سفيان بن عيينة بن أبي عمران
ع : سفيان بن عيينة بن أبي عمران ، واسم أبي عمران ميمون ، مولى محمد بن مزاحم الهلالي أخي الضحاك المفسر ، أبو محمد الكوفي ثم المكي ، الإمام شيخ الإسلام . مولده سنة سبع ومائة في نصف شعبان . وقيل : هو مولى عبد الله بن رويبة الهلالي ، وطلب الحديث وهو غلام ، ولقي الكبار ، وسمع من قاسم الرحال في سنة عشرين ومائة .
وسمع من الزهري ، وعمرو بن دينار ، وزياد بن علاقة ، والأسود بن قيس ، وعاصم بن أبي النجود ، وأبي إسحاق ، وزيد بن أسلم ، وعبد الله بن أبي نجيح ، وسالم أبي النضر ، وعبدة بن أبي لبابة ، وعبد الله بن دينار ، ومنصور بن المعتمر ، وسهيل بن أبي صالح ، وخلق كثير . وانفرد بالرواية عن أكثرهم ، ورحل إليه من الآفاق . روى عنه الأعمش ، وابن جريج ، وشعبة ؛ وهم من شيوخه ، وابن المبارك ، وابن مهدي ، والشافعي ، وابن المديني ، والحميدي ، وسعيد بن منصور ، ويحيى بن معين ، وأحمد ، وإسحاق ، وأحمد بن صالح ، وإسحاق الكوسج ، وأحمد بن منيع ، وأبو خيثمة ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وابن نمير ، وأبو كريب ، ويحيى بن يحيى ، والنفيلي ، ومحمد بن يحيى العدني ، وعمرو الناقد ، والفلاس ، وأحمد بن شيبان ، وبشر بن مطر ، وزكريا بن يحيى المروزي ، وسعدان بن نصر ، وعلي بن حرب ، وعبد الرحمن بن بشر ، ومحمد بن عاصم الثقفي ، ومحمد بن عيسى المدائني ، والزعفراني ، والزبير بن بكار ، ويونس بن عبد الأعلى ، وأمم سواهم .
وقد كان طلبة العلم يحجون وما همتهم إلا لقي سفيان ، فيزدحمون عليه في الموسم ازدحاما عظيما إلى الغاية لإمامته وعلو إسناده وحفظه ، كان من بحور العلم . قال الشافعي : لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز . وعنه قال : تطلبت أحاديث الأحكام ، فوجدتها كلها سوى ثلاثين حديثا عند مالك ، ووجدتها كلها سوى ستة أحاديث عند ابن عيينة .
وقال عبد الرحمن بن مهدي : كان ابن عيينة من أعلم الناس بحديث الحجاز . وقال الترمذي : سمعت محمدا - يعني البخاري - يقول : ابن عيينة أحفظ من حماد بن زيد . وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : ما رأيت أحدا فيه من آلة العلم ما في سفيان ، وما رأيت أكف عن الفتيا منه ، وما رأيت أحدا أحسن لتفسير الحديث منه .
وقال ابن وهب : لا أعلم أحدا أعلم بالتفسير من ابن عيينة . وقال أحمد : ما رأيت أعلم بالسنن منه . قال وكيع : كتبنا عن ابن عيينة أيام الأعمش .
وقال ابن المديني : ما في أصحاب الزهري أتقن من سفيان . قال أحمد بن حنبل : دخل سفيان بن عيينة على معن بن زائدة باليمن ، ولم يكن سفيان تلطخ بشيء بعد من أمر السلطان ، فجعل يعظه . وقال سفيان بن عيينة : حج بي أبي وعطاء حي .
قال أحمد بن عبد الله العجلي : كان ابن عيينة ثبتا في الحديث ، وكان حديثه نحوا من سبعة آلاف ، ولم يكن له كتب . وقال بهز بن أسد : ما رأيت مثل سفيان بن عيينة . فقيل له : ولا شعبة ؟ قال : ولا شعبة .
وقال ابن معين : هو أثبت الناس في عمرو بن دينار . وقال ابن مهدي : عند ابن عيينة من معرفته بالقرآن وتفسير الحديث ما لم يكن عند سفيان الثوري . وقال علي بن حرب الطائي : سمعت أبي يقول : كنت أحب أن تكون لي جارية في غنج ابن عيينة إذا حدث .
