348 – ع : يحيى القطان . هو يحيى بن سعيد بن فروخ ، مولى بني تميم ، الحافظ العلم أبو سعيد البصري القطان الأحول ، أحد الأئمة الكبار . مولده في أول سنة عشرين ومائة . روى عن سليمان التيمي ، وهشام بن عروة ، وعطاء بن السائب ، وحسين المعلم ، وخثيم بن عراك ، وحميد الطويل ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وإسماعيل بن أبي خالد ، والأعمش ، وعبيد الله بن عمر ، وسفيان ، وشعبة ، وخلق كثير . وعنه عبد الرحمن بن مهدي ، وعفان ، ومسدد ، وأحمد ، وإسحاق ، وابن المديني ، ويحيى بن معين ، وأبو حفص الفلاس ، وبندار ، وإسحاق الكوسج ، ويعقوب الدورقي ، ومحمد بن شداد المسمعي ، وأمم سواهم . وكان يقول : لزمت شعبة عشرين سنة . قال ابن عمار : روى عبد الرحمن بن مهدي في تصانيفه ألفي حديث عن يحيى القطان ، فحدث بها عنه ويحيى حي . قال أحمد بن حنبل : ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان . وقال ابن معين : قال لي عبد الرحمن : لا ترى بعينيك مثل يحيى القطان . وقال ابن المديني : ما رأيت أحدا أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد . وقال بندار : حدثنا يحيى بن سعيد إمام أهل زمانه . وقال أحمد بن الحسن الترمذي : سمعت أحمد وسئل عن يحيى بن سعيد ووكيع ، فقال : ما رأيت بعيني مثل يحيى . وقال ابن عمار : كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان ظننت أنه لا يحسن شيئا بزي التجار ، فإذا تكلم أنصت له الفقهاء . وقال أحمد بن محمد بن يحيى القطان : لم يكن جدي يمزح ، ولا يضحك إلا تبسما ، ولا دخل حماما ، وكان يخضب . وقال يحيى بن معين : أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل ليلة . وعن علي ابن المديني : كان يحيى يختم كل ليلة . وقال بندار : اختلفت إليه عشرين سنة ، فما أظن أنه عصى الله قط . قال علي ابن المديني : كنا عند يحيى بن سعيد ، فقرأ رجل سورة الدخان ، فصعق يحيى وغشي عليه . قال أحمد بن حنبل : لو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى ؛ يعني الصعق . قال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان : ما أعلم أني رأيت جدي قهقه قط ، ولا دخل حماما قط ، ولا اكتحل ولا ادهن ، وكان يخضب خضابا حسنا . وروى عباس عن يحيى بن معين قال : كان يحيى القطان إذا قرئ عنده القرآن سقط حتى يصيب وجهه الأرض . وقال : ما دخلت كنيفا قط إلا ومعي امرأة ؛ يعني من ضعف قلبه . قال ابن معين : وجعل جار له يشتمه ويقع فيه ويقول : هذا الخوزي ، ونحن في المسجد . قال : فجعل يحيى يبكي ويقول : صدق ، ومن أنا وما أنا . قال ابن معين : كان يحيى يجيء معه بمسباح ، فيدخل يده في ثيابه فيسبح . قال عبد الرحمن بن مهدي : اختلفوا يوما عند شعبة فقالوا : اجعل بيننا وبينك حكما . قال : قد رضيت بالأحول ؛ يعني القطان . فجاء فقضى على شعبة ، فقال شعبة : ومن يطيق نقدك يا أحول . وقال ابن سعد : كان ثقة مأمونا ، رفيعا حجة . وقال النسائي : أمناء الله على حديث رسوله شعبة ، ومالك ، ويحيى القطان . وقال محمد بن بندار الجرجاني : قلت لابن المديني : من أنفع من رأيت للإسلام وأهله ؟ قال : يحيى بن سعيد القطان . قال عبد الرحمن بن عمر رستة : سمعت علي بن عبد الله يقول : كنا عند يحيى بن سعيد ، فلما خرج من المسجد خرجنا معه ، فلما صار بباب داره قام وقمنا معه ، فانتهى إليه الروبي ، فقال يحيى لما رآه : ادخلوا . فدخلنا ، فقال للروبي : اقرأ . فلما أخذ في القراءة نظرت إلى يحيى يتغير حتى بلغ : ( إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ) صعق يحيى وغشي عليه ، وارتفع صوته . وكان باب قريب منه ، فانقلب فأصاب الباب فقار ظهره وسال الدم ، فصرخ النساء وخرجنا ، ووقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا . ثم دخلنا عليه ، فإذا هو نائم على فراشه ، وهو يقول : ( إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ) . فما زالت به تلك القرحة حتى مات رحمه الله . روى أحمد بن عبد الرحمن العنبري عن زهير البابي قال : رأيت يحيى بن سعيد في النوم عليه قميص ، بين كتفيه مكتوب : بسم الله الرحمن الرحيم ، كتاب من الله العزيز العليم براءة ليحيى بن سعيد القطان من النار . وروى أبو بكر بن خلاد الباهلي عن يحيى القطان قال : كنت إذا أخطأت قال لي سفيان : أخطأت يا يحيى . فروى يوما عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم . فقلت : أخطأت يا أبا عبد الله . قال : وكيف هو ؟ قلت : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن زيد بن عبد الله ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أم سلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . فقال لي : صدقت يا يحيى ، اعرض علي كتبك . قلت : تريد أن ألقى منك ما لقي زائدة ؟ قال : وما لقي زائدة ؟ أصلحت له كتبه وذكرته حديثه . وقال أحمد : إلى يحيى القطان المنتهى في التثبت . قال محمد بن أبي صفوان : كان يحيى القطان نفقته من غلته ، إن دخل من غلته حنطة أكل حنطة ، وإن دخل شعير أكل شعيرا ، وإن دخل تمر أكل تمرا . قال ابن معين : إن يحيى بن سعيد لم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة . وقال عفان : رأى رجل ليحيى بن سعيد قبل موته : أن بشر يحيى بن سعيد بأمان من الله يوم القيامة . وقال أحمد : ما رأيت أحدا أقل خطأ من يحيى بن سعيد ، ولقد أخطأ في أحاديث . ثم قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ؟ قال أحمد العجلي : كان يحيى بن سعيد نقي الحديث ، لا يحدث إلا عن ثقة . قال أبو قدامة السرخسي : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أدركت الأئمة يقولون : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص . وسمعته يقول : أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ ؛ لأن القرآن أعظم حرمة ، ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحدا . قال شاذ بن يحيى : قال يحيى بن سعيد : من قال : إن ( قل هو الله أحد ) مخلوق ، فهو زنديق والله الذي لا إله إلا هو . قال الفلاس : كان هجيرى يحيى بن سعيد إذا سكت ثم تكلم يقول : يحيي ويميت وإليه المصير . وقلت له في مرضه : يعافيك الله إن شاء الله . فقال : أحبه إلي أحبه إلى الله . وقال أبو حاتم : إذا اختلف ابن المبارك والقطان وابن عيينة في حديث ، أخذ بقول يحيى بن سعيد . ابن المديني : سألت يحيى بن سعيد عن أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ، فقال : ليست بصحاح . الفلاس : سمعت يحيى يقول : كنت أنا وخالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ وما تقدماني في شيء قط - يعني من العلم - كنت أذهب معهما إلى ابن عون ، فيقعدان ويكتبان ، وأجيء أنا فأكتبها في البيت . قال محمد بن يحيى بن سعيد : قال أبي : كنت أخرج من البيت أطلب الحديث ، فلا أرجع إلا بعد العتمة . قال عبد الله بن قحطبة : حدثنا عباس العنبري : سمعت ابن مهدي يقول : لما قدم سفيان الثوري البصرة قال لي : جئني بمن أذاكره . فأتيته بيحيى بن سعيد ، فلما خرج قال : قلت لك جئني بإنسان جئتني بشيطان ! وقال ابن معين : قال لي يحيى بن سعيد : لو لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت إلا عن خمسة . قال ابن معين : وروى يحيى عن الأوزاعي حديثا واحدا . قلت : تفقه يحيى بن سعيد في هذا الشأن بشعبة وسفيان ، ولزم شعبة دهرا ، وأخص أصحاب يحيى بن سعيد به علي ابن المديني . وإذا وثق يحيى بن سعيد شيخا فتمسك به ، أما إذا لين أحدا فتأن في أمره ، فإن الرجل متعنت جدا ، قد لين مثل إسرائيل وغيره من رجال الصحيح . ولم أقف على كتابه في الضعفاء ، لكن يقع من كلامه في أسئلة ابن المديني والفلاس وابن معين أشياء نافعة . وكان رأسا في معرفة العلل ، أخذ ذلك عنه ابن المديني ، وأخذ ذلك عن ابن المديني أبو عبد الله البخاري . وأعلى شيء يقع من حديث يحيى ما وقع في الغيلانيات ؛ أنبأناه جماعة ، أخبرنا عمر بن محمد قال : أخبرنا ابن الحصين قال : أخبرنا ابن غيلان قال : أخبرنا أبو بكر الشافعي قال : حدثنا محمد بن شداد قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال : حدثنا إسماعيل ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يرحم الله من لا يرحم الناس . قال محمد بن عمرو بن عبيدة العصفري : سمعت علي ابن المديني قال : رأيت خالد بن الحارث في النوم ، فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي على أن الأمر شديد . قلت : فما فعل يحيى القطان ؟ قال : نراه كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء . قلت : قالوا : مات يحيى بن سعيد في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة ، قبل موت ابن عيينة وابن مهدي بأربعة أشهر ، رحمهم الله .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/627157
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة