سنة مائتين
سنة مائتين توفي فيها : أسباط بن محمد الكوفي في المحرم ، أمية بن خالد البصري أخو هدبة ، أيوب بن المتوكل البصري المقرئ ، أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي ، سلم بن قتيبة الخراساني بالبصرة ، سيار بن حاتم العنزي فيها بخلف ، صفوان بن عيسى الزهري البصري ، عمر بن عبد الواحد السلمي الدمشقي ، عبد الملك بن الصباح المسمعي بصري ، عمارة بن بشر فيها حدث بدمشق ، قتادة بن الفضيل الرهاوي ، مبشر بن إسماعيل الحلبي ، محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني ، محمد بن الحسن الأسدي ابن التل ، محمد بن حمير السليحي الحمصي ، محمد بن شعيب بن شابور قاله دحيم ، معاذ بن هشام الدستوائي ، معروف الكرخي العابد على الأصح ، المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ، أبو البختري القاضي وهب بن وهب . وفيها هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة في المحرم إلى القادسية ، فدخلها هرثمة ومنصور بن المهدي وأمنوا أهلها ، ثم أتى أبو السرايا إلى ناحية واسط ، ثم مضى حتى أتى السوس ، وأنفق الأموال ، فجاءهم الحسن بن علي الباذغيسي فأرسل إليهم : اذهبوا حيث شئتم ، فلا حاجة لي في قتالكم ، ولست بتابعكم ، فأبى أبو السرايا إلا قتاله ، فالتقوا ، فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم ، وجرح أبو السرايا ، وهرب هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك ، وطلبوا ناحية رأس العين والجزيرة . فلما انتهوا إلى جلولاء عثر بهم حماد الكندغوش فأخذهم ، وجاء بهم إلى الحسن بن سهل وهو بالنهروان ، فقتل أبا السرايا في عاشر ربيع الأول ، وبعث محمد بن محمد بن زيد بن علي إلى مرو إلى المأمون .
وسار علي بن أبي سعيد إلى البصرة فافتتحها ، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر أخو علي بن موسى الرضا ، وهو الذي يقال له زيد النار ، سمي بذلك لكثرة ما حرق من دور العباسيين بالبصرة . وكان يؤتى بالرجل من المسودة فيحرقه بالنار ، وانتهب تجار البصرة ، فأسره علي بن أبي سعيد ، واختفى العلويون . وأما حسين بن حسن الأفطس فبدع بمكة حتى نزح طائفة من أهلها ، فهدم دورهم ، وأخذ أبناءهم ، وجعل أصحابه يحكون ما على الأساطين من الذهب اليسير ، ويقلعون الشبابيك ، فبلغهم قتل أبي السرايا ، فأتى حسين إلى محمد بن جعفر الصادق - وكان شيخا فاضلا محببا إلى الناس - تاركا للخروج ، قد روى العلم عن أبيه ، فقال : قد تعلم حالك في الناس ، فابرز نبايعك بالخلافة ، فلا يختلف عليك اثنان ، فأبى ذلك ، فلم يزل به ابنه علي وحسين بن حسن حتى غلبا الشيخ على رأيه ، فأقاموه يوم الجمعة في ربيع الآخر ، فبايعوه ، وحشروا الناس لمبايعته طوعا وكرها ، فأقام كذلك أشهرا .
ووثب حسين على امرأة قرشية بارعة الحسن ، فأخذها قهرا من بيت زوجها ، وبقيت عنده أياما ، ثم هربت . ووثب علي بن محمد على أمرد بديع الجمال ، فأخذه من دارهم ، وأركبه فرسه في السرج ، وركب على الكفل ، وذهب به في السوق حتى خرج به إلى بئر ميمون في طريق منى . فاجتمع أهل مكة والمجاورون ، وغلقت الأسواق ، وأتوا محمد بن جعفر ، وقالوا : والله لنخلعنك ، ولنقتلنك ، أو لتردن هذا الغلام الذي أخذه ابنك جهرة ، فقال : والله ما علمت ، وأمر حسينا أن يذهب إلى ابنه ، فقال : إنك والله لتعلم أني لا أقوى على ابنك ، وأخاف محاربته ، فقال محمد بن جعفر لأهل مكة : أمنوني حتى أركب إليه ، فأمنوه فركب حتى صار إلى ابنه وأخذ الغلام فسلمه إلى أهله .
