عبد الله العمري الزاهد
عبد الله العمري الزاهد . هو السيد القدوة أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني الزاهد ، أحد الأعلام . روى القليل عن أبيه ، وعن : أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن ، وعنه : ابن المبارك ، وابن عيينة ، وعبد الله بن عمران العابدي ، وغيرهم .
وثقه النسائي ، وكان من العلماء العاملين ، قانتا لله حنيفا ، منعزلا عن الناس إلا من خير ، وكان ينكر على مالك اجتماعه بالدولة . وقد قال سفيان بن عيينة : هو عالم المدينة الذي ورد فيه الحديث ، والناس على خلاف سفيان في هذا . قال نعيم بن حماد : سمعت سفيان أكثر من ثلاثين مرة يقول : إن كان أحد فهو العمري .
قال ذلك لما حدثنا عن أبي الزبير ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يضرب الناس أكباد الإبل ، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة . وأخبرنا به عاليا علي بن عبد الغني ، قال : أخبرنا الموفق عبد اللطيف ، قال : أخبرنا ابن البطي ، قال : أخبرنا علي بن محمد الأنباري ، قال : أخبرنا أبو عمر بن مهدي ، قال : حدثنا محمد بن مخلد ، قال : حدثنا محمد بن سعيد بن غالب ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة بهذا . قلت : هذا الخبر منطبق على من اتصف بأنه عالم زمانه ، وهو سعيد بن المسيب في وقته ، ومالك بن أنس في وقته .
وروى الطبري في تاريخه بإسناد عن بعض أولاد عبد الله بن عبد العزيز العمري ، أن الرشيد قال : والله ما أدري ما آمر في هذا العمري ، أكره أن أقدم عليه ، وله سلف أكرمهم ، وإني أحب أن أعرف رأيه - يعني فينا - فقال عمر بن بزيع ، والفضل بن الربيع : نحن له ، فخرجا من العرج إلى موضع يقال له : خلص ، حتى وردا عليه بالبادية في مسجد له ، فأناخا راحلتيهما بمن معهما ، وأتياه على زي الملوك في حشمة ، فجلسا إليه ، فقالا : يا أبا عبد الرحمن نحن رسل من وراءنا من أهل المشرق يقولون لك : اتق الله ، وإن شئت فانهض ، فقال : ويحكما ، فيمن ولمن ؟ قالا : أنت ! قال : والله ما أحب أني لقيت الله - عز وجل - بمحجمة دم مسلم ، وأن لي ما طلعت عليه الشمس ، فلما آيسا منه قالا : إن معنا عشرين ألفا تستعين بها ، قال : لا حاجة لي بها ، قالا : أعطها من رأيت ، قال : أعطياها أنتما ، فلما آيسا منه ذهبا ولحقا بالرشيد ، فحدثاه ، فقال : ما أبالي ما أصنع بعد هذا ، قال : فحج العمري في تلك السنة ، فبينا هو في المسعى اشترى شيئا ، فإذا بالرشيد يسعى على دابة ، فعرض له العمري ، فأتاه حتى أخذ بلجام الدابة ، فأهووا إليه ، فكفهم الرشيد ، وكلمه - يعني وعظه - فرأيت دموع الرشيد تسيل على معرفة دابته ، ثم انصرف . وروى علي بن حرب الطائي ، عن أبيه قال : مضى هارون الرشيد على حمار ، ومعه غلام إلى العمري فوعظه ، فبكى الرشيد ، وحمل مغشيا عليه . قال إسماعيل بن أبي أويس : كتب عبد الله العمري إلى مالك ، وابن أبي ذئب ، وغيرهما بكتب أغلظ لهم فيها ، وقال : أنتم علماء تميلون إلى الدنيا وتلبسون اللين ، وتدعون التقشف ، فكتب له ابن أبي ذئب كتابا أغلظ له ، وجاوبه مالك جواب فقيه .
وقيل : إن العمري وعظ الرشيد مرة ، فتلقى قوله بنعم يا عم . فلما ذهب أتبعه الأمين والمأمون بكيسين فيهما ألفا دينار ، فلما يأخذها ، وقال : هو أعلم بمن يفرقها عليه ، ثم أخذ من الكيسين دينارا ، وقال : كرهت أن أجمع عليه سوء القول وسوء الفعل . وشخص إليه بعد ذلك إلى بغداد ، فكره الرشيد مجيئه ، وجمع العمريين ، وقال : ما لي ولابن عمكم ؛ احتملته بالحجاز فأتى إلى دار ملكي يريد أن يفسد علي أوليائي ، ردوه عني .
قالوا : لا يقبل منا ، فكتب إلى الأمير موسى بن عيسى أن يرفق به حتى يرده . أحمد بن زهير : حدثنا مصعب الزبيري قال : كان العمري جسيما أصفر ، لم يكن يقبل من السلطان ، ولا من غيره ، ومن ولي من معارفه وأقاربه لا يكلمه ، وقد ولي أخوه عمر المدينة وكرمان واليمامة ، فهجره حتى مات . ما أدركت بالمدينة رجلا أهيب عند السلطان والعامة منه ، وكان ابن المبارك يصله فيقبل منه .
