وكيع بن الجراح بن مليح
ع : وكيع بن الجراح بن مليح ، الإمام أبو سفيان الرؤاسي الأعور الكوفي ، أحد الأعلام . ورؤاس بطن من قيس عيلان . ولد سنة تسع وعشرين ومائة ، وأصله من خراسان .
سمع من الأعمش ، وهشام بن عروة ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وابن عون ، وابن جريج ، وداود بن يزيد الأودي ، وأسود بن شيبان ، ويونس بن أبي إسحاق ، وهشام بن الغاز ، والأوزاعي ، وشعبة ، والثوري ، وإسرائيل ، وجعفر بن برقان ، وحنظلة بن أبي سفيان ، وزكريا بن أبي زائدة ، وطلحة بن عمرو المكي ، وطلحة بن يحيى التيمي ، وفضيل بن غزوان ، وموسى بن علي ، وهشام الدستوائي ، وأبي جناب الكلبي ، وخلق . وعنه ابن المبارك وهو أكبر منه ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن آدم ، والحميدي ، ومسدد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وابن المديني ، وابن معين ، وأبو خيثمة ، وابنا أبي شيبة ، وأبو كريب ، وعبد الله بن هاشم الطوسي ، وإبراهيم بن عبد الله القصار ، وأمم سواهم . وكان رأسا في العلم والعمل ، وكان أبوه الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن جمجمة ناظرا على بيت المال بالكوفة .
وقد أراد الرشيد أن يولي وكيعا القضاء فامتنع . قال يحيى بن يمان : لما مات الثوري جلس وكيع موضعه . قال القعنبي : كنا عند حماد بن زيد ، فلما خرج وكيع قالوا : هذا راوية سفيان .
فقال حماد : إن شئتم قلت : أرجح من سفيان . وعن يحيى بن أيوب المقابري قال : ورث وكيع من أمه مائة ألف درهم . وقال الفضل بن محمد الشعراني : سمعت يحيى بن أكثم يقول : صحبت وكيعا في الحضر والسفر ، وكان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة .
قال يحيى بن معين : وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه . وقال أحمد بن حنبل : ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع . وقال أحمد بن سهل بن بحر النيسابوري الحافظ : دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة ، فسمعته يقول : كان وكيع إمام المسلمين في وقته .
وروى نوح بن حبيب عن عبد الرزاق قال : رأيت الثوري ومعمرا ومالكا ، فما رأت عيناي مثل وكيع قط . وقال ابن معين : ما رأيت أفضل من وكيع ؛ كان يحفظ حديثه ، ويقوم الليل ، ويسرد الصوم ، ويفتي بقول أبي حنيفة ، وكان يحيى القطان يفتي بقول أبي حنيفة أيضا . وقال قتيبة : سمعت جريرا يقول : جاءني ابن المبارك ، فقلت : من رجل الكوفة اليوم ؟ فسكت عني ثم قال : رجل المصرين ابن الجراح ؛ يعني وكيعا .
قال سلم بن جنادة : جالست وكيعا سبع سنين ، فما رأيته بزق ولا مس حصاة ، ولا جلس مجلسا فتحرك ، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة ، وما رأيته يحلف بالله . وقد روى غير واحد أن وكيعا كان يترخص في شرب النبيذ ، قال إسحاق بن بهلول الحافظ : قدم علينا وكيع - يعني الأنبار - فنزل في المسجد على الفرات ، فصرت إليه لأسمع منه ، فطلب مني نبيذا فجئته به ، فأقبل يشرب وأنا أقرأ عليه ، فلما نفد طفا السراج ، فقلت : ما هذا ؟ قال : لو زدتنا لزدناك . وقال أبو سعيد الأشج : كنا عند وكيع ، فجاءه رجل يدعوه إلى عرس ، فقال : أثم نبيذ ؟ قال : لا .
قال : لا نحضر عرسا ليس فيه نبيذ . قال : فإني آتيكم به . فقام .
قال ابن معين : سأل رجل وكيعا أنه شرب نبيذا ، فرأى في النوم كأن رجلا يقول له : إنك شربت خمرا . فقال وكيع : ذاك الشيطان . وقال نعيم بن حماد : سمعت وكيعا يقول : هو عندي أحل من ماء الفرات .
