شقيق البلخي
شقيق البلخي ، هو أبو علي شقيق بن إبراهيم الأزدي الزاهد ، أحد الأعلام ، صاحب إبراهيم بن أدهم . حدث عن إسرائيل ، وعباد بن كثير ، وكثير بن عبد الله الأبلي . وعنه حاتم الأصم ، وعبد الصمد بن يزيد مردوية ، ومحمد بن أبان المستملي ، والحسين بن داود البلخي ، وغيرهم .
عن علي بن محمد بن شقيق البلخي قال : كانت لجدي ثلاثمائة قرية ، ثم مات بلا كفن ، وسيفه إلى الساعة يتبركون به . وخرج إلى الترك تاجرا ، فدخل على عبدة الأصنام ، فرأى عالمهم قد حلق لحيته ، فقال : إن هذا باطل ، ولكم خالق وصانع قادر على كل شيء . فقال له : ليس يوافق قولك فعلك .
قال : وكيف ؟ قال : زعمت أنه قادر على كل شيء ، وقد تعنيت إلى ههنا تطلب الرزق ، فلو كان كما تقول ، كان الذي يرزقك هنا يرزقك هناك وتربح العناء . قال : فكان هذا سبب زهدي . وعن شقيق قال : كنت شاعرا فرزقني الله التوبة ، وخرجت من ثلاثمائة ألف درهم ، وكنت مرابيا ، لبست الصوف عشرين سنة وأنا لا أدري ، حتى لقيت عبد العزيز بن أبي رواد ، فقال : ليس الشأن في أكل الشعير ولبس الصوف ، الشأن أن تعرف الله بقلبك لا تشرك به شيئا ، والثانية : الرضى عن الله ، والثالثة : تكون بما في يد الله أوثق منك بما في أيدي الناس .
وعن شقيق قال : عملت في القرآن عشرين سنة حتى ميزت بين الدنيا والآخرة ، فأصبته في حرفين ؛ قوله تعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى ) . وعن حاتم الأصم ، عن شقيق قال : لو أن رجلا عاش مائتي سنة لا يعرف هذه الأربعة لم ينج ؛ أولها : معرفة الله ، الثاني : معرفة النفس ، الثالث : معرفة أمر الله ونهيه ، الرابع : معرفة عدو الله وعدو النفس . قال أبو عقيل الرصافي : حدثنا أحمد بن عبد الله الزاهد قال : سمعت شقيق بن إبراهيم يقول : ثلاث خصال هي نتاج الزهد ؛ الأولى : أن يميل عن الهوى ، الثانية : ينقطع إلى الزهد بقلب ، الثالث : أن يذكر إذا خلا كيف مدخله ومخرجه ، كيف يدخل قبره ؟ ويذكر الجوع والعطش والحساب والصراط والعري والفضيحة وطول القيام .
وقد ورد عن شقيق مع انقطاعه وزهده أنه من كبار المجاهدين في سبيل الله ، وكذا فليكن زهد الأولياء . روى محمد بن عمران عن حاتم الأصم قال : كنا مع شقيق ونحن مصافو العدو الترك ، في يوم لا أرى فيه إلا رؤوسا تندر ، وسيوفا تقطع ، ورماحا تقصف ، فقال لي : كيف ترى نفسك ؟ هي مثل الليلة التي زفت فيها إليك امرأتك ؟ قلت : لا والله . قال : لكني أرى نفسي كذلك .
ثم نام بين الصفين ، ودرقته تحت رأسه حتى سمعت غطيطه ، فأخذني يومئذ تركي فأضجعني للذبح ، فبينا هو يطلب السكين من خفه إذ جاءه سهم عائر فذبحه فألقاه عني . وعن حاتم ، عن شقيق قال : مثل المؤمن مثل رجل غرس نخلة يخاف أن تحمل شوكا ، ومثل المنافق كمثل رجل زرع شوكا يطمع أن يحمل ثمرا ، هيهات . وعن شقيق قال : ليس شيء أحب إلي من الضيف ؛ لأن رزقه على الله ، وأجره لي .
وقال الحسين بن داود : حدثنا شقيق الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة ، المداوم على العبادة ، قال : حدثنا أبو هاشم الأبلي ، فذكر حديثا . وعن شقيق قال : لقيت سفيان الثوري فأخذت منه لباس الدون ، رأيت له إزارا ثمن أربعة دراهم ، إذا جلس متربعا أو مد رجليه يخاف أن تبدو عورته ، وأخذت الخشوع من إسرائيل . وقال محمد بن أبان المستملي : سمعت شقيقا يقول : أخذت العبادة من عباد بن كثير ، والفقه من زفر .
قال ابن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن الحسين قال : سئل شقيق : ما علامة التوبة ؟ قال : إدمان البكاء على ما سلف من الذنوب ، والخوف المقلق من الوقوع فيها ، وهجران إخوان السوء ، وملازمة أهل الخير . وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أحمد بن سعيد : قيل لشقيق : ما علامة العبد المباعد المطرود ؟ قال : إذا رأيته قد ضيع الطاعة ، واستوحش قلبه منها ، وحلى له المعصية ، واستأنس بها ، ورغب في الدنيا وزهد في الآخرة . وعن شقيق قال : ما للعبد صاحب خير من الخوف والهم فيما مضى من ذنوبه وما ينزل به وعنه قال : من شكا مصيبة نزلت به إلى غير الله ، لم يجد حلاوة الطاعة أبدا .
قال الحاكم في تاريخه : قدم شقيق نيسابور عند خروجه راجلا في ثلاثمائة من زهاد خراسان معه أيام المأمون ؛ يعني أيام ولايته خراسان . قال : فطلب المأمون الاجتماع به ، فامتنع حتى تشفع إليه المأمون . روى عنه من أهل نيسابور أيوب بن الحسن الزاهد ، وعلي بن الحسن الأفطس ، وغيرهما .
أخبرنا أحمد بن محمد بن سعد وجماعة قالوا : أخبرنا محمد بن إبراهيم قال : أخبرنا يحيى بن ثابت قال : أخبرنا علي بن أبي عمر البزاز - عرف بابن الخل - قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله ابن المحاملي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال : حدثنا الحسين بن داود البلخي قال : حدثنا شقيق بن إبراهيم البلخي قال : حدثنا أبو هاشم الأبلي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن آدم ، لا تزول قدماك يوم القيامة بين يدي الله عز وجل حتى تسأل عن أربع ؛ عمرك فيما أفنيته ، وجسدك فيما أبليته ، ومالك من أين اكتسبته وأين أنفقته . إسناده واه ، ومعناه صحيح . ذكر أبو يعقوب القراب أن شقيق بن إبراهيم رحمة الله عليه قتل في غزوة كولان سنة أربع وتسعين ومائة .