وبعد قليل أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد العباسي فارا عن اليمن ، لتغلب إبراهيم بن موسى بن جعفر عليها ، فنزل المشاش ؛ فاجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر فقالوا : قد رأينا أن نخندق علينا بأعلى مكة ، ثم حشدوا الأعراب ، فقاتلهم إسحاق أياما ، ثم كره الحرب وطلب العراق ، فلقيه ورقاء بن جميل في جند ، فقال : ارجع بنا إلى مكة ، فرجع . واجتمع إلى محمد غوغاء أهل مكة ، وسودان أهل المياه والأعراب ، فعبأهم ببئر ميمون ، وأقبل ورقاء وإسحاق بن موسى بمن معهما من القواد ، والجند فالتقوا ، وقتل جماعة ، ثم تحاجزوا ؛ ثم التقوا من الغد ، فانهزم محمد وأهل مكة ، وطلب محمد الأمان ، فأجلوه ثلاثا ، ثم نزح عن مكة ، ودخلها إسحاق وورقاء في جمادى الآخرة . وتفرق الطالبيون عن مكة كل قوم ناحية ، فأخذ محمد ناحية جدة ، ثم طلب الجحفة ، فخرج عليه محمد بن حكيم من موالي آل العباس قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة ، وبالغوا في عذابه ، فجمع عبيدا ، ولحق محمدا بقرب عسفان ، فانتهب جميع ما معه حتى بقي في وسطه سروايل ، وهم بقتله ، ثم رحمه وطرح عليه ثوبا وعمامة ، وأعطاه دريهمات .
فمضى وتوصل إلى بلاد جهينة على الساحل ، فأقام هناك أشهرا يجمع الجموع ، فكان بينه وبين والي المدينة هارون بن المسيب وقعات عند الشجرة وغيرها ، فهزم محمد ، وفقئت عينه بسهم ، وقتل خلق من أصحابه ، ورد إلى موضعه . ثم طلب الأمان من الجلودي ، ومن ابن عم الفضل بن سهل رجاء ، ورد إلى مكة في آخر السنة ، فصعد عيسى بن يزيد الجلودي المنبر بمكة ، وصعد دونه محمد بن جعفر ، عليه قباء أسود ؛ فخلع نفسه ، واعتذر عن خروجه بأنه بلغه موت المأمون ، وقد صح عنده الآن أنه حي ، وخلع نفسه ، واستغفر من فعله ، ثم خرج به عيسى الجلودي إلى العراق ، واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى ، فبعث الحسن بن سهل بمحمد إلى المأمون . وأقام الحج أبو إسحاق المعتصم ابن الرشيد .
وأما هرثمة ، فلما فرغ من حرب أبي السرايا سار نحو خراسان ، فأتته الكتب من المأمون أن يرجع فيلي الشام أو الحجاز ، فقال : لا أرجع حتى آتي أمير المؤمنين ، إدلالا منه عليه ، وليشافهه بمصالح ، وليؤذي الفضل بن سهل بأنه ليس بناصح له . ففهم الفضل مراده ، فقال للمأمون : إن هرثمة قد ظاهر عليك عدوك ، وعادى وليك ، وخالف كتبك ، وإن خليته كان ذلك مفسدة لغيره . فتوحش عليه ، وأبطأ هرثمة ، ثم قدم في أواخر السنة ، فقال له المأمون : مالأت علينا العلويين ، وداهنت ، وحسنت في السر لأبي السرايا الخروج .
فذهب هرثمة ليتكلم ويدفع عن نفسه ، فلم يقبل ذاك منه ، وأمر به ، فوجئ على أنفه ، وديس بطنه ، وسحب وحبس ، ودس الفضل إلى الأعوان الغلظة عليه ، ثم قتلوه ، وقيل : مات . وفيها هاج الجند ببغداد ، لكون الحسن بن سهل لم ينصفهم في العطاء ، وبقيت الفتنة أياما . وفيها وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك ، وهو الذي قدم عليه محمد بن جعفر ومعه فرناس الخادم ، لإشخاص علي بن موسى الرضا .
وفيها أحصي ولد العباس ، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى . وفيها قتلت الروم ملكها أليون ، وكان قد تملك عليهم سبع سنين ونصفا ، ثم ملكوا عليهم ميخائيل بن جورجس ثانية . وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل ، لكونه أغلظ له وقال له : يا أمير الكافرين .