ويروى عن وكيع أن رجلا أغلظ له ، فدخل بيتا فعفر وجهه ثم خرج إلى الرجل وقال : زد وكيعا بذنبه ، فلولاه ما سلطت عليه . وقال إبراهيم بن شماس : لو تمنيت كنت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه ، وزهد فضيل ورقته ، وعبادة وكيع وحفظه ، وخشوع عيسى بن يونس ، وصبر حسين الجعفي . وقال نصر بن المغيرة البخاري : سمعت إبراهيم بن شماس يقول : رأيت أفقه الناس وكيعا ، وأحفظ الناس ابن المبارك ، وأورع الناس فضيل بن عياض .
وقال مروان بن محمد الطاطري : ما رأيت فيمن رأيت أخشع من وكيع ، وما وصف لي أحد قط إلا رأيته دون الصفة إلا وكيعا ؛ فإني رأيته فوق ما وصف لي . قال سعيد بن منصور : قدم وكيع مكة وكان سمينا ، فقال له الفضيل بن عياض : ما هذا السمن وأنت راهب العراق ؟! قال : هذا من فرحي بالإسلام ! فأفحمه . وقال محمد بن عبد الله بن عمار : ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث منه .
وقال أبو داود : ما رؤي لوكيع كتاب قط ، ولا لهشيم ، ولا لحماد ، ولا لمعمر . قال أحمد بن حنبل : ما رأت عيني مثل وكيع قط ؛ يحفظ الحديث ، ويذاكر بالفقه فيحسن ، مع ورع واجتهاد ، ولا يتكلم في أحد . قال حماد بن مسعدة : قد رأيت سفيان الثوري ، فما كان مثل وكيع .
وقال أحمد أيضا : ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ، كان حافظا حافظا . وقال ابن أبي خيثمة وغيره : سمعنا يحيى بن معين يقول : من فضل عبد الرحمن بن مهدي على وكيع فعليه ، فذكر اللعنة . قلت : ما أدري ما عذر يحيى في هذا اللعن .
وقال أبو حاتم : وكيع أحفظ من ابن المبارك . وقال أحمد بن حنبل : عليكم بمصنفات وكيع . وقال علي ابن المديني : كان وكيع يلحن ، ولو حدثت عنه بألفاظه لكان عجبا ، كان يقول : عن عيشة .
وروى أبو هشام الرفاعي وغيره عن وكيع قال : من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر . قال وكيع : الجهر بالبسملة بدعة . سمعها أبو سعيد الأشج منه .
قال أحمد بن زهير : حدثنا محمد بن يزيد قال : حدثني حسين أخو زيدان قال : كنت مع وكيع ، فأقبلنا جميعا من المصيصة أو طرسوس فأتينا الشام ، فما أتينا بلدا إلا استقبلنا واليها ، وشهدنا الجمعة بدمشق ، فلما سلم الإمام أطافوا بوكيع ، فما انصرف إلى أهله ، فحدثت به مليحا ولده فقال : رأيت في جسده آثارا خضراء مما زحم . قال الفضل بن عنبسة : ما رأيت مثل وكيع من ثلاثين سنة . محمود بن غيلان : سمعت وكيعا يقول : اختلفت إلى الأعمش سنتين .
قال ابن راهوية : حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف ، وحفظ وكيع أصلي ، قام وكيع واستند فحدث بسبعمائة حديث حفظا . وقال محمود بن آدم : تذاكر بشر بن السري ووكيع ليلة وأنا أراهما من العشاء إلى أن نودي بالصبح ، فقلت لبشر : كيف رأيته ؟ قال : ما رأيت أحفظ منه . وكذا قال سهل بن عثمان : ما رأيت أحفظ من وكيع .
وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول : وكيع مطبوع الحفظ ، كان حافظا حافظا ، كان أحفظ من عبد الرحمن بكثير . وقال ابن نمير : كانوا إذا رأوا وكيعا سكتوا ؛ يعني في الحفظ والإجلال . وقال أبو حاتم : سئل أحمد عن وكيع ويحيى وابن مهدي ، فقال : كان وكيع أسردهم .
