محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم الكوفي
محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم الكوفي الفقيه العلامة ، مفتي العراقين ، أبو عبد الله ، أحد الأعلام . قيل : أصله من حرستا من غوطة دمشق ، ومولده بواسط ، ثم إنه نشأ بالكوفة . سمع أبا حنيفة ، وأخذ عنه بعض كتب الفقه ، وسمع : مسعرا ، ومالك بن مغول ، والأوزاعي ، ومالك بن أنس ، ولزم القاضي أبا يوسف ، وتفقه به ، أخذ عنه : الشافعي ، وأبو عبيد ، وهشام بن عبيد الله ، وعلي بن مسلم الطوسي ، وعمرو بن أبي عمرو الحراني ، وأحمد بن حفص البخاري ، وخلق سواهم .
وقد أفردت له ترجمة حسنة في جزء . قال ابن سعد : أصله من الجزيرة ، وسكن أبوه الشام ، ثم قدم واسطا فولد له بها محمد في سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وسمع الكثير ، ونظر في الرأي ، وغلب عليه ، وسكن بغداد ، واختلف الناس إليه فسمعوا منه . وقال آخر : ولي محمد بن الحسن القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف ، وكان إماما مجتهدا من الأذكياء الفصحاء .
قال أبو عبيد : ما رأيت أعلم بكتاب الله منه . وقال الشافعي : لو أشاء أن أقول : نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته ، وقد حملت عنه وقر بختي كتبا . وعن الشافعي قال : ما ناظرت سمينا أذكى من محمد ، وناظرته مرة فاشتدت مناظرتي له ، فجعلت أوداجه تنتفخ ، وأزراره تتقطع زرا زرا .
قال الشافعي : قال محمد بن الحسن : أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسرا ، وسمعت من لفظه سبعمائة حديث . وقال يحيى بن معين : كتبت الجامع الصغير عن محمد بن الحسن . وقال : إبراهيم الحربي : قلت لأحمد بن حنبل : من أين لك هذه المسائل الدقاق ؟ قال : من كتب محمد بن الحسن .
وقال عمرو بن أبي عمرو الحراني : قال محمد بن الحسن : خلف أبي ثلاثين ألف درهم ، فأنفقت على النحو والشعر خمسة عشر ألفا ، وأنفقت على الحديث والفقه خمسة عشر ألفا . وقال ابن عدي في كامله : سمع محمد الموطأ من مالك . وقال إسماعيل بن حماد : قال محمد بن الحسن : بلغني أن داود الطائي كان يسأل عني وعن حالي ، ويقول : إن عاش فسيكون له شأن .
وعن الشافعي قال : ما ناظرت أحدا إلا تمعر وجهه ، ما خلا محمد بن الحسن . قال أحمد بن أبي سريج : سمعت الشافعي يقول : أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين دينارا ، ثم تدبرتها فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثا . وقال محمد بن الحسن فيما سمعه منه محمد بن سماعة : هذا الكتاب ، يعني كتاب الحيل ليس من كتبنا ، إنما ألقي فيها .
قال أحمد بن أبي عمران : إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة . الطحاوي : حدثنا يونس قال : قال الشافعي : كان محمد بن الحسن إذا قعد للمناظرة والفقه أقعد معه حكما بينه وبين من يناظره ، فيقول لهذا : زدت ، ولهذا : نقصت . أبو حازم القاضي ، عن بكر بن محمد العمي ، عن محمد بن سماعة قال : كان سبب مخالطة محمد بن الحسن السلطان أن أبا يوسف القاضي شوور في رجل يولى قضاء الرقة ، فقال : يصلح محمد بن الحسن ، فأشخصوه ، فلما قدم جاء إلى أبي يوسف ، فدخل به على يحيى بن خالد ، فولوه قضاء الرقة .
قلت : قد احتج بمحمد أبو عبد الله الشافعي . وقال الدارقطني : لا يستحق محمد عندي الترك . وقال النسائي : حديثه ضعيف ، يعني من قبل حفظه .
وقال حنبل : سمعت أحمد بن حنبل يقول : كان أبو يوسف منصفا في الحديث ، وأما محمد فكان مخالفا للأثر ، يعني يخالف الأحاديث ، ويأخذ بعموم القرآن . وقد كان رحمه الله تعالى آية في الذكاء ، ذا عقل تام ، وسؤدد ، وكثرة تلاوة للقرآن ، فحكى أحمد بن أبي عمران قاضي مصر ، عن بعض أصحاب محمد بن الحسن : أن محمدا كان حزبه في كل يوم وليلة ثلث القرآن . وقال أبو حازم القاضي : سمعت بكرا العمي يقول : إنما أخذ ابن سماعة ، وعيسى بن أبان حسن الصلاة من محمد بن الحسن .
وقال علي بن معبد : حدثني الرجل الرازي الذي مات محمد بن الحسن في بيته قال : حضرته وهو يموت فبكى ، فقلت له : أتبكي مع العلم ؟ فقال لي : أرأيت إن أوقفني الله تعالى ، وقال : يا محمد ما أقدمك الري ؟ ألجهاد في سبيلي ؟ أم لابتغاء مرضاتي ؟ ماذا أقول ؟ وقال أحمد بن محمد بن أبي رجاء : سمعت أبي يقول : رأيت محمد بن الحسن في النوم ، فقلت : إلى ما صرت ؟ قال : غفر لي ، قلت : بم ؟ قال : قيل لي لم نجعل هذا العلم فيك وإلا نحن نغفر لك . قلت : توفي إلى رضوان الله في سنة تسع وثمانين ومائة .