يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال بن منغايا الإمام
يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال بن منغايا الإمام ، أبو محمد البربري المصمودي الليثي ، مولى بني ليث ، الأندلسي القرطبي الفقيه . دخل جده أبو عيسى كثير بن وسلاس إلى الأندلس ، وتولى بني ليث . وولد يحيى بن يحيى سنة اثنتين وخمسين ومائة ، وسمع الموطأ من زياد بن عبد الرحمن شبطون ، وسمع من يحيى بن مضر ، وغير واحد .
ثم رحل إلى المشرق وهو ابن بضع وعشرين سنة في آخر أيام مالك ، فسمع من مالك الموطأ غير أبواب من الاعتكاف ، شك في سماعها ، فرواها عن زياد ، عن مالك . وسمع الليث بن سعد ، وسفيان بن عيينة ، وابن وهب ، فحمل عنه موطأه ، وعن ابن القاسم مسائله . وحمل عن ابن القاسم من رأيه عشرة كتب ؛ أكثرها سؤاله وسماعه من مالك ، ثم رجع إلى المدينة ليسمع ذلك من مالك ، فوجده عليلا ، فأقام بالمدينة إلى أن توفي مالك ، وحضر جنازته .
وسمع أيضا من القاسم بن عبد الله العمري ، وأنس بن عياض الليثي ، وطائفة . وقيل : إنه سمع من نافع من أبي نعيم قارئ المدينة ، وما أحسبه أدركه . روى عنه خلق من علماء الأندلس ، وانتفعوا به وبعلمه وبفضله ، ونال من الرئاسة والحرمة الوافرة ما لم ينله غيره .
حمل عنه ولده أبو مروان عبيد الله ، ومحمد بن العباس بن الوليد ، ومحمد بن وضاح ، وبقي بن مخلد ، وصباح بن عبد الرحمن العتقي ، وآخرون . وكان أحمد بن خالد بن الجباب يقول : لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى . ويذكر أن يحيى بن يحيى كان عند مالك ، فخطر الفيل على باب مالك ، فخرج كل من كان في مجلسه لرؤيته سوى يحيى .
فأعجب ذلك مالكا ، وسأله : من أنت ؟ وأين بلدك ؟ ولم يزل بعد مكرما له . وعن يحيى بن يحيى ، قال : أخذت بركاب الليث ، فأراد غلامه أن يمنعني ، فقال الليث : دعه . ثم قال لي : قد خدمك العلم .
فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك . وقيل : إن عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس نظر إلى جارية في رمضان ، فلم يملك نفسه أن واقعها ، فندم وطلب الفقهاء ، فحضروا ، فسألهم عن توبته ، فقال يحيى : صم شهرين متتابعين . فسكتوا ، فلما خرجوا قالوا ليحيى : ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك ، أنه يخير بين العتق والصوم والإطعام ؟ فقال : لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم ، ويعتق رقبة ، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود .
وقال ابن عبد البر : قدم يحيى بن يحيى إلى الأندلس بعلم كثير ، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار عليه ، وانتهى السلطان والعامة إلى رأيه . وكان فقيها حسن الرأي ، كان لا يرى القنوت في الصبح ، ولا في سائر الصلوات . ويقول : سمعت الليث بن سعد يقول : سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول : إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو أربعين يوما يدعو على قوم ، ويدعو لآخرين .
قال : وكان الليث لا يقنت . قال ابن عبد البر : وخالف يحيى مالكا في اليمين مع الشاهد ، فلم ير القضاء به ولا الحكم ، وأخذ بقول الليث في ذلك . وكان يرى كراء الأرض بجزء مما يخرج منها على مذهب الليث ، وقال : هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر ، وقضى بدار أمين إذا لم يوجد في أهل الزوجين حكمان يصلحان لذلك .
وقال ابن عبد البر أيضا : كان يحيى بن يحيى إمام أهل بلده ، والمقتدى به منهم ، والمنظور إليه ، والمعول . وكان ثقة عاقلا ، حسن الهدي والسمت ، يشبه في سمته بسمت مالك . ولم يكن له بصر بالحديث .
وقال ابن الفرضي : كان يفتي برأي مالك ، وكان إمام وقته وواحد بلده . وكان رجلا عاقلا . قال محمد بن عمر بن لبابة : فقيه الأندلس عيسى بن دينار ، وعالمها عبد الملك بن حبيب ، وعاقلها يحيى بن يحيى .
قال ابن الفرضي : وكان يحيى ممن اتهم ببعض الأمر في الهيج ، فهرب إلى طليطلة ثم استأمن ، فكتب له الأمير الحكم أمانا ورد إلى قرطبة . وقال عبد الله بن محمد بن جعفر : رأيت يحيى بن يحيى نازلا عن دابته ، ماشيا إلى الجامع يوم جمعة وعليه عمامة ورداء متين ، وأنا أحبس دابة أبي . وقال أبو القاسم بن بشكوال : كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة ؛ قد أخذ في نفسه وهيبته ومقعده هيئة مالك ، رحمه الله .
قلت : وبه ظهر مذهب إلإمام مالك بالأندلس . فإنه عرض عليه القضاء فامتنع . فكان أمير الأندلس لا يولي القضاء بمدائن الأندلس إلا من يشير به يحيى بن يحيى ، فكثر تلامذة يحيى لذلك ، وأقبلوا على فقه مالك ، ونبذوا ما سواه .
قال غير واحد : توفي في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين ، : وقيل : سنة ثلاث .