أسد بن الفرات
أسد بن الفرات ، الفقيه أبو عبد الله القيرواني المغربي ، مولى بني سليم . أحد الكبار من أصحاب مالك ، ولد بحران سنة خمسٍ وأربعين ومائة ، ودخل القيروان مع أبيه في الغزو . قال ابن ماكولا : أسد بن الفرات بن سنان قاضي إفريقية ، مولده في سنة أربع وأربعين ومائة .
روى الموطأ ، ورحل إلى الكوفة فأخذ عن أهلها ، وسمع من يحيى بن أبي زائدة ، وأبي يوسف ، وجرير بن عبد الحميد ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وكتب علم أبي حنيفة . أخذ عنه أبو يوسف القاضي مع تقدمه ، وكان قد تفقه قبل ذلك ببلده على علي بن زياد التونسي . وكان جليلا محترما كبير القدر .
قيل : إنه لما قدم مصر من الكوفة أتى ابن وهب فقال له : هذه كتب أبي حنيفة ، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك فتورع ، فذهب بها إلى ابن القاسم ، فأجابه بما حفظ عن مالك وبما يعلم من أصول مالك وقواعده ، وتسمى المسائل الأسدية . وحصلت له رياسة بإفريقية ، واشتغلوا عليه ، فلما ارتحل سحنون بالأسدية إلى ابن القاسم فعرضها عليه ، قال ابن القاسم : فيها شيء لا بد من تغييره . وأجاب عن أماكن ، ثم كتب إلى أسد أن عارض كتبك بكتب سحنون ، فلم يفعل ذلك ، فبلغ ذلك ابن القاسم فتألم وقال : اللهم لا تبارك في الأسدية .
فهي مرفوضة عند المالكية . قال أبو زرعة الرازي : كان عند ابن القاسم ثلاثمائة جلد أو نحوه عن مالك مسائل ، وكان أسد رجل من أهل المغرب ، سأل محمد بن الحسن عن مسائل ، ثم سأل ابن وهب فأبى أن يجيبه ، فأتى ابن القاسم فتوسع له ، وأجابه بما عنده عن مالك وما يراه ، والناس يتكلمون في هذه المسائل . قال عبد الرحيم الزاهد : قدم علينا أسد فقلت : بم تأمرني ؛ بقول مالك أو بقول أهل العراق ؟ فقال : إن كنت تريد الله والدار الآخرة فعليك بمالك ، وإن كنت تريد الدنيا فعليك بقول أهل العراق .
ولما كان بالعراق كان يلزم محمد بن الحسن فنفدت نفقته ، وكلم محمدٌ فيه الدولة ، فوصلوه بعشرة آلاف درهم . قال : ومات صاحب لنا ، فنودي على كتبه ، فكان المنادي يقول : هذه مقابلة على كتب الإفريقي ؛ يريدني ، وكنت معروفا بتصحيح المقابلة ، فبيعت ورقتين بدرهم . وعنه قال : قال لي ابن القاسم : كنت أقرأ ختمتين في اليوم والليلة ، فأنزل لك عن ختمة رغبة في إحياء العلم .
وقال داود بن أحمد : رأيت أسدا يعرض التفسير ، فقرأ : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي فقال : ويل أم أهل البدع ، يزعمون أن الله خلق كلاما يقول : أنا . قلت : ومضى أسد بن الفرات غازيا أميرا من قبل زيادة الأغلبي أمير القيروان ، فافتتح بلدا من جزيرة صقلية ، ومات هناك في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائتين . وكان بطلا شجاعا زحف إليه ملك صقلية في مائة ألف وخمسين ألفا .
قال بعضهم : فلقد رأيت أسدا وفي يده اللواء يقرأ يس ، ثم حمل بالناس فهزم الله المشركين ، وانصرف أسد فرأيت الدم قد سال مع قناة اللواء على ذراعه وقد جمد . ومرض وهو محاصر سرقوسية . ويقال : إن أسدا قال : أيها الأمير ، عزلتني عن القضاء ؟ فقال : لا ، ولكن زدتك الإمرة وهي أشرف ؛ فأنت أمير وقاضٍ .