الرشيد هارون
الرشيد هارون ، أمير المؤمنين أبو جعفر بن محمد المهدي ابن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، العباسي البغدادي . استخلف بعهد من أبيه سنة سبعين ومائة عند موت أخيه الهادي . حدث عن أبيه ، وجده المنصور ، ومبارك بن فضالة .
روى عنه ابنه المأمون وغيره . وكان من أميز الخلفاء وأجل ملوك الدنيا ، وكان كثير الغزو والحج كما قيل فيه : فمن يطلب لقاءك أو يرده فبالحرمين أو أقصى الثغور مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة ، وأمه أم ولد ، واسمها الخيزران . وكان أبيض طويلا جميلا مليحا ، مسمنا ، فصيحا ، له نظر في العلم والآداب ، وقد وخطه الشيب .
أغزاه والده أرض الروم وهو ابن خمس عشرة سنة . وبلغني أنه كان يصلي في خلافته في اليوم مائة ركعة إلى أن مات ، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم ، فالله أعلم . وكان يحب العلم وأهله ، ويعظم حرمات الإسلام ، ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص ، وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه ، سيما إذا وعظ .
وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجليلة ، وله شعر يروق . دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ ، فبالغ في احترامه ، فقال له ابن السماك : تواضعك في شرفك أشرف من شرفك . ثم وعظه فأبكاه ، وقد وعظه الفضيل بن عياض حتى جعل يشهق بالبكاء ، وكان هو أتى بنفسه إلى بيت الفضيل .
ومن محاسنه أنه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء ، وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك . قال نفطوية في تاريخه : حكى بعض أصحاب الرشيد أن الرشيد كان يصلي في اليوم مائة ركعة ، لم يتركها إلا لعلة ، وكان يقتفي آثار جده أبي جعفر ، إلا في الحرص . قال أبو معاوية الضرير : ما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الرشيد إلا قال : صلى الله على سيدي .
وحدثته بحديثه صلى الله عليه وسلم : وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ، ثم أحيى ثم أقتل فبكى حتى انتحب . عن خرزاذ القائد قال : كنت عند الرشيد ، فدخل أبو معاوية الضرير وعنده رجل من وجوه قريش ، فذكر أبو معاوية حديث : احتج آدم وموسى ، فقال القرشي : فأين لقيه ؟ فغضب الرشيد ، وقال : النطع والسيف ، زنديق يطعن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم . فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول : يا أمير المؤمنين كانت منه بادرة ، حتى سكن .
وعن أبي معاوية قال : أكلت مع الرشيد يوما ، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه . ثم قال الرشيد : تدري من يصب عليك ؟ قلت : لا . قال : أنا ، إجلالا للعلم .
وقال منصور بن عمار : ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة ؛ الفضيل بن عياض ، والرشيد ، وآخر . وقال عبيد الله القواريري : لما لقي الرشيد فضيلا قال له : يا حسن الوجه ، أنت المسؤول عن هذه الأمة ، حدثنا ليث ، عن مجاهد : ( وتقطعت بهم الأسباب ) قال : الوصل التي كانت بينهم في الدنيا . فجعل هارون يبكي ويشهق .
قال الأصمعي : قال لي الرشيد : يا أصمعي ، ما أغفلك عنا وأجفاك لنا ؟ قلت : والله يا أمير المؤمنين ، ما ألاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك . فسكت ، فلما تفرق الناس قال : اجلس ، فلم يبق سوى الغلمان ، فقال : ما ألاقتني ؟ فقال الأصمعي : كفاك كف ما تليق بدرهم جودا وأخرى تعط بالسيف الدما فقال : أحسنت ، وهكذا فكن ، وقرنا في الملأ وعلمنا في الخلاء . وأمر لي بخمسة آلاف دينار .
رواها أبو حاتم عنه . قال الثعالبي في كتاب لطائف المعارف : قال الصولي : خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار . قال الثعالبي : وحكى غيره أن الرشيد خلف من الأثاث والعين والورق والجوهر والدواب ما قيمته مائة ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار .
وفي مروج المسعودي قال : رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما ، فقال له يحيى بن خالد البرمكي : كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز ، فتركه . وروي عن إسحاق الموصلي أن الرشيد أجازه مرة بمائتي ألف درهم . وعن العباس بن الأحنف أن الرشيد قال في حظية له : أما يكفيك أنك تملكيني وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي لقلت من الهوى : أحسنت ، زيدي قال عبد الرزاق بن همام : كنت مع الفضيل بمكة ، فمر هارون فقال فضيل : الناس يكرهون هذا ، وما في الأرض أعز علي منه ، لو مات لرأيت أمورا عظاما .
قال الجاحظ : اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره ؛ وزراؤه البرامكة ، وقاضيه أبو يوسف ، وشاعره مروان بن أبي حفصة ، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه ، وحاجبه الفضل بن الربيع أتيه الناس وأعظمهم ، ومغنيه إبراهيم الموصلي ، وزوجته زبيدة . ويروى أن الرشيد أعطى سفيان بن عيينة مرة مائة ألف . وأخبار الرشيد يطول شرحها ، ومحاسنه جمة ، وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء ، والله يسامحه .
قال أبو محمد بن حزم : أراه كان لا يشرب النبيذ المختلف فيه إلا الخمر المتفق على تحريمها ، ثم جاهر بها جهارا قبيحا . قلت : توفي في الغزو بمدينة طوس من خراسان في ثالث شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وصلى عليه ابنه صالح ، ودفن بطوس ، رحمه الله . عاش خمسا وأربعين سنة .