حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

القاسم بن سلام

القاسم بن سلام ، الإمام أبو عبيد البغدادي الفقيه الأديب ، صاحب المصنفات الكثيرة في القراءات والفقه واللغات والشعر . قرأ القرآن على الكسائي ، وإسماعيل بن جعفر ، وشجاع بن أبي نصر ، وسمع الحروف من طائفة . وقد سمع إسماعيل بن عياش ، وإسماعيل بن جعفر ، وهشيم بن بشير ، وشريك بن عبد الله وهو أكبر شيخ له ، وعبد الله بن المبارك ، وأبا بكر بن عياش ، وجرير بن عبد الحميد ، وسفيان بن عيينة ، وعباد بن عباد ، وعباد بن العوام ، وخلقا آخرهم موتا هشام بن عمار .

وعنه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، وأبو بكر بن أبي الدنيا ، وعباس الدوري ، والحارث بن أبي أسامة ، وأحمد بن يوسف التغلبي ، وعلي بن عبد العزيز البغوي ، ومحمد بن يحيى بن سليمان المروزي ، وأحمد بن يحيى البلاذري الكاتب ، وآخرون . قال علي البغوي : ولد أبو عبيد بهراة ، وكان أبوه عبدا لبعض أهل هراة . وقال أبو بكر الخطيب : كان أبوه روميا ، خرج يوما وأبو عبيد مع ابن مولاه في الكتاب ، فقال للمؤدب : علمي القاسم فإنها كيسة .

وقال محمد بن سعد : كان أبو عبيد مؤدبا ، صاحب نحو وعربية وطلب للحديث والفقه ، ولي قضاء طرسوس أيام ثابت بن نصر بن مالك ، ولم يزل معه ومع ولده . وقدم بغداد ، ففسر بها غريب الحديث ، وصنف كتبا وحدث ، وحج فتوفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين . وقال ابن يونس : قدم مصر مع ابن معين سنة ثلاث عشرة ، وكتب بمصر .

وقال إبراهيم بن أبي طالب : سألت أبا قدامة السرخسي عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد فقال : أما أفهمهم فالشافعي إلا أنه قليل الحديث ، وأما أورعهم فأحمد بن حنبل ، وأما أحفظهم فإسحاق ، وأما أعلمهم بلغات العرب فأبو عبيد . وقال أحمد بن سلمة : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : الحق يجب لله ، أبو عبيد أفقه مني وأعلم مني . وقال الحسن بن سفيان : سمعت ابن راهويه يقول : إنا نحتاج إلى أبي عبيد ، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا .

وقال عباس الدوري : سمعت أحمد بن حنبل يقول : أبو عبيد ممن يزداد عندنا كل يوم خيراً . وقال أبو قدامة : سمعت أحمد بن حنبل يقول : أبو عبيد أستاذ . وعن حمدان بن سهل قال : سألت يحيى بن معين عن أبي عبيد فقال : مثلي يسأل عن أبي عبيد ؟ أبو عبيد يسأل عن الناس .

وقال أبو داود : ثقة مأمون . وقال الدارقطني : ثقة إمام جبل ، وسلام أبوه رومي . وقال أبو عبد الله الحاكم : كان أبو محمد بن قتيبة يتعاطى التقدم في علوم كثيرة ، ولم يرضه أهل علم منها ، وإنما الإمام المقبول عند الكل فأبو عبيد .

وقال إبراهيم الحربي : رأيت ثلاثة تعجز النساء أن تلدن مثلهم ؛ رأيت أبا عبيد ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه روح ، ورأيت بشر بن الحارث فما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا ، ورأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله قد جمع له علم الأولين من كل صنف ؛ يقول ما شاء ، ويمسك ما شاء . وقال عبد الله بن أحمد : عرضت كتاب غريب الحديث لأبي عبيد على أبي ، فاستحسنه وقال : جزاه الله خيرا . وقال مكرم بن أحمد القاضي : قال إبراهيم الحربي : كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح ، يحسن كل شيء إلا الحديث صناعة أحمد بن حنبل ويحيى .

