هارون الواثق بالله أبو جعفر
هارون الواثق بالله أبو جعفر ، وقيل : أبو القاسم . أمير المؤمنين ، ولد المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن المنصور الهاشمي العباسي . وأمه رومية اسمها قراطيس ، أدركت دولته .
ولي الأمر بعهد من أبيه . ونقل إسماعيل الخطبي أنه ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة . وقال يحيى بن أكثم : ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ؛ ما مات وفيهم فقير .
وقال حمدون بن إسماعيل : كان الواثق مليح الشعر ، وكان يحب خادما أهدي له من مصر ، فأغضبه الواثق يوما ، ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم : والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل ، فقال الواثق : يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجازينا على قدر وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى قال الخطيب : كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة . ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن . ويقال : إن الواثق رجع عن ذلك القول قبل موته .
وقال عبيد الله بن يحيى : حدثنا إبراهيم بن أسباط بن السكن قال : حمل رجل فيمن حمل ، مكبل بالحديد من بلاده ، فأدخل . فقال ابن أبي دؤاد : تقول أو أقول ؟ قال : هذا أول جوركم . أخرجتم الناس من بلادهم ، ودعوتموهم إلى شيء .
لا ، بل أقول . قال : قل . والواثق جالس .
فقال : أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه ، أعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يدع الناس إليه ، أم شيء لم يعلمه ؟ قال : علمه . قال : فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه ، وأنتم لا يسعكم . قال : فبهتوا .
قال : فاستضحك الواثق ، وقام قابضا على فمه ، ودخل بيتا ومد رجليه وهو يقول : وسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكت عنه ولا يسعنا . فأمر أن يعطى ثلاث مائة دينار ، وأن يرد إلى بلده . وعن طاهر بن خلف : سمعت المهتدي بالله ابن الواثق يقول : كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا .
فأتي بشيخ مخضوب مقيد ، وقال أبي : ائذنوا لابن أبي دؤاد وأصحابه . وأدخل الشيخ فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال : لا سلم الله عليك .
قال : بئس ما أدبك مؤدبك . قال الله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا . قلت : هذه حكاية منكرة ، ورواتها مجاهيل ، لكن نسوقها .
قال : فقال ابن أبي دؤاد : يا أمير المؤمنين الرجل متكلم . فقال له : كلمه . فقال : يا شيخ ما تقول في القرآن ؟ قال : لم تنصفني ، ولي السؤال .
قال : سل يا شيخ قال : ما تقول في القرآن ؟ قال : مخلوق . قال : هذا شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر والخلفاء ، أم شيء لم يعلموه ؟ فقال : شيء لم يعلموه . فقال : سبحان الله ، شيء لم يعلموه أعلمته أنت ؟ قال : فخجل وقال : أقلني .
قال : والمسألة بحالها ؟ قال : نعم . قال : ما تقول في القرآن ؟ قال : مخلوق ، قال : شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : علمه . قال : علمه ولم يدع إليه الناس ؟ قال : نعم .
قال : أفلا وسعك ما وسعه ووسع الخلفاء بعده . فقام أبي فدخل الخلوة ، واستلقى وهو يقول : شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي ، علمته أنت ؟ سبحان الله ؛ علموه ولم يدعوا الناس إليه ، أفلا وسعك ما وسعهم ؟ ثم أمر برفع قيود الشيخ ، وأمر له بأربع مائة دينار ، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ، ولم يمتحن بعدها أحدا . وروى نحوا من هذه الواقعة أحمد بن السندي الحداد ، عن أحمد بن الممتنع ، عن صالح بن علي الهاشمي المنصوري ، عن المهتدي بالله ، قال صالح : حضرته وقد جلس للمتظلمين ، فنظرت إلى القصص تقرأ عليه من أولها إلى آخرها ، فيأمر بالتوقيع عليها ، ويختمها ، فيسرني ذلك .
وجعلت أنظر إليه ، ففطن ، ونظر إلي ، فغضضت عنه ، حتى كان ذلك منه ومني مرارا . فقال لي : يا صالح في نفسك شيء تحب أن تقوله ؟ قلت : نعم . فلما انقضى المجلس أدخلت مجلسه فقال : تقول ما دار في نفسك أو أقوله ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ما ترى .
قال : أقول : إنه قد استحسنت ما رأيت منا فقلت : أي خليفة خليفتنا ، إن لم يكن يقول القرآن مخلوق . فورد على قلبي أمر عظيم ، ثم قلت : يا نفس هل تموتين قبل أجلك ؟ فقلت : نعم . فأطرق ثم قال : اسمع مني ، فوالله لتسمعن الحق .
فسري عني وقلت : ومن أولى بالحق منك وأنت خليفة رب العالمين ، وابن عم سيد المرسلين ؟ قال : ما زلت أقول القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق ، حتى أقدم شيخا من أذنة مقيدا ، وهو جميل حسن الشيبة . فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له . فما زال يدنيه حتى قرب منه وجلس ، فقال : ناظر ابن أبي دؤاد .
فقال : يا أمير المؤمنين إنه يضعف عن المناظرة . فغضب وقال : أبو عبد الله يضعف عن مناظرتك أنت ؟ قال : هون عليك ، وائذن لي في مناظرته . فقال : ما دعوناك إلا لهذا .
