سنة تسع . ومناقب مالك وسيرته يطول شرحها ، وقد أفردت له ترجمة في جزء ضخم ، وكذا أفردت ما وقع لي عاليا من حديثه في جزء ، وقد سمعنا موطأ أبي مصعب عنه بالإجازة العالية ، و موطأ القعنبي ، و موطأ يحيى بن بكير ، و موطأ سويد بن سعيد الثلاثة بالاتصال ، والله أعلم .