قال : وكان أبو عبيد يؤدب غلاما ، ثم اتصل بثابت بن نصر فولي ثابت طرسوس ، فولي أبو عبيد قضاءها ثمان عشرة سنة ، فاشتغل عن كتابة الحديث . كتب في حداثته عن هشيم وغيره ، فلما صنف احتاج أن يكتب عن يحيى بن صالح وهشام بن عمار ، وأضعف كتبه كتاب الأموال ، يجيء إلى باب فيه ثلاثون حديثا وخمسون أصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيجيء بحديث ، حديثين ، يجمعهما من حديث الشام ، ويتكلم في ألفاظهما . وليس له كتاب مثل غريب المصنف .

قال : وانصرف أبو عبيد يوما ، فمر بدار إسحاق الموصلي ، فقالوا له : يا أبا عبيد ، صاحب هذه الدار يقول : إن في كتابك غريب المصنف ألف حرف خطأ . فقال : كتاب فيه أكثر من مائة ألف يقع فيه ألف خطأ ليس بكثير ، ولعل إسحاق عنده رواية ، وعندنا رواية ، فلم يعلم ، والروايتان صواب ، ولعله أخطأ في حروف ، وأخطأنا في حروف ، فيبقى الخطأ شيئا يسيرا . قال : وكتاب غريب الحديث فيه أقل من مائتي حرف سمعت ، والباقي قال الأصمعي وقال أبو عمرو ، وفيه خمسة وأربعون حديثا لا أصل لها ، أتي فيها أبو عبيد من أبي عبيدة معمر بن المثنى .

وقال عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي : من علماء بغداد النحويين على مذهب الكوفيين ورواة اللغة والغريب والعلماء بالقراءات ، ومن جمع صنوفا من العلم ، وصنف الكتب في كل فن من العلوم والآداب فأكثر ، وشهر أبو عبيد القاسم بن سلام . وكان مؤدبا لآل هرثمة ، وصار في ناحية عبد الله بن طاهر ، وكان ذا فضل ودين وستر ومذهب حسن . روى عن أبي زيد ، وأبي عبيدة ، والأصمعي ، واليزيدي ، وابن الأعرابي ، وأبي زياد الكلابي .

وعن الأموي ، وأبي عمرو الشيباني ، والكسائي ، والأحمر ، والفراء . وروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتابا في القرآن ، والفقه ، وغريب الحديث ، والغريب المصنف ، والأمثال ، ومعاني الشعر ، وغير ذلك . وله كتب لم يروها ، قد رأيتها في ميراث بعض الطاهريين تباع ، كثيرة ، في أصناف الفقه كله .

قال : وبلغنا أنه كان إذا صنف كتابا أهداه إلى عبد الله بن طاهر ، فيحمل إليه مالا خطيرا استحسانا لذلك ، وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد ، والرواة عنه مشهورون ثقات ذوو ذكر ونبل . قال : وقد سبق إلى جميع كتبه ، فمن ذلك : المصنف الغريب وهو أجل كتبه في اللغة ، فإنه احتذى فيه كتاب النضر بن شميل الذي يسميه كتاب الصفات ، بدأ فيه بخلق الإنسان ، ثم بخلق الفرس ، ثم بالإبل ، فذكر صنفا بعد صنف ، وهو أكبر من كتاب أبي عبيد وأجود . ومنها كتاب الأمثال ، وقد صنف فيها قبله الأصمعي وأبو زيد وأبو عبيدة وجماعة ، إلا أنه جمع رواياتهم في كتابه .

وكتاب غريب الحديث أول من عمله أبو عبيدة وقطرب والأخفش والنضر ، ولم يأتوا بالأسانيد ، وعمل أبو عدنان البصري كتابا في غريب الحديث وذكر فيه الأسانيد ، وصنفه على أبواب السنن ، إلا أنه ليس بالكبير ، فجمع أبو عبيد عامة ما في كتبهم وفسره ، وذكر الأسانيد ، وصنف المسند على حدته ، وأحاديث كل رجل من الصحابة والتابعين على حدته ، وأجاد تصنيفه ، فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجون إليه فيه . وكذلك كتابه في معاني القرآن ؛ وذلك أن أول من صنف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة ثم قطرب ثم الأخفش ، وصنف من الكوفيين الكسائي ثم الفراء ، فجمع أبو عبيد من كتبهم ، وجاء فيه بالآثار وأسانيدها ، وتفاسير الصحابة والتابعين والفقهاء ، وروى النصف منه ومات . وأما الفقه فإنه عمد إلى مذهب مالك والشافعي ، فتقلد أكثر ذلك ، وأتى بشواهده ، وجمعه من حديثه ورواياته ، واحتج باللغة والنحو ، فحسنها بذلك .