وقال رباح بن خالد ، كوفي ثقة ، إنه سأل ابن عيينة : يا أبا محمد ، أبو معاوية يحدث عنك بشيء ليس تحفظه اليوم ، وكذلك وكيع . قال : صدقهم ، فإني كنت قبل اليوم أحفظ مني اليوم . قال محمد بن المثنى : سمعت ابن عيينة يقول ذلك لرباح في سنة إحدى وتسعين ومائة .
وقال حامد البلخي : سمعت ابن عيينة يقول : رأيت كأن أسناني سقطت ، فذكرت ذلك للزهري فقال : تموت أسنانك وتبقى أنت ، فمات أسناني وبقيت أنا ، فجعل الله كل عدو لي محدثا . قال غياث بن جعفر : سمعت ابن عيينة يقول : أول من أسندني إلى الأسطوانة مسعر ، فقلت : إني حدث . قال : إن عندك الزهري وعمرو بن دينار .
وقال الرامهرمزي : حدثنا موسى بن زكريا قال : حدثنا زياد بن عبيد الله بن خزاعي قال : سمعت سفيان يقول : كان أبي صيرفيا بالكوفة ، فركبه الدين فحملنا إلى مكة ، فصرت إلى المسجد فإذا عمرو بن دينار ، فحدثني بثمانية أحاديث ، فأمسكت له حماره حتى صلى وخرج ، فعرضت الأحاديث عليه فقال : بارك الله فيك . وقال مجاهد بن موسى : سمعت ابن عيينة يقول : ما كتبت شيئا إلا وحفظته قبل أن أكتبه . قال أحمد بن حنبل : ما رأيت أحدا أعلم بالسنن من سفيان بن عيينة ، رواها صالح عن أبيه .
وقال ابن المبارك : سئل الثوري عن سفيان بن عيينة فقال : ذاك أحد الأحدين ما أغربه . وقال ابن المديني : قال لي القطان : ما بقي من معلمي أحد غير سفيان بن عيينة ، سفيان إمام منذ أربعين سنة . وقال ابن المديني : سمعت بشر بن المفضل يقول : ما بقي على وجه الأرض أحد يشبه ابن عيينة .
وذكر حرملة بن يحيى أن ابن عيينة قال له وأراه خبز شعير : هذا طعامي منذ ستين سنة . الحميدي : سمعت سفيان يقول : لا تدخل هذه المحابر بيت رجل إلا أشقى أهله وولده . وقال سفيان لرجل : ما حرفتك ؟ قال : طلب الحديث .
قال : بشر أهلك بالإفلاس ! قال أبو مسلم المستملي ، عنه : سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه . وقال علي بن الجعد : سمعت ابن عيينة يقول : من زيد في عقله نقص من رزقه . وروى سنيد بن داود عن ابن عيينة قال : من كانت معصيته في الشهوة فارج له ، ومن كانت معصيته في الكبر فاخش عليه ؛ فإن آدم عصا مشتهيا فغفر له ، وإبليس عصا متكبرا فلعن .
وقال ابن عيينة : الزهد الصبر وارتقاب الموت . وقال : العلم إذا لم ينفعك ضرك . قال عثمان بن زائدة : قلت للثوري : ممن أسمع ؟ قال : عليك بزائدة بن قدامة وسفيان بن عيينة .
وقال ابن المبارك : سئل الثوري عن ابن عيينة فقال : ذاك أحد الأحدين يقول : ليس له نظير . قال نعيم بن حماد : ما رأيت أحدا أجمع لمتفرق من ابن عيينة . وقال علي بن نصر الجهضمي : حدثنا شعبة قال : رأيت ابن عيينة غلاما معه ألواح طويلة عند عمرو بن دينار ، وفي أذنه قرط ، أو قال : شنف .
ابن المديني : سمعت سفيان يقول : جالست عبد الكريم الجزري سنتين ، وكان يقول لأهل بلده : انظروا إلى هذا الغلام ؛ يسألني وأنتم لا تسألوني ! وقال ذؤيب السهمي : سألت ابن عيينة : أسمعت من صالح مولى التوأمة ؟ قال : نعم ، هكذا وهكذا . وأشار بيديه ؛ يعني كثرة ، وسمعت منه ولعابه يسيل . قال أبو محمد بن أبي حاتم : فلا نعلمه روى عنه شيئا ، كان منتقدا للرواة .
قال ابن المديني : سمعت سفيان يقول : كان عمرو بن دينار أكبر من الزهري ، سمع من جابر ، والزهري لم يسمع منه . قال أحمد بن سلمة النيسابوري : حدثنا سليمان بن مطر قال : كنا على باب سفيان بن عيينة فاستأذنا عليه ، فلم يأذن لنا ، فقلنا : ادخلوا حتى نهجم عليه . قال : فكسرنا بابه ودخلنا وهو جالس ، فنظر إلينا فقال : سبحان الله ، دخلتم داري بغير إذني ، وقد حدثنا الزهري عن سهل أن رجلا اطلع في جحر من باب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه ، فقال : لو علمت أنك تنظرني لطعنت بها في عينك ، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر .
قال : فقلنا له : ندمنا يا أبا محمد . فقال : ندمتم ، حدثنا عبد الكريم الجزري ، عن زياد ، عن عبد الله بن معقل ، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الندم توبة ، اخرجوا فقد أخذتم رأس مال ابن عيينة . سليمان هو أخو قتادة بن مطر صدوق إن شاء الله ، وزياد هو ابن أبي مريم .
قال الفريابي : كنت أمشي مع سفيان بن عيينة ، فقال لي : يا محمد ، ما يزهدني فيك إلا طلبك الحديث . قلت : فأنت يا أبا محمد أي شيء كنت تعمل إلا طلب الحديث ؟ قال : كنت إذ ذاك صبيا لا أعقل . قال عبد الرحمن بن يونس : حدثنا ابن عيينة قال : أول من جالست عبد الكريم أبو أمية ، جالسته وأنا ابن خمس عشرة سنة .
قال : وقرأت القرآن وأنا ابن أربع عشرة سنة . قال يحيى بن آدم : ما رأيت أحدا يختصر الحديث إلا وهو يخطئ ، إلا سفيان بن عيينة . قال أحمد بن أبي خيثمة : حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي قال : حدثنا سفيان قال : قال حماد : يعني ابن أبي سليمان ، ولم نسمعه منه ، إذا قال لامرأته : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، بانت بالأولى وبطلت الثنتان .
قال ابن عيينة : رأيت حماد بن أبي سليمان جاء إلى طبيب على فرس . قال إبراهيم بن محمد الشافعي : ربما سمعت ابن عيينة وقد بلغ إحدى وتسعين سنة ، ولم أر فقيها أكثر تمثلا بالشعر منه ، ينشد : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين عاما لا أبا لك يسأم وقال أبو قدامة السرخسي : سمعت ابن عيينة كثيرا ما يقول : ذهب الزمان فسدت غير مسود ومن العناء تفردي بالسؤدد قال أبو حاتم : ابن عيينة إمام ثقة ، كان أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة ، وأثبت أصحاب الزهري : مالك وابن عيينة . وقال عبد الرزاق : ما رأيت بعد ابن جريج مثل ابن عيينة في حسن المنطق .
وروى الكوسج عن ابن معين : ثقة . وقال يحيى بن سعيد القطان : اشهدوا أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة ، فمن سمع منه في هذه السنة فسماعه لا شيء . قلت : أنا أستبعد صحة هذا القول ، فإن القطان مات في صفر سنة ثمان وتسعين بعيد قدوم الحجاج بقليل ، فمن الذي أخبره باختلاط سفيان ؟ ومتى لحق يقول هذا القول ؟ فسفيان حجة مطلقا بالإجماع من أرباب الصحاح .
وقد حج سفيان سبعين حجة ، وكان يقول ليلة الموقف : اللهم لا تجعله آخر العهد منك ، فلما كان عام موته لم يقل ذلك ، وقال : قد استحييت من الله تعالى . وروى سليمان بن أيوب عن سفيان قال : سمعته يقول : شهدت ثمانين موقفا . قلت : هذا أشبه .
قال أحمد بن عبدة الضبي : سمعت ابن عيينة يقول : الزهد في الدنيا هو الصبر وارتقاب الموت . وعن ابن عيينة قال : الورع طلب العلم الذي يعرف به الورع . وكان له تسعة إخوة ، حدث منهم أربعة ؛ عمران ، ومحمد ، وآدم ، وإبراهيم .
قال علي ابن المديني : كان سفيان لا يكاد يقول : حدثنا الزهري . قلت : ابن عيينة معروف بالتدليس ، لكنه لا يدلس إلا عن ثقة . وقد وقع لي من عواليه جملة وافرة .
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ويوسف بن غالية ، قالا : أخبرنا أبو نصر موسى بن عبد القادر قال : أخبرنا سعيد بن أحمد قال : أخبرنا علي بن أحمد قال : أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المخلص قال : حدثنا عبد الله البغوي قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : إنكم ملاقو الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا . متفق عليه . توفي سفيان في جمادى الآخرة ، وقيل : في شهر رجب سنة ثمان وتسعين ومائة .
قال الواقدي : في أول رجب .