أحمد بن أبي دؤاد بن حريز
أحمد بن أبي دؤاد بن حريز ، القاضي أبو عبد الله الإيادي البصري ثم البغدادي . واسم أبيه : الفرج . ولي القضاء للمعتصم وللواثق بالله ، وكان مصرحا بمذهب الجهمية ، داعية إلى القول بخلق القرآن .
وكان موصوفا بالجود والسخاء ، وحسن الخلق ، وغزارة الأدب . قال الصولي : كان يقال : أكرم من كان في دولة بني العباس البرامكة ، ثم ابن أبي دؤاد ، لولا ما وضع به نفسه من محبة المحنة لاجتمعت الألسن عليه ، ولم يضف إلى كرمه كرم أحد . ولد ابن أبي دؤاد سنة ستين ومائة بالبصرة .
قال حريز بن أحمد بن أبي دؤاد : كان أبي إذا صلى رفع يده إلى السماء وخاطب ربه وقال : ما أنت بالسبب الضعيف وإنما . نجح الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك ، وإنما . يدعى الطبيب لساعة الأوصاب وقال أبو العيناء : كان أحمد بن أبي دؤاد شاعرا مجيدا ، فصيحا بليغا ، ما رأيت رئيسا أفصح منه .
وقال فيه بعض الشعراء : لقد أنست مساوئ كل دهر . محاسن أحمد بن أبي دؤاد وما سافرت في الأفاق إلا . ومن جدواك راحلتي وزادي يقيم الظن عندك والأماني .
وإن قلقت ركابي في البلاد وقال الصولي : حدثنا عون بن محمد الكندي قال : لعهدي بالكرخ ، وإن رجلا لو قال: ابن أبي دؤاد مسلم لقتل في مكانه . ثم وقع الحريق في الكرخ ، وهو الذي لم يكن مثله قط . كان الرجل يقوم في صينية شارع الكرخ فيرى السفن في دجلة .
فكلم ابن أبي دؤاد المعتصم في الناس وقال : يا أمير المؤمنين رعيتك في بلد آبائك ودار ملكهم ، نزل بهم هذا الأمر ، فاعطف عليهم بشيء يفرق فيهم ، يمسك أرماقهم ويبنون به ما انهدم . فلم يزل ينازله حتى أطلق له خمسة آلاف ألف درهم ، فقال : يا أمير المؤمنين إن فرقها عليهم غيري خفت أن لا يقسم بالسوية . قال : ذاك إليك ، فقسمها على مقادير ما ذهب منهم ، وغرم من ماله جملة .
قال عون : فلعهدي بالكرخ بعد ذلك ، وإن إنسانا لو قال : زر ابن أبي دؤاد وسخ لقتل . وقال ابن دريد : أخبرنا الحسن بن الخضر قال : كان ابن أبي دؤاد مؤالفا لأهل الأدب من أي بلد كانوا . وكان قد ضم إليه جماعة يمونهم ، فلما مات اجتمع ببابه جماعة منهم ، فقالوا : يدفن من كان على ساقه الكرم وتاريخ الأدب ولا نتكلم فيه ؟ إن هذا لوهن وتقصير .
فلما طلع سريره قام ثلاثة منهم ، فقال أحدهم : اليوم مات نظام الفهم واللسن . ومات من كان يستعدى على الزمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت . شمس المكارم في غيم من الكفن وقال الثاني : ترك المنابر والسرير تواضعا .
وله منابر لو يشا وسرير ولغيره يجبى الخراج وإنما . تجبى إليه محامد وأجور وقال الثالث : وليس نسيم المسك ريح حنوطه . ولكنه ذاك الثناء المخلف وليس صرير النعش ما يسمعونه .
ولكنها أصلاب قوم تقصف قال أبو روق الهزاني : حكى لي ابن ثعلبة الحنفي عن أحمد بن المعذل أن ابن أبي دؤاد كتب إلى رجل من أهل المدينة : إن تابعت أمير المؤمنين في مقالته استوجبت حسن المكافأة . فكتب إليه : عصمنا الله وإياك من الفتنة . الكلام في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب ، تعاطى السائل ما ليس له ، وتكلف المجيب ما ليس عليه .