قال : وقدم الكوفة يريد أن يخوف الرشيد بالله ، فرجفت لقدومه الدولة ، حتى لو كان نزل بهم مائة ألف من العدو ، ما زاد من هيبته ، فرجع من الكوفة ، ولم يصل إليه . قال يحيى بن أيوب العابد : حدثني بعض أصحابنا قال : كتب مالك بن أنس إلى العمري : إنك بدوت ، فلو كنت عند مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فكتب إليه : إني أكره مجاورة مثلك ، إن الله لم يرك متغير الوجه فيه ساعة قط . وقيل : كانت أم العمري أنصارية .
وكان زاهدا ، قوالا بالحق ، متألها ، متعبدا ، منعزلا بناحية غربي المدينة . ويروى أن العمري كان يلزم المقبرة كثيرا ، ومعه كتاب ينظر فيه ، فقال : ليس شيء أوعظ من قبر ، ولا آنس من كتاب . عمر بن شبة ، حدثنا أبو يحيى الزهري قال : قال عبد الله بن عبد العزيز عند موته : بنعمة ربي أحدث ، لو أن الدنيا تحت قدمي ما يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي ، ما أزلتها ، إني لم أصبح أملك إلا سبعة دراهم من لحا شجر فتلته بيدي .
قال المسيب بن واضح : سمعت العمري الزاهد بمسجد منى يشير بيده ، ويقول : لله در ذوي العقول والحرص في طلب الفضول سلاب أكسية الأرامل واليتامى ، والكهول والجامعين المكثرين من الجباية ، والغلول وضعوا عقولهم من الدنيا بمدرجة السيول ولهوا بأطراف الفروع وأغفلوا علم الأصول وتتبعوا جمع الحطام وفارقوا أثر الرسول ولقد رأوا غيلان ريب الدهر غولا بعد غول أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة ، عن أبي الفضائل الكاغدي ، قال : أخبرنا أبو علي الحداد ، قال : أخبرنا أبو نعيم ، قال : حدثنا أحمد بن جعفر ، قال : حدثنا أحمد بن علي الأبار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم ، قال : حدثنا سفيان قال : دخلت على العمري الصالح ، فقال : ما أحد يدخل علي أحب إلي منك ، وفيك عيب ، قلت : ما هو ؟ قال : حب الحديث ، أما إنه ليس من زاد الموت أو من أبزار الموت . وقال أبو المنذر إسماعيل بن عمر : سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول : إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه ، فتجاوزه ، ولا تأمر ، ولا تنهى خوفا ممن لا يملك لك ضرا ولا نفعا ، من ترك الأمر بالمعروف من مخافة المخلوقين نزعت منه الهيبة ، فلو أمر بعض ولده لاستخف به . قال محمد بن حرب المكي : قدم العمري فاجتمعنا إليه ، فلما نظر إلى القصور المحدقة بالكعبة نادى بأعلى صوته : يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبور الموحشة ، يا أهل التنعم والتلذذ اذكروا الدود والصديد ، وبلاء الأجسام في التراب ، ثم غلبته عينه فقام .
أخبرنا إسحاق الأسدي ، قال : أخبرنا ابن خليل ، قال : أخبرنا الكاغدي ، قال : أخبرنا أبو علي ، قال : أخبرنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سليمان بن أحمد ، قال : حدثنا إسحاق الخزاعي ، قال : حدثنا الزبير بن بكار ، قال : حدثنا سليمان بن محمد بن يحيى قال : سمعت عبد الله بن عبد العزيز العمري يقول : قال لي موسى بن عيسى : ينهى إلى المؤمنين أنك تشتمه وتدعو عليه ، فبأي شيء استجزت ذلك ؟ قلت : أما شتمه فهو - والله - أكرم علي من نفسي ، لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما الدعاء عليه فوالله ما قلت اللهم إنه قد أصبح عبئا ثقيلا على أكتافنا ، ولا تطيقه أبداننا ، وقذى في جفوننا ، لا تطرف عليه جفوننا ، وشجى في أفواهنا لا تسيغه حلوقنا ، فاكفنا مؤونته ، وفرق بيننا وبينه ، ولكن قلت : اللهم إن كان تسمى بالرشيد ليرشد فأرشده ، أو لغير ذلك فراجع به ، اللهم إن له في الإسلام بالعباس على كل مؤمن حقا ، وله بنبيك قرابة ورحم ، فقربه من كل خير ، وباعده من كل سوء ، وأسعدنا به ، وأصلحه لنفسه ولنا ، فقال موسى : رحمك الله أبا عبد الرحمن كذلك لعمري الظن بك . أنبأنا ابن سلامة ، عن أبي الفضائل عبد الرحيم بن محمد ، أن أبا علي الحداد أخبرهم ، قال : أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال : حدثنا سليمان بن أحمد ، قال : حدثنا موسى بن محمد بن كثير السريني ، قال : حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي ، قال : حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري ، عن أبي طوالة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الزبانية أسرع إلى فسقة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان ، فيقولون : يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان ؟ فيقال : ليس من علم كمن لا يعلم ، تفرد به العمري ، وهو خبر منكر ، وشيخ الطبراني لا أعرفه . قال مصعب الزبيري : مات العمري سنة أربع وثمانين ومائة ، وله ست وستون سنة .