فقال : احفظ علي وعليه ، ثم قال : يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه ، هي مقالة واجبة في عقد الدين ، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بما قلت ؟ قال : نعم . قال : فأخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله ، هل ستر شيئا مما أمر به ؟ قال : لا . قال : فدعا إلى مقالتك هذه ؟ فسكت .
فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين واحدة . فقال : أخبرني عن الله تعالى حين قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أكان الله هو الصادق في إكمال الدين ، أو أنت الصادق في نقصانه ، حتى يقال بمقالتك هذه ؟ فسكت . فقال الشيخ : اثنتان .
قال الواثق : نعم . فقال : أخبرني عن مقالتك هذه ، أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها ؟ قال : علمها . قال : فدعا الناس إليها ؟ فسكت .
فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ثلاثة . قال : نعم . قال : فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن علمها أن يمسك عنها ، ولم يطالب بها أمته ؟ قال : نعم .
قال : واتسع لأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ذلك ؟ قال : نعم . فأعرض الشيخ عنه ، وأقبل على الواثق ، وقال : يا أمير المؤمنين قد قدمت القول أن أحمد يصبو ويضعف عن المناظرة . يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما زعم هذا أنه اتسع للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، فلا وسع الله عليك .
قال الواثق : نعم كذا هو . اقطعوا قيد الشيخ . فلما قطعوه ضرب الشيخ بيده في القيد فأخذه ، فقال الواثق : لم أخذته ؟ قال : لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي له ، إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني ، حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة وأقول : يا رب لم قيدني وروع أهلي ؟ ثم بكى فبكى الواثق وبكينا .
ثم سأله الواثق أن يجعله في حل ، وأمر له بصلة فقال : لا حاجة لي بها . قال المهتدي بالله : فرجعت عن هذه المقالة ، وأظن أن الواثق رجع عنها من يومئذ . وقال إبراهيم نفطويه : حدثني حامد بن العباس ، عن رجل عن المهتدي بالله ، أن الواثق مات وقد تاب عن القول بخلق القرآن .
وكان الواثق وافر الأدب . بلغنا أن جارية غنته بشعر العرجي : أظلوم إن مصابكم رجلا رد السلام تحية ظلم فمن الحاضرين من صوب نصب رجلا ، ومنهم من قال : صوابها : رجل . فقالت : هكذا لقنني المازني .
فطلب المازني ، فلما مثل بين يدي الواثق ، قال : ممن الرجل ؟ قال : من بني مازن . قال : أي الموازن ، أمازن تميم ، أم مازن قيس ، أم مازن ربيعة ؟ قلت : مازن ربيعة . فكلمني حينئذ بلغة قومي ، فقال : با اسمك .
لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهت أن أواجهه بمكر ، فقلت : بكر يا أمير المؤمنين . ففطن لها وأعجبته . فقال : ما تقول في هذا البيت .
قلت : الوجه النصب . لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم . فأخذ اليزيدي يعارضني ، قلت : هو بمنزلة إن ضربكم رجلا ظلم .
فالرجل مفعول مصابكم ، والدليل عليه أن الكلام معلق ، إلى أن تقول ظلم فيتم . فأعجب الواثق ، وأمر لي بألف دينار . قال ابن أبي الدنيا : كان الواثق أبيض ، تعلوه صفرة ، حسن اللحية ، في عينيه نكتة .
وقال زرقان بن أبي دؤاد : لما احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين : الموت فيه جميع الخلق مشترك لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت ، وألصق خده بالأرض ، وجعل يقول : يا من لا يزول ملكه ، ارحم من قد زال ملكه . روى أحمد بن محمد الواثقي أمير البصرة ، عن أبيه قال : كنت أحد من مرض الواثق في علته ، إذ لحقته غشية ، فما شككنا أنه مات . فقال بعضنا لبعض : تقدموا .
فما جسر أحد ، فتقدمت أنا ، فلما صرت عند رأسه ، وأردت أن أضع يدي على أنفه ، لحقته إفاقة ، ففتح عينيه ، فكدت أموت فزعا ، من أن يراني قد مشيت إلى غير رتبتي ، فرجعت إلى خلف ، فتعلقت قبيعة سيفي بالعتبة ، فعثرت على سيفي فاندق ، وكاد أن يدخل في لحمي . فسلمت وخرجت ، فاستدعيت سيفا ، وجئت فوقفت ساعة ، فتلف الواثق تلفا لم يشك فيه . فشددت لحيته وغمضته وسجيته ، وجاء الفراشون ، فأخذوا ما تحته يردوه إلى الخزائن ؛ لأنه مثبت عليهم ، وترك وحده في البيت .
فقال لي أحمد بن أبي دؤاد القاضي : إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة ، وأحب أن تحفظه حتى أن يدفن ، فأنت من أخصهم به في حياتي . فرددت باب المجلس ، وجلست عند الباب ، فحسست بعد ساعة بحركة في البيت أفزعتني ، فدخلت ، فإذا بجرذون قد جاء فاستل عينه فأكلها ، فقلت : لا إله إلا الله ، هذه العين التي فتحها من ساعة ، فاندق سيفي هيبة لها . قال : وجاءوا فغسلوه ، وأخبرت ابن أبي دؤاد الخبر .
قال : والجرذون دابة أكبر من اليربوع . كانت خلافة الواثق خمس سنين، وثلاثة أشهر ونصف . ومات بسر من رأى ، يوم الأربعاء ، لست بقين من ذي الحجة ، من سنة اثنتين وثلاثين ، وبويع بعده المتوكل .