أحمد بن حرب بن فيروز
أحمد بن حرب بن فيروز ، الإمام أبو عبد الله النيسابوري الزاهد ، أحد الفقهاء العابدين . رحل وسمع من سفيان بن عيينة ، ومحمد بن عبيد ، وأبي داود الطيالسي ، وأبي أسامة ، وابن أبي فديك ، وأبي عامر العقدي ، وحفص بن عبد الرحمن ، وعبد الوهاب الخفاف ، وعبد الله بن الوليد العدني ، وعامر بن خداش ، وطبقتهم . روى عنه أبو الأزهر ، وسهل بن عمار ، ومحمد بن شادل ، والعباس بن حمزة ، وإبراهيم بن محمد بن سفيان ، وإبراهيم بن إسحاق الأنماطي ، وأحمد بن نصر اللباد ، وإسماعيل بن قتيبة ، وزكريا بن دلويه ، وخلق سواهم .
قال زكريا بن دلويه : كان أحمد بن حرب إذا جلس بين يدي الحجام ليحفي شاربه يسبح ، فيقول له الحجام : اسكت حتى نفرغ ساعة . فيقول : اعمل أنت عملك . وربما قطع شفته وهو لا يعلم .
قال الحاكم : حدثنا أبو العباس عبد الله بن أحمد الصوفي ، قال : حدثني أبو عمرو محمد بن يحيى ، قال : مر أحمد بن حرب بصبيان يلعبون ، فقال أحدهم : أمسكوا فإن هذا أحمد بن حرب الذي لا ينام الليل . قال : فقبض على لحيته وقال : الصبيان يهابونك بأنك لا تنام الليل ، وأنت تنام . قال : فأحيا الليل بعد ذلك حتى مات .
وقال زكريا بن حرب : كان أخي أحمد ابتدأ في الصوم وهو في الكتاب فلما راهق حج مع أخيه الحسين ، وأقاما بالكوفة لطلب العلم ، وببغداد والبصرة ، ثم قدم ، فأقبل على العبادة لا يفتر ، وأخذ في المواعظ والذكر ، وحث على العبادة ، وأقبل الناس على مجلسه ، وألف كتاب الأربعين ، وكتاب عيال الله ، وكتاب الزهد وكتاب الدعاء . وكتاب الحكمة ، وكتاب المناسك ، وكتاب التكسب . ورغب الناس في سماعها ، فلما ماتت أمه سنة عشرين ومائتين عاد إلى الحج والغزو ، وخرج إلى الترك ، وفتح فتحا عظيما ، فحسده عليه أصحاب الرباط ، وسعوا فيه إلى عبد الله بن طاهر .
فأدخل عليه ، فلم يأذن له في الجلوس وقال : تخرج وتجمع إلى نفسك هذا الجمع ، وتخالف أعوان السلطان . ثم علم ابن طاهر صدقه فتركه ، فخرج إلى مكة وجاور . وعن أحمد بن حرب قال : قال ابن المبارك : أربعة ، منها ثلاثة مجاز ، وواحد حقيقة : عمرنا في الدنيا ، ومكثنا في القبور ، ووقوفنا في الحشر ، ومنصرفنا إلى الأبد ، فهو الحقيقة ، وما قبله مجاز .
وأحمد بن حرب تنتحله الكرامية وتخضع له ؛ لأنه شيخ ابن كرام . وعن يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : إن لم يكن أحمد بن حرب من الأبدال فلا أدري من هم . وقال محمد بن الفضل البخاري : سمعت نصر بن محمود البلخي يقول : قال أحمد بن حرب : عبدت الله خمسين سنة ، فما وجدت حلاوة العبادة حتى تركت ثلاثة أشياء : تركت رضا الناس حتى قدرت أن أتكلم بالحق .
وتركت صحبة الفاسقين حتى وجدت صحبة الصالحين . وتركت حلاوة الدنيا حتى وجدت حلاوة الأخرى . وقال محمد بن عبد الله بن موسى السعدي : كنا في مجلس أحمد بن حرب لما قدم بخارى ، فاجتمع عليه العامة من أهل المدينة والقرى ، فقالوا كلهم : يا أبا عبد الله ، ادع الله لنا ، فإن زرعنا وأرضنا لم تنبت منذ عامين ، أو قال : عام .
فرفع يديه ودعا ، فما فرغ حتى طلعت سحابة - وكانت الشمس طالعة - فمطرنا مطرا لم نر مثله ، فجئنا مشمرين أثوابنا من شدة المطر ، حتى نبتت الزروع . قلت : ساق الحاكم ترجمته في عدة أوراق . وقال محمد بن علي المروزي : روى أشياء كثيرة لا أصول لها .
قال زكريا بن دلويه ، وغيره : توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين ، وله ثمان وخمسون سنة .