قال أبو زرعة الرازي : سمعت أبا جعفر الجمال يقول : أتينا وكيعا ، فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة ، فلما بصرنا به فزعنا من النور الذي رأينا يتلألأ من وجهه ، فقال رجل بجنبي : أهذا ملك ؟ فتعجبنا من ذلك النور . قال أحمد بن سنان القطان : رأيت وكيعا إذا قام في الصلاة ليس يتحرك منه شيء ، لا يزول ولا يميل على رجل دون الأخرى . قال أحمد بن أبي الحواري : سمعت وكيعا يقول : ما نعيش إلا في سترة ، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم .
وسمعته يقول : الصدق النية . قال صالح بن أحمد : قلت لأبي : أيهما أصلح ؛ وكيع أو يزيد ؟ فقال : ما منهما والحمد لله إلا كل ، لكن وكيع لم يختلط بالسلطان . قال الفلاس : ما سمعت وكيعا ذاكرا أحدا بسوء قط .
وقال ابن عمار : أحرم وكيع من بيت المقدس . وقال ابن سعد : كان وكيع ثقة مأمونا رفيعا كثير الحديث حجة . وقال محمد بن خلف التيمي : أخبرنا وكيع قال : أتيت الأعمش فقلت : حدثني .
قال : ما اسمك ؟ قلت : وكيع . قال : اسم نبيل ، وما أحسب إلا سيكون لك نبأ ، أين تنزل من الكوفة ؟ قلت : في بني رؤاس . قال : أين من منزل الجراح ؟ قلت : هو أبي .
وكان على بيت المال ، قال : اذهب فجئني بعطائي ، وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث . فجئت أبي فقال : خذ نصف العطاء واذهب ، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر حتى تكون عشرة . فأتيته بذلك ، فأملى علي حديثين ، فقلت : وعدتني خمسة .
قال : فأين الدراهم كلها ؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا ولم يدر أن الأعمش مدرب قد شهد الوقائع . قال : فكنت إذا جئته بالعطاء في كل شهر حدثني بخمسة . قال قاسم الحرمي : كان سفيان يتعجب من حفظ وكيع ويقول : تعال يا رؤاسي ، ويتبسم .
قال ابن عمار : سمعت وكيعا يقول : ما نظرت في كتاب منذ خمس عشرة سنة ، إلا في صحيفة يوما . فقلت له : عدوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها . قال : وحدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمسمائة حديث ، أربعة ما هي كثيرة في ذلك .
قال ابن معين : سمعت وكيعا يقول : ما كتبت عن الثوري حديثا قط ؛ إنما كنت أحفظ ، فإذا رجعت كتبتها . قال يحيى بن يمان : نظر سفيان في عيني وكيع فقال : لا يموت هذا حتى يكون له شأن . فمات سفيان وجلس وكيع مكانه .
قال سليمان الشاذكوني : قال لنا أبو نعيم : ما دام هذا التنين حيا ما يفلح أحد معه ؛ يعني وكيعا . وقال يحيى بن أيوب العابد : حدثني صاحب لوكيع أن وكيعا كان لا ينام حتى يقرأ ثلث القرآن ، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل ، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر . قال إبراهيم بن وكيع : كان أبي يصلي الليل ، فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى ، حتى جارية لنا سوداء .
ابن معين : سمعت وكيعا يقول : أي يوم لنا من الموت . وأخذ وكيع في قراءة كتاب الزهد ، فلما بلغ حديثا منه قام فلم يحدث ، وكذا فعل من الغد . وهو حديث : كن في الدنيا كأنك غريب .
الدارقطني : حدثنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي ابن أم شيبان ، عن أبيه ، عن أبي عبد الرحمن بن سفيان بن وكيع ، عن أبيه قال : كان أبي يجلس لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار ، ثم ينصرف فيقيل ، ثم يصلي الظهر ويقصد طريق المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا ، فيريحون نواضحهم ، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر ، ثم يرجع إلى مسجده فيصلي العصر ، ثم يجلس يتلو ويذكر الله إلى آخر النهار ، ثم يدخل منزله فيفطر على نحو عشرة أرطال نبيذ ، فيشرب منها ، ثم يصلي ورده ، كلما صلى ركعتين شرب منها حتى ينفدها ثم ينام . قال نعيم بن حماد : تعشينا عند وكيع ، فقال : أي شيء تريدون ؟ أجيئكم بنبيذ الشيوخ أو نبيذ الفتيان ؟ فقلت : تكلم بهذا ؟! قال : هو عندي لأحل من ماء الفرات . قلت : ماء الفرات لم يختلف فيه ، وقد اختلف في هذا .