ولا نعلم خالقا إلا الله ، وما سواه مخلوق إلا القرآن ، فإنه كلام الله . وعن المهتدي بالله محمد ابن الواثق قال : كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس . فأتي بشيخ مخضوب مقيد ، فقال أبي : ائذنوا لابن أبي دؤاد وأصحابه .
فأدخل الشيخ ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال له : لا سلم الله عليك . قال : بئس ما أدبك مؤدبك .
فقال له ابن أبي دؤاد : يا شيخ ما تقول في القرآن ؟ فقال : لم تنصفني ، ولي السؤال . قال : سل . قال : ما تقول في القرآن ؟ قال : مخلوق .
قال : هذا شيء علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو بكر ، وعمر ، والخلفاء الراشدون ، أم شيء لم يعلموه ؟ فقال - يعني ابن أبي دؤاد - : شيء لم يعلموه . فقال : سبحان الله ، شيء لم يعلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أبو بكر ، ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت . فخجل ابن أبي دؤاد فقال : أقلني .
قال : أقلتك . ما تقول في القرآن ؟ قال : مخلوق . قال : هذا شيء علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء ؟ قال : علموه ، ولم يدعوا الناس إليه .
قال : أفلا وسعك ما وسعهم ؟ فقام أبي الواثق ودخل خلوته ، واستلقى على ظهره وهو يقول : هذا شيء لم يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي ، ولم يدعوا إليه ، أفلا وسعك ما وسعهم . ثم دعا عمارا الحاجب ، وأمره أن يرفع عنه القيود ، ويعطيه أربعمائة دينار ، وسقط من عينيه ابن أبي دؤاد ، ولم يمتحن بعدها أحدا . قلت: في رواتها غير مجهول .
قال ثعلب : أنشدني أبو الحجاج الأعرابي : نكست الدين يا ابن أبي دؤاد . فأصبح من أطاعك في ارتداد زعمت كلام ربك كان خلقا . أما لك عند ربك من معاد ؟ كلام الله أنزله بعلم .
وأنزله على خير العباد ومن أمسى ببابك مستضيفا . كمن حل الفلاة بغير زاد لقد أظرفت يا ابن أبي دؤاد . بقولك إنني رجل إيادي وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة : حدثنا الحسن بن أيوب المخرمي قال : قلت لأحمد بن حنبل : ابن أبي دؤاد ؟ قال : كافر بالله العظيم .
وقال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت بشر بن الوليد يقول : استتبت ابن أبي دؤاد من : القرآن مخلوق في ليلة ثلاث مرات ، يتوب ثم يرجع . وقال : حدثني محمد بن أبي هارون ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ ، قال : حضرت العيد مع أبي عبد الله ، فإذا بقاص يقول : على ابن أبي دؤاد لعنة الله ، وحشا الله قبره نارا . فقال أبو عبد الله : ما أنفعهم للعامة .
وقال خالد بن خداش : رأيت في المنام كأن آتيا أتاني بطبق ، فقال : اقرأه . فقرأت : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾. ابن أبي دؤاد يريد أن يمتحن الناس .
فمن قال : القرآن كلام الله ، كسي خاتما من ذهب ، فصه ياقوتة حمراء ، وأدخله الله الجنة وغفر له . ومن قال : القرآن مخلوق ، جعلت يمينه يمين قرد ، فعاش بعد ذلك يوما أو يومين ثم يصير إلى النار . ورأيت قائلا يقول : مسخ ابن أبي دؤاد ، ومسخ شعيب ، وأصاب ابن سماعة فالج ، وأصاب آخر الذبحة - ولم يسم - .
هذا منام صحيح الإسناد ، وشعيب هو ابن سهل القاضي من الجهمية . وقد رمي ابن أبي دؤاد بالفالج وشاخ ، فعن أبي الحسين بن الفضل : سمع عبد العزيز بن يحيى المكي قال : دخلت على أحمد بن أبي دؤاد وهو مفلوج ، فقلت : لم آتك عائدا ، ولكن جئت لأحمد الله على أن سجنك في جلدك . وقال الصولي : حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال : مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد هو وأبوه منكوبين في ذي الحجة ، سنة تسع وثلاثين ، ومات أبوه يوم السبت لسبع بقين من المحرم سنة أربعين .
قال الصولي : ودفن في داره ببغداد .