ميسرة
ميسرة . هو ميسرة بن عبد ربه الفارسي البصري التراس ، هكذا قال ابن أبي حاتم ، والظاهر أنه الأكال المشهور . روى عن : ليث بن أبي سليم ، وموسى بن عبيدة ، وغالب بن عبيد الله ، وعمر بن سليمان الدمشقي ، ومالك ، والأوزاعي ، وغيرهم ، وعنه : شعيب بن حرب ، وعلي بن قتيبة ، ويحيى بن غيلان ، ومجاشع بن عمرو ، وداود بن المحبر ، وآخرون .
قال آدم بن موسى : سمعت البخاري يقول : ميسرة بن عبد ربه يرمى بالكذب . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال الدارقطني : ميسرة بن عبد ربه ، بغدادي ، عن زيد بن أسلم ، وكتاب العقل تصنيفه ، متروك الحديث .
وقال الحاكم : ساقط يروي الموضوعات . وقال ابن حبان : ميسرة بن عبد ربه الفارسي من أهل دورق كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ، ويضع في الحث على الخير . وقال جعفر بن محمد بن نوح : سمعت محمد بن عيسى بن الطباع : قلت لميسرة بن عبد ربه : من أين جئت بهذه الأحاديث : من قرأ كذا وكذا كان له كذا ؟ قال : وضعته أرغب الناس فيه .
وقال أبو داود : أقر بوضع الحديث . وقال أبو حاتم : كان يفتعل الحديث ، روى في قزوين والثغور . وقال أبو زرعة الرازي : وضع في فضائل قزوين أربعين حديثا ، وكان يقول : إني أحتسب في ذلك .
قلت : فأما إن كان ميسرة التراس الأكال فهو ممكن ، وإن لم يكن هو فالتراس كان معاصرا له ، وقد ورد عنه أخبار مشهورة في كثرة الأكل ، وقد قال أبو بكر بن مجاهد المقرئ : حدثنا غلام خليل - قلت : وغلام خليل واه - : قال : حدثنا زيد بن أخزم ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : قلت لميسرة التراس : أيش أكلت اليوم ؟ قال : أكلت أربعة آلاف تينة ومائة رغيف ، وقوصرتين بصل ، وكيلجة نمك ، ومسلوخ ، وشربت نصف جرة سمن ، قال : فدخلت منزلي فما خلوا شيئا حتى خبأوه مني . وقال نصر بن علي الجهضمي : حدثنا الأصمعي قال : قال لي الرشيد : كم أكثر شيء أكل ميسرة ؟ قلت : مائة رغيف ونصف مكوك ملح ، فدعا الرشيد بفيل ، فطرح له مائة رغيف فأكلها إلا رغيفا ، فهذه حكاية صحيحة . وقال أبو سعيد ابن الأعرابي : حدثنا عبد الله بن محمد العتكي ، قال : حدثنا عبد الواحد بن غياث قال : كنت مع قوم من أبناء المترفين ، إذ أقبل ميسرة على حماره ، فقالوا : أتأكل كبشا ؟ قال : ما أكره ذلك ، قال : فأنزلوه ، وأخذوا حماره إلى مكان ، ثم بعد وقت جاءت الغلمان بجفنة ملأى ، فأقبل يأكل ويقول : ويحكم هذا لحم فيل وهذا لحم شيطان حتى فرغه ، ثم قال : حماري ؟ قالوا : حمارك في بطنك ، قال : أيش تقولون ؟ فأطعموه حماره ، وغرموا له ثمنه .
أخبرنا علي بن أحمد ، قال : أخبرنا عتيق السلماني ، وإبراهيم ابن الخشوعي قالا : أخبرنا أبو القاسم ابن عساكر ، قال : أخبرنا أبو القاسم النسيب ، قال : أخبرنا رشأ المقرئ ، قال : أخبرنا الحسن بن إسماعيل ، قال : حدثنا أحمد بن مروان ، قال : حدثنا إبراهيم بن ديزيل ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : سمعتهم يقولون لميسرة الأكول : كم تأكل ؟ قال : من مالي أو من مال غيري ؟ قالوا : من مالك ، قال : رغيفين ، قالوا : فمن مال غيرك ؟ قال : اخبز ، واطرح . مسعود بن بشر : سمعت الأصمعي يقول : نذرت امرأة أن تشبع ميسرة التراس ، فأتته وقالت : اقتصد علي فإني امرأة متجملة غير متمولة ، قال : فإني أقتصد ، فذكر لها من أصناف الطعام ، فإذا هو قوت سبعين رجلا فاتخذته ، ثم أحضرت ميسرة ، فأكله عن آخره . وكان ميسرة يزوق السقوف ، فدعاه رجل يزوق له وهو لا يعرفه ، وكان الرجل قد دعا ثلاثين إنسانا إلى الموضع ، وصنع لهم طعاما كثيرا ، فلما فرغ الطباخ خرج لحاجة ، ونظر ميسرة إلى الموضع قد خلا ، فنزل فأكل ذلك الطعام كله ، وعاد إلى عمله .
فجاء الطباخ وليس في المطبخ إلا العظام ، فأعلم صاحب المنزل ، وقد حضر القوم ، فحار الرجل في أمره ، ولم يدر من أين أتي ، وأنكره القوم ، فسألوه عن حاله ، فصدقهم ، فنهضوا جميعا حتى دخلوا المطبخ ، وعاينوا الحال ، فكثر تعجبهم حتى قال بعضهم : هذا من فعل الجن . فلمح رجل منهم ميسرة ، وكان يعرفه ، فصاح : قد عرفت والله الخبر ، هذا ميسرة عندك ، وهو أكل طعامك ، قال : فاستنزله من الموضع ، فقال : أنا أكلته ، ولو كان لي مثله لأكلته فجربوا إن شتم ، فانصرف القوم إلى منازلهم ، وطلع إلى عمله . رواها أبو محمد بن زبر القاضي ، عن الحسن بن عليل القاضي ، عن مسعود بن بشر ، عن الأصمعي .
فميسرة هذا كان يأكل بالحال ، ألا تراه ذكر أن عادته أكل رغيفين كآحاد الناس ، وأنه أكل ما يكفي سبعين رجلا ، ونحو ذلك عندما يجمع همته ، وقد رأيت أنا من يأكل إذا أراد بالحال ، وهذا الحال ليس من كرامات الأولياء ، فإن الأولياء أكلهم قليل ، والمؤمن يأكل في معا واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء . وأيضا فالولي يأكل قوت يوم في أسبوع ، يتقوت به ، ويبارك له في طعامه ، وفي قواه ، لا أنه يأكل نصف قنطار من الطعام في جلسة ، ولعل من يفعل هذا لا يسمي الله ، ويقبل بنفس حادة محرقة للأكل ، وقد تعينه الشياطين في أكل ذلك فيفرغ ، وتطير بركته ، ويظن هو ومن حضره أن هذا الفعل من كرامات المتقين ، وإنما كرامات السادة أن يحضر أحدهم ما يكفي واحدا ، فيقوت به الجمع الكبير ، ويشبعون ببركة دعائه .