وقال الفسوي : قد سئل أحمد إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن ؟ فقال : عبد الرحمن يوافق أكثر خاصة في سفيان ، وعبد الرحمن كان يسلم عليه السلف ويجتنب المسكر ، ولا يرى أن يزرع في أرض الفرات . وقال عباس : قلت لابن معين : إذا اختلف وكيع وأبو معاوية في حديث الأعمش ؟ قال : يوقف حتى يجيء من يتابع أحدهما . ثم قال : كانت الرحلة إلى وكيع في زمانه .
قال ابن معين : لقيت عند مروان بن معاوية لوحا فيه : فلان رافضي ، وفلان كذا ، ووكيع رافضي ، فقلت لمروان : وكيع خير منك . فبلغ وكيعا ذلك ، فقال : يحيى صاحبنا . وكان بعد ذلك يعرف لي ويرحب .
قال أحمد بن سنان : كان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة ، فإن أنكر من أحد شيئا قام . وكان عبد الله بن نمير يغضب ويصيح ، وإذا رأى من يبري قلما تغير وجهه غضبا . قال تميم بن محمد الطوسي : سمعت أحمد يقول : عليكم بمصنفات وكيع .
وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال : أخطأ وكيع في خمسمائة حديث . قال أبو هشام الرفاعي : سمعت وكيعا يقول : من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ، ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر . فيقول : احتج بعض المبتدعة بقول الله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث ) ، وبقوله تعالى : ( لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) ، وهذا قال فيه علماء السلف معناه : إنه أحدث إنزاله إلينا ، وكذا في الحديث الصحيح : إن الله يحدث من أمره ما شاء .
وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ، فالقرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله ، وهو غير مخلوق . قال أحمد بن أبي الحواري : سمعت وكيعا يقول : ما أحدث حديثا قط عرضا . قال ابن أبي الحواري : ذكرت لابن معين وكيعا ، فقال : وكيع عندنا ثبت .
وقال عبد الرحمن بن الحكم بن بشير : وكيع عن سفيان غاية الإسناد ، ليس بعده شيء ، ما أعدل بوكيع أحدا . فقيل له : أبو معاوية ؟ فنفر من ذلك . نوح بن حبيب : حدثنا وكيع قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : حضرت موت سفيان ، فكان عامة كلامه : ما أشد الموت .
قال نوح : فأتيت ابن مهدي فقلت : حدثنا وكيع عنك ، وحكيت له الكلام ، وكان متكئا فقعد ، فقال : أنا حدثت أبا سفيان ؟ جزى الله أبا سفيان خيرا ، ومن مثل أبي سفيان ، وما يقال لمثل أبي سفيان . علي بن خشرم : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله البهي أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ، فأكب عليه فقبله وقال : بأبي وأمي ، ما أطيب حياتك ومماتك . ثم قال البهي : وكان النبي ترك يوما وليلة حتى ربا بطنه وانثنت خنصراه .
قال ابن خشرم : فلما حدث وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صلبه ، ونصبوا خشبة ليصلبوه ، فجاء ابن عيينة فقال لهم : الله الله ، هذا فقيه أهل العراق وابن فقيهه ، وهذا حديث معروف . قال : ولم أكن سمعته ، إلا أني أردت تخليص وكيع . قال ابن خشرم : سمعته من وكيع بعدما أرادوا صلبه ، فتعجبت من جسارته ، وأخبرت أن وكيعا احتج فقال : إن عدة من الصحابة منهم عمر قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت ، فأحب الله أن يريهم آية الموت .
رواها أحمد بن محمد بن علي بن رزين الباشاني عن علي بن خشرم ، ورواه قتيبة عن وكيع . وهذه هفوة من وكيع كادت تذهب فيها نفسه ، فما له ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ، ولولا أن الحافظ ابن عساكر وغيره ساقوا القصة في تواريخهم لتركتها ولما ذكرتها ، ولكن فيها عبرة . قال الفسوي في تاريخه : وفي هذه السنة حدث وكيع بمكة عن إسماعيل عن البهي ، وذكر الحديث .