وله في القراءات كتاب جيد ، ليس لأحد من الكوفيين قبله مثله ، وكتابه في الأموال من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده . وقال أبو بكر ابن الأنباري : كان أبو عبيد يقسم الليل ؛ فيصلي ثلثه ، وينام ثلثه ، ويصنف ثلثه . وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد : في كتاب الطهارة لأبي عبيد حديثان ، ما حدث بهما غيره ، ولا حدث بهما عنه غير محمد بن يحيى المروزي ؛ أحدهما حديث شعبة عن عمرو بن أبي وهب ، والآخر حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري ، حدث به عن يحيى القطان عن عبيد الله ، وحدث به الناس عن يحيى عن ابن عجلان .

وقال ثعلب : لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجبا . وقال القاضي أبو العلاء الواسطي : أخبرنا محمد بن جعفر التميمي قال : حدثنا أبو علي النحوي قال : حدثنا الفسطاطي قال : كان أبو عبيد مع عبد الله بن طاهر ، فبعث إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد مدة شهرين ، فأنفذه إليه ، فأقام شهرين ، فلما أراد الانصراف وصله بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها ، وقال : أنا في جنبة رجل لم يحوجني إلى صلة غيره . فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف دينار ، فقال : أيها الأمير قد قبلتها ، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك ، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحا وخيلا ، وأوجه بها إلى الثغر ، ليكون الثواب متوفرا على الأمير ، ففعل .

وقال علي بن عبد العزيز : سمعت أبا عبيد يقول : المتبع للسنة كالقابض على الجمر ، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله . وقال عباس الدوري : سمعت أبا عبيد يقول : عاشرت الناس وكلمت أهل الكلام ، فما رأيت قوما أوسخ وسخا ولا أضعف حجة من الرافضة ، ولا أحمق منهم ، ولقد وليت قضاء الثغر فنفيت ثلاثة ؛ جهميين ورافضيا ، أو رافضيين وجهميا . وقال : إني لأتبين في عقل الرجل أن يدع الشمس ويمشي في الظل .

وقال بعضهم : كان أبو عبيد أحمر الرأس واللحية ، مهيبا ، وقورا ، يخضب بالحناء . وقال الزبيدي : عددت حروف الغريب المصنف فوجدته سبعة عشر ألفا وتسعمائة وسبعين . وقال أبو عبيد : دخلت البصرة لأسمع من حماد بن زيد فإذا هو قد مات ، فشكوت ذلك إلى عبد الرحمن بن مهدي فقال : مهما سبقت به فلا تسبقن بتقوى الله .

وقال محمد بن الحسن الآبري : سمعت ابن خزيمة قال : سمعت أحمد بن نصر المقرئ يقول : قال إسحاق : إن الله لا يستحيي من الحق ؛ أبو عبيد أعلم مني ومن أحمد بن حنبل والشافعي . وقال عبد الله بن طاهر الأمير ، ورويت عنه من وجهين : للناس أربعة ؛ ابن عباس في زمانه ، والشعبي في زمانه ، والقاسم بن معن في زمانه ، وأبو عبيد في زمانه . وقال عبدان بن محمد المروزي : حدثنا أبو سعيد الضرير قال : كنت عند عبد الله بن طاهر ، فورد عليه نعي أبي عبيد ، فأنشأ يقول : يا طالب العلم قد مات ابن سلام وكان فارس علم غير محجام مات الذي كان فينا ربع أربعة لم يلق مثلهم إسناد أحكام خير البرية عبد الله أولهم وعامرٌ ، ولنعم التلو يا عام هما اللذان أنافا فوق غيرهما والقاسمان ؛ ابن معن وابن سلام ومناقب أبي عبيد كثيرة ، وقد حكى عنه البخاري في كتاب أفعال العباد ، وذكره أبو داود في كتاب الزكاة ، وغيره في تفسير أسنان الإبل .

وعاش ثمانيا وستين سنة .

موقع حَـدِيث