الكسائي علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز
الكسائي : علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز ، مولى بني أسد ، أبو الحسن الأسدي الكوفي الكسائي ، شيخ القراء والنحاة . نزل بغداد ، وأدب الرشيد ، ثم ولده الأمين . قرأ القرآن على حمزة الزيات أربع مرات ، وقرأ أيضا على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عرضا .
وروى عن : جعفر الصادق ، والأعمش ، وسليمان بن أرقم ، وأبي بكر بن عياش ، وتلا أيضا على عيسى بن عمر الهمداني . واختار لنفسه قراءة صارت إحدى القراءات السبع ، وتعلم النحو على كبر سنه ، وخرج إلى البصرة ، وجالس الخليل فقال له : من أين أخذت ؟ قال : ببوادي الحجاز ، ونجد ، وتهامة . فخرج الكسائي إلى أرض الحجاز ، وغاب مدة ، ثم قدم وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ في قلبه ، ورجع والخليل قد مات ، وجلس يونس بعده ، فمرت بين الكسائي وبين يونس مسائل أقر له فيها يونس .
قال عبد الرحيم بن موسى : سألته لم سميت الكسائي ؟ قال : لأني أحرمت في كساء . وقال الشافعي : من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي . قال أبو بكر ابن الأنباري : اجتمع في الكسائي أمور : كان أعلم الناس بالنحو ، وواحدهم في الغريب ، وكان أوحد الناس في القرآن ، وكانوا يكثرون عليه حتى لا يضبط عليهم ، فكان يجمعهم ، ويجلس على كرسي ، ويتلو القرآن من أوله إلى آخره ، وهم يسمعون ، ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ .
قال إسحاق بن إبراهيم : سمعت الكسائي يقرأ القرآن على الناس مرتين ، وعن خلف بن هشام قال : كنت أحضر بين يدي الكسائي ، وهو يقرأ على الناس ، وينقطون مصاحفهم على قراءته . قلت : وتلا على الكسائي أبو عمر الدوري ، وأبو الحارث الليث بن خالد ، ونصير بن يوسف الرازي ، وقتيبة بن مهران الأصبهاني ، وأبو جعفر أحمد بن أبي سريج ، وأحمد بن جبير الأنطاكي ، وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل ، وأبو موسى عيسى بن سليمان الشيزري . وروى عنه : أبو عبيد القاسم بن سلام ، ويحيى الفراء ، وخلف البزار ، وعدة .
قال خلف : أولمت وليمة فدعوت الكسائي ، واليزيدي ، فقال اليزيدي : يا أبا الحسن ، أمور تبلغنا عنك ننكر بعضها ، فقال الكسائي : أومثلي يخاطب بهذا ؟ وهل مع العالم إلا فضل بصاقي في العربية ، ثم بصق ، فسكت اليزيدي . وللكسائي كتب مصنفة ، منها : كتاب معاني القرآن ، ومختصر النحو ، وكتاب في القراءات ، وكتاب النوادر الكبير ، وتصانيف أخر . وقيل : إنما عرف بالكسائي ؛ لأنه أيام قراءته على حمزة كان يلتف في كساء ، فلقبه أصحاب حمزة بالكسائي .
أبو العباس بن مسروق : حدثنا سلمة بن عاصم قال : قال الكسائي : صليت بهارون الرشيد ، فأعجبتني قراءتي فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط أردت أن أقول لعلهم يرجعون [آل عمران] فقلت يرجعين فوالله ما اجترأ الرشيد أن يقول أخطأت ، لكنه لما سلم قال : أي لغة هذه ؟ قلت : يا أمير المؤمنين قد يعثر الجواد ، قال : أما هذا فنعم . وعن سلمة : سمعت الفراء يقول : سمعت الكسائي يقول : ربما سبقني لساني باللحن فلا يمكنني أن أرد لساني . وذكر ابن الدورقي قال : اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد ، فحضرت العشاء فقدموا الكسائي ، فأرتج عليه قراءة ﴿قل يا أيها الكافرون ﴾ فقال اليزيدي : قراءة هذه السورة ترتج على قارئ أهل الكوفة! قال : فحضرت صلاة فقدموا اليزيدي فأرتج عليه في الحمد فلما سلم قال : احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق وعن خلف قال : كان الكسائي يقرأ لنا على المنبر ، فقرأ يوما : أنا أكثرَ منك مالا .
فسألوه عن العلة فثرت في وجوههم ، فمحوه من كتبهم ، ثم قال لي : يا خلف ، يكون أحد من بعدي يسلم من اللحن ؟ قال الفراء : ناظرت الكسائي يوما وزدت ، فكأني كنت طائرا يشرب من بحر . وعن الفراء قال : إنما تعلم الكسائي النحو على كبر ؛ لأنه جاء إلى قوم وقد أعيا ، فقال : قد عييت ، فقالوا له : تجالسنا ، وأنت تلحن ؟ قال : وكيف ؟ قالوا : إن أردت من التعب فقل أعييت ، وإن أردت انقطاع الحيلة في الأمر فقل عييت ، فأنف من هذا ، وقام وسأل عمن يعلم النحو ، فأرشد إلى معاذ الهراء ، فلزمه حتى أنفد ما عنده ، ثم خرج إلى الخليل . قلت : وقد كانت للكسائي عند الرشيد منزلة رفيعة ، وسار معه إلى الري ، فمرض ، ومات بقرية رنبوية ، فلما اعتل تمثل ، فقال .
قدر أحلك ذا النخيل وقد رأى وأبي ومالك ذو النخيل بدار ألا كداركم بذي بقر الحمى هيهات ذو بقر من المزدار ومات معه محمد بن الحسن الفقيه ، فقال الرشيد لما رجع إلى العراق : دفنت الفقه والنحو برنبوية . وقال نصير بن يوسف : دخلت على الكسائي في مرض موته فأنشأ يقول : قدر أحلك ، وذكر البيتين ، فقلت : كلا ، ويمتع الله الجميع بك ، فقال : لئن قلت ذاك لقد كنت أقرئ في مسجد دمشق ، فأغفيت في المحراب ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم داخلا من باب المسجد ، فقام إليه رجل ، فقال : بحرف من نقرأ ؟ فأومأ إلي . قال الدوري : توفي الكسائي بقرية أرنبوية ، وكذا سماها أحمد بن جبير ، وزاد فقال : في سنة تسع وثمانين ومائة ، وكذا أرخه جماعة .
فقيل إنه عاش سبعين سنة . وفي وفاته أقوال واهية ، سنة إحدى وثمانين ، وسنة اثنتين ، وسنة ثلاث ، وسنة خمس وثمانين ، وقيل : سنة ثلاث وتسعين ، والأول أصح .