قال : فرفع إلى العثماني فحبسه ، وعزم على قتله ، ونصبت خشبة خارج الحرم ، وبلغ وكيعا وهو محبوس ، قال الحارث بن صديق : فدخلت عليه لما بلغني وقد سبق إليه الخبر . قال : وكان بينه وبين سفيان بن عيينة يومئذ متباعد ، فقال : ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل واحتجنا إليه ؛ يعني سفيان . فقلت : دع هذا عنك ، فإن لم يدركك قتلت .
فأرسل إليه وفزع إليه ، فدخل سفيان على العثماني فكلمه فيه ، والعثماني يأبى عليه ، فقال له سفيان : إني لك ناصح ، إن هذا رجل من أهل العلم ، وله عشيرة ، وولده بباب أمير المؤمنين ، فتشخص لمناظرتهم . قال : فعمل فيه كلام سفيان ، فأمر بإطلاقه . فرجعت إلى وكيع فأخبرته ، وأخرج ، فركب حمارا ، وحملنا متاعه ، وسافر ، فدخلت على العثماني من الغد وقلت : الحمد لله الذي لم تبتل بهذا الرجل ، وسلمك الله .
قال : يا حارث ، ما ندمت على شيء ندامتي على تخليته ، خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله قال : حولت أبي والشهداء بعد أربعين سنة فوجدناهم رطابا يثبتون ، لم يتغير منهم شيء . قال الفسوي : فسمعت سعيد بن منصور يقول : كنا بالمدينة ، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع ، وقالوا : إذا قدم عليكم فلا تتكلوا على الوالي ، وارجموه حتى تقتلوه . قال : فعرضوا علي ذلك ، وبلغنا الذي هم عليه ، فبعثنا بريدا إلى وكيع أن لا يأتي المدينة ، ويمضي من طريق الربذة .
وكان قد جاوز مفرق الطريقين ، فلما أتاه البريد رد ، ومضى إلى الكوفة . وقد ساق ابن عدي هذه الواقعة في ترجمة عبد المجيد بن أبي رواد ، ونقل أنه هو الذي أفتى بقتل وكيع ، فقال : أخبرنا محمد بن عيسى المروزي فيما كتب إلي قال : حدثنا أبي عيسى بن محمد قال : حدثنا العباس بن مصعب قال : حدثنا قتيبة قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا ابن أبي خالد ، فساق الحديث . ثم قال قتيبة : حدث وكيع بهذا بمكة سنة حج الرشيد ، فقدموه إليه ، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد ، فأما عبد المجيد فإنه قال : يجب أن يقتل ، فإنه لم يرو هذا إلا من في قلبه غش للنبي صلى الله عليه وسلم .
وقال سفيان : لا قتل عليه ، رجل سمع حديثا فرواه ، المدينة شديدة الحر ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم فترك ليلتين ؛ لأن القوم كانوا في إصلاح أمر الأمة ، واختلفت قريش والأنصار ، فمن ذلك تغير . قال قتيبة : فكان وكيع إذا ذكر فعل عبد المجيد قال : ذاك جاهل ، سمع حديثا لم يعرف وجهه فتكلم بما تكلم . عن مليح بن وكيع قال : لما نزل بأبي الموت أخرج يديه فقال : يا بني ، ترى يدي ما ضربت بها شيئا قط .
قال مليح : فحدثني داود بن يحيى بن يمان قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقلت : يا رسول الله ، من الأبدال ؟ قال : الذين لا يضربون بأيديهم شيئا ، وإن وكيعا منهم . قلت : بل من ضرب بيديه في سبيل الله فهو أفضل . قال علي بن عثام : مرض وكيع فدخلنا عليه ، فقال : إن سفيان أتاني فبشرني بجواره ، فأنا مبادر إليه .
غنجار في تاريخه : حدثنا أحمد بن سهل ، سمعت قيس بن أنيف ، سمعت يحيى بن جعفر ، سمعت عبد الرزاق يقول : يا أهل خراسان ، إنه نعي لي إمام خراسان ؛ يعني وكيعا . قال : فاهتممنا لذلك . ثم قال : بعدا لكم يا معشر الكلاب ، إذا سمعتم من أحد شيئا اشتهيتم موته .
قلت : ومن جسارته كونه حج بعد تيك المحنة . قال أبو هشام الرفاعي : مات وكيع سنة سبع وتسعين ومائة يوم عاشوراء ، ودفن بفيد ؛ يعني راجعا من الحج . وقال أحمد : حج وكيع سنة ست وتسعين ، ومات بفيد .