حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

ابن السماك محمد بن صبيح أبو العباس العجلي

ابن السماك هو محمد بن صبيح أبو العباس العجلي ، مولاهم الكوفي الواعظ الزاهد ، أحد الأعيان . سمع هشام بن عروة ، وسليمان الأعمش ، ويزيد بن أبي زياد ، ونحوهم ، وعنه : يحيى بن يحيى ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن أيوب المقابري ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وآخرون . وقال ابن نمير : كان صدوقا .

قال الخطيب : قدم بغداد فمكث فيها مدة ثم رجع . وعنه قال : كم من شيء إذا لم ينفع لم يضر ، ولكن العلم إذا لم ينفع ضر . وعن مغيرة بن شعيب قال : حضرت يحيى بن خالد البرمكي يقول لابن السماك : إذا دخلت على أمير المؤمنين فأوجز ، ولا تكثر عليه ، قال : فلما دخل عليه قال : يا أمير المؤمنين إن لك بين يدي الله مقاما ، وإن لك من مقامك منصرفا فانظر إلى أين منصرفك ، إلى الجنة أم إلى النار ، فبكى الرشيد حتى كاد أن يموت .

وقال عبد الله بن صالح العجلي : سمعت ابن السماك يقول : كتب إلي رجل من إخواني من أهل بغداد : صف لي الدنيا ، فكتبت إليه : أما بعد ، فإنه حفها بالشهوات ، وملأها بالآفات ، ومزج حلالها بالمؤونات ، وحرامها بالتبعات ، حلالها حساب ، وحرامها عذاب ، والسلام . وعنه قال : همة العاقل في النجاة ، والهرب ، وهمة الأحمق في اللهو ، والطرب ، عجبا لعين تلذ بالرقاد ، وملك الموت معه على الوساد ، حتى متى يبلغنا الواعظون أعلام الآخرة ، حتى كأن نفوسنا عليها واقفة ، وكأن العيون إليها ناظرة ، أفلا منتبه من نومته ، أو مستيقظ من غفلته ، ومفيق من سكرته ، وخائف من صرعته ؟ كدحا للدنيا كدحا ، أما تجعل للآخرة منك حظا ، أقسم بالله لو قد رأيت القيامة تخفق بزلزال أهوالها ، والنار قد علت مشرفة على أهلها ، وقد وضع الكتاب ، ونصب الميزان ، وجيء بالنبيين والشهداء لسرك أن تكون لك في ذلك الجمع منزلة ، أبعد الدنيا دار معتمل أم إلى غير الآخرة منتقل ؟ هيهات ، كلا والله ، ولكن صمت الآذان عن المواعظ ، وذهلت القلوب عن المنافع ، فلا الواعظ ينتفع ، ولا السامع ينتفع . وعنه قال : هب الدنيا كلها في يديك ، ودنيا أخرى مثلها ضمت إليك ، وهب المشرق والمغرب يجبى إليك ، فإذا جاءك الموت فماذا بين يديك ؟ ألا من امتطى الصبر قوي على العبادة ، ومن أجمع اليأس استغنى عن الناس ، ومن أهمته نفسه لم يول مرمتها غيره ، ومن أحب الخير وفق له ، ومن كره الشر جنبه ، ألا متأهب فيما يوصف أمامه ، ألا مستعد ليوم فقره وفاقته ، ألا شيخ مبادر انقضاء مدته وفناء أجله ، ما ينتظر من ابيضت شعرته بعد سوادها ، وتكرش وجهه بعد انبساطه ، وتقوس ظهره بعد انتصابه ، وكل بصره ، وضعف ركنه ، وقل نومه ، وبلي منه شيء بعد شيء في حياته ، فرحم الله امرأ عقل الأمر ، وأحسن النظر ، واغتنم أيامه .

قال عبد الحميد بن صالح : حدثنا ابن السماك ، عن سفيان الثوري قال : احتاجت امرأة العزيز فلبست ثيابها ، فقال لها أهلها : إلى أين ؟ قالت : أريد أسأل يوسف . قالوا : نخافه عليك . قالت : كلا ، إنه يخاف الله ، ولست أخاف ممن يخاف الله .

قال : فجلست على طريقه ، فقامت إليه لما أقبل ، فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد بطاعته ملوكا ، وجعل الملوك بمعصيته عبيدا ، أصابتنا حاجة . قال : فأمر لها بما يصلحها . قال ثعلب : حدثنا ابن الأعرابي قال : كان ابن السماك يتمثل بهذا : إذا خلا في القبور ذو خطر فزره يوما وانظر إلى خطره أبرزه الدهر من مساكنه ومن مقاصيره ومن حجره وعن ابن السماك قال : الدنيا كلها قليل ، والذي بقي منها في جنب ما مضى قليل ، والذي لك من الباقي قليل ، ولم يبق من قليلك إلا قليل ، وقد أصبحت في دار الفناء والعزاء ، وغدا تصير إلى دار الجزاء ، فاشتر نفسك لعلك تنجو من عذاب ربك .

توفي ابن السماك سنة ثلاث وثمانين ومائة ، وقد شاخ .

موقع حَـدِيث