---
title: 'حديث: ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل ما زال المسلمون على قانون السلف من أن الق… | تاريخ الإسلام'
canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/631280'
url: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/631280'
content_type: 'hadith'
hadith_id: 631280
book_id: 57
book_slug: 'b-57'
---
# حديث: ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل ما زال المسلمون على قانون السلف من أن الق… | تاريخ الإسلام

## نص الحديث

> ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل ما زال المسلمون على قانون السلف من أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله غير مخلوق ، حتى نبغت المعتزلة والجهمية ، فقالوا بخلق القرآن ، متسترين بذلك في دولة الرشيد . فروى أحمد بن إبراهيم الدورقي ، عن محمد بن نوح ، أن هارون الرشيد قال : بلغني أن بشر بن غياث يقول : القرآن مخلوق . لله علي إن أظفرني به لأقتلنه . قال الدورقي : وكان بشر متواريا أيام الرشيد ، فلما مات ظهر بشر ودعى إلى الضلالة . قلت : ثم إن المأمون نظر في الكلام ، وباحث المعتزلة ، وبقي يقدم رجلا ويؤخر أخرى في دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن ، إلى أن قوي عزمه على ذلك في السنة التي مات فيها ، كما سقناه . قال صالح بن أحمد بن حنبل : حمل أبي ، ومحمد بن نوح مقيدين ، فصرنا معهما إلى الأنبار ، فسأل أبو بكر الأحوال أبي فقال : يا أبا عبد الله ، إن عرضت على السيف تجيب ؟ . قال : لا . ثم سيرا ، فسمعت أبي يقول : صرنا إلى الرحبة ورحلنا منها ، وذلك في جوف الليل ، فعرض لنا رجل فقال : أيكم أحمد بن حنبل ؟ فقيل له : هذا .فقال للجمال : على رسلك . ثم قال : يا هذا ، ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة . ثم قال : أستودعك الله ، ومضى . قال أبي : فسألت عنه ، فقيل : هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الشعر في البادية ، يقال له : جابر بن عامر ، يذكر بخير . وروى أحمد بن أبي الحواري : حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال : قال أحمد بن حنبل : ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق ، قال : يا أحمد ، إن يقتلك الحق مت شهيدا ، وإن عشت عشت حميدا . فقوى قلبي . قال صالح بن أحمد : قال أبي : صرنا إلى أذنة ، ورحلنا منها في جوف الليل ، وفتح لنا بابها ، فإذا رجل قد دخل فقال : البشرى ، قد مات الرجل ، يعني المأمون . قال أبي : وكنت أدعو الله أن لا أراه . وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي : سمعت أحمد بن حنبل يقول : تبينت الإجابة في دعوتين : دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون ، ودعوته أن لا أرى المتوكل . فلم أر المأمون ، مات بالبذندون وهو نهر الروم ، وأحمد محبوس بالرقة حتى بويع المعتصم بالروم ، ورجع فرد أحمد إلى بغداد . وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده ، قعد له المتوكل في خوخة حتى نظر إلى أحمد ، ولم يره أحمد . قال صالح : لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردا في أقيادهما ، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة ، فلما وصلا إلى عانات توفي محمد ، فأطلق عنه قيده ، وصلى عليه أبي . وقال حنبل : قال أبو عبد الله : ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح . وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير . قال لي ذات يوم : يا أبا عبد الله ، الله ، الله ، إنك لست مثلي ، أنت رجل يقتدى بك ، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك . فاتق الله واثبت لأمر الله . أو نحو هذا . فمات وصليت عليه ودفنته . أظنه قال : بعانة . قال صالح : وصار أبي إلى بغداد مقيدا ، فمكث بالياسرية أياما ، ثم حبس في دار اكتريت له عند دار عمارة ، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية ، فقال أبي : كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد . فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حولت إلى دار إسحاق بن إبراهيم . وأما حنبل بن إسحاق فقال : حبس أبو عبد الله في دار عمارة ببغداد في إسطبل لمحمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم ، وكان في حبس ضيق ؛ ومرض في رمضان ، فحبس في ذلك الحبس قليلا ، ثم حول إلى سجن العامة ، فمكث في السجن نحوا من ثلاثين شهرا ، فكنا نأتيه . وقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس ، ورأيته يصلي بأهل الحبس وعليه القيد ، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم . رجعنا إلى ما حكاه صالح بن أحمد ، عن أبيه ، فكان يوجه إلي كل يوم برجلين ، أحدهما يقال له : أحمد بن رباح ، والآخر أبو شعيب الحجام ، فلا يزالان يناظراني حتى إذا أرادا الانصراف دعي بقيد ، فزيد في قيودي . قال : فصار في رجله أربعة أقياد . قال أبي : فلما كان اليوم الثالث دخل علي أحد الرجلين فناظرني ، فقلت له : ما تقول في علم الله ؟ قال : علم الله مخلوق . فقلت له : كفرت . فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم : إن هذا رسول أمير المؤمنين . فقلت له : إن هذا قد كفر ، فلما كان في الليلة الرابعة وجه ، يعني المعتصم ببغا الذي كان يقال له الكبير ، إلى إسحاق ، فأمره بحملي إليه . فأدخلت على إسحاق فقال : يا أحمد ، إنها والله نفسك ، إنه لا يقتلك بالسيف . إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربا بعد ضرب ، وأن يقتلك في موضع لا يرى فيه شمس ولا قمر . أليس قد قال الله عز وجل : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [ الزخرف 3 ] ، أفيكون مجعولا إلا مخلوقا ؟ فقلت : قد قال الله تعالى : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [ الفيل ] أفخلقهم ؟ قال : فسكت فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت وجيء بدابة ، فحملت عليها وعلي الأقياد ، ما معي أحد يمسكني . فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود فجيء بي إلى دار المعتصم ، فأدخلت حجرة ، وأدخلت إلى بيت ، وأقفل الباب علي ، وذلك في جوف الليل ، وليس في البيت سراج . فأردت أن أتمسح للصلاة ، فمددت يدي ، فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع ، فتوضأت وصليت . فلما كان من الغد أخرجت تكتي من سراويلي ، وشددت بها الأقياد أحملها ، وعطفت سراويلي . فجاء رسول المعتصم فقال : أجب . فأخذ بيدي وأدخلني عليه ، والتكة في يدي أحمل بها الأقياد . وإذا هو جالس ، وابن أبي دؤاد حاضر ، وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه ، فقال لي ، يعني المعتصم : ادنه ، ادنه . فلم يزل يدنيني حتى قربت منه ، ثم قال لي : اجلس . فجلست وقد أثقلتني الأقياد ، فمكثت قليلا ثم قلت : أتأذن لي في الكلام ؟ فقال : تكلم . فقلت : إلى ما دعا الله ورسوله ؟ فسكت هنية ثم قال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله . فقلت : فأنا أشهد أن لا إله إلا الله . ثم قلت : إن جدك ابن عباس يقول : لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الإيمان فقال : أتدرون ما الإيمان ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن تعطوا الخمس من المغنم . قال أبي : قال - يعني المعتصم - لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك . ثم قال : يا عبد الرحمن بن إسحاق ، ألم آمرك برفع المحنة ؟ فقلت : الله أكبر إن في هذا لفرجا للمسلمين . ثم قال لهم : ناظروه ، كلموه ، يا عبد الرحمن كلمه . فقال لي عبد الرحمن : ما تقول في القرآن ؟ قلت له : ما تقول في علم الله ؟ فسكت . فقال لي بعضهم : أليس قال الله تعالى : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرعد 16 ] والقرآن أليس هو شيء ؟ فقلت : قال الله : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [ الأحقاف 25 ] فدمرت إلا ما أراد الله . فقال بعضهم : مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء 2 ] أفيكون محدث إلا مخلوقا ؟ فقلت : قال الله : ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ ص ] فالذكر هو القرآن . وتلك ليس فيها ألف ولام . وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين أن الله خلق الذكر . فقلت : هذا خطأ ، حدثنا غير واحد : إن الله كتب الذكر . واحتجوا بحديث ابن مسعود : ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي . فقلت : إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ، ولم يقع على القرآن . فقال بعضهم : حديث خباب : يا هنتاه ، تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه . قلت : هكذا هو . قال صالح بن أحمد : وجعل ابن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب ، قال أبي : وكان يتكلم هذا ، فأرد عليه ، ويتكلم هذا ، فأرد عليه ، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول : يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع ، فيقول : كلموه ، ناظروه ، فيكلمني هذا ، فأرد عليه ، ويكلمني هذا ، فأرد عليه ، فإذا انقطعوا يقول لي المعتصم : ويحك يا أحمد ما تقول ؟ فأقول : يا أمير المؤمنين ، أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به ، فيقول ابن أبي دؤاد : أنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله ؟ فقلت له : تأولت تأويلا ، فأنت أعلم ، وما تأولت ما يحبس عليه وما يقيد عليه . قال حنبل : قال أبو عبد الله : لقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه . أنكروا الآثار ، وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم ، وجعلوا يرغون ، يقول الخصم : كذا وكذا . فاحتججت عليهم بالقرآن بقوله : يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [ مريم ] فذم إبراهيم أباه بأن عبد ما لا يسمع ولا يبصر ، ولا يغني عنه شيئا ، فهذا منكر عندكم ؟ فقالوا : شبه يا أمير المؤمنين ، شبه يا أمير المؤمنين . وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي : حدثني بعض أصحابنا أن ابن أبي دؤاد أقبل على أحمد يكلمه فلم يلتفت إليه حتى قال المعتصم : يا أحمد ألا تُكلم أبا عبد الله ؟ فقال أحمد : لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه . وقال صالح بن أحمد: وجعل ابن أبي دؤاد يقول : يا أمير المؤمنين ، والله لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار ، ومائة ألف دينار ، فيعد من ذلك ما شاء الله أن يعد ، فقال المعتصم : والله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي ، ولأركبن إليه بجندي ، ولأطأن عقبه . ثم قال : يا أحمد ، والله إني عليك لشفيق ، وإني لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني . ما تقول ؟ فأقول : أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله . فلما طال المجلس ضجر ، وقال : قوموا . وحبسني ، يعني عنده ، وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني . وقال : ويحك أجبني . وقال : ما أعرفك ، ألم تكن تأتينا ؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحاق : يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والجهاد معك والحج . فيقول : والله إنه لعالم ، وإنه لفقيه ، وما يسوءني أن يكون معي يرد عني أهل الملل . ثم قال لي : ما كنت تعرف صالحا الرشيدي ؟ قلت : قد سمعت باسمه . قال : كان مؤدبي ، وكان في ذلك الموضع جالسا ، وأشار إلى ناحية من الدار ، فسألته عن القرآن فخالفني ، فأمرت به فوطئ وسحب .ثم قال : يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي . قلت : أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله . فطال المجلس وقام ، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه ، فلما كان بعد المغرب وجه إلي رجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد يبيتان عندي ويناظراني ويقيمان معي ، حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام ، ويجتهدان بي أن أفطر ، فلا أفعل . ووجه إلي المعتصم ابن أبي دؤاد في بعض الليل فقال : يقول لك أمير المؤمنين : ما تقول ؟ فأرد عليه نحوا مما كنت أرد . فقال ابن أبي دؤاد : والله لقد كتب اسمك في السبعة ، يحيى بن معين ، وغيره ، فمحوته . ولقد ساءني أخذهم إياك . ثم يقول : إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب ، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس ، ويقول : إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي . وانصرفت ، فلما أصبح جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه ، فقال لهم : ناظروه وكلموه ، فجعلوا يناظروني ، فأرد عليهم ، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت : ما أدري ما هذا ، قال : يقولون : يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا ثبت . وإذا كلمناه بشيء يقول : لا أدري ما هذا . فقال : ناظروه . فقال رجل : يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله . قلت : ما تقول في يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ [ النساء 11 ] ؟ قال : خص الله بها المؤمنين . قلت : ما تقول : إن كان قاتلا أو عبدا ؟ فسكت . وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن ، وحيث قال لي : أراك تنتحل الحديث احتججت بالقرآن . فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال فلما ضجر قال لهم : قوموا ؛ وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق . فلم يزل يكلمني . ثم قال أبي : فقام ودخل ، ورددت إلى الموضع . قال : فلما كان في الليلة الثالثة قلت : خليق أن يحدث غدا من أمري شيء ، فقلت لبعض من كان معي الموكل بي : ارتد لي خيطا . فجاءني بخيط ، فشددت به الأقياد ، ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى . فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إلي ، فأدخلت ، فإذا الدار غاصة ، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع ، وقوم معهم السيوف ، وقوم معهم السياط ، وغير ذلك . ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء . فلما انتهيت إليه قال : اقعد . ثم قال : ناظروه ، كلموه . فجعلوا يناظروني ، ويتكلم هذا فأرد عليه ، ويتكلم هذا فأرد عليه ، وجعل صوتي يعلو أصواتهم ، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده ، فلما طال المجلس نحاني ، ثم خلا بهم . ثم نحاهم وردني إلى عنده فقال : ويحك يا أحمد ، أجبني حتى أطلق عنك بيدي . فرددت عليه نحوا مما كنت أرد ، فقال لي : عليك ، وذكر اللعن . وقال : خذوه واسحبوه وخلعوه . قال : فسحبت ثم خلعت . قال : وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم في كم قميصي ، فوجه إلي إسحاق بن إبراهيم : ما هذا المصرور في كم قميصك ؟ قلت : شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه علي ، فقال لهم ، يعني المعتصم : لا تخرقوه . فنزع القميص عني . قال : فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه . قال : وجلس على كرسي ؛ يعني المعتصم ، ثم قال : العقابين والسياط . فجيء بالعقابين ، فمدت يداي ، فقال بعض من حضر خلفي : خذ ناتئ الخشبتين بيديك وشد عليهما . فلم أفهم ما قال ، فتخلعت يداي . وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي : ذكروا أن المعتصم لان في أمر أحمد لما علق في العقابين ، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره ، حتى أغراه ابن أبي دؤاد وقال له : إن تركته قيل : إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله . فهاجه ذلك على ضربه . قال صالح : قال أبي : لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال : ائتوني بغيرها . ثم قال للجلادين : تقدموا . فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين ، فيقول : شد ، قطع الله يدك ، ثم يتنحى ، ويتقدم الآخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك : شد ، قطع الله يدك ، فلما ضربت تسعة عشر سوطا قام إلي ، يعني المعتصم ، فقال : يا أحمد ، علام تقتل نفسك ؟ إني والله عليك لشفيق . قال : فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال : أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم ، وجعل بعضهم يقول : ويلك ، الخليفة على رأسك قائم . وقال بعضهم : يا أمير المؤمنين دمه في عنقي ، اقتله . وجعلوا يقولون : يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم . فقال لي : ويحك يا أحمد ما تقول ؟ فأقول : أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول به . فرجع وجلس ، وقال للجلاد : تقدم وأوجع ، قطع الله يدك ، ثم قام الثانية فجعل يقول : ويحك يا أحمد أجبني . فجعلوا يقبلون علي ويقولون : يا أحمد إمامك على رأسك قائم . وجعل عبد الرحمن يقول : من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع ؟ وجعل المعتصم يقول : ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي . فقلت : يا أمير المؤمنين ، أعطوني شيئا من كتاب الله فرجع . وقال للجلادين : تقدموا ، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى ، وهو في خلال ذلك يقول : شد ، قطع الله يدك . قال أبي : فذهب عقلي ، فأفقت بعد ذلك ، فإذا الأقياد قد أطلقت عني . فقال لي رجل ممن حضر : إنا كببناك على وجهك ، وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك . قال أبي : فما شعرت بذلك ، وأتوني بسويق فقالوا لي : اشرب وتقيأ . فقلت : لا أفطر . ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم ، فحضرت صلاة الظهر ، فتقدم ابن سماعة فصلى ، فلما انفتل من الصلاة قال لي : صليت والدم يسيل في ثوبك ؟! فقلت : قد صلى عمر وجرحه يثعب دما . قال صالح : ثم خلي عنه ، فصار إلى منزله . وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرا . ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال : يا ابن أخي ، رحمة الله على أبي عبد الله ، والله ما رأيت أحدا يشبهه . ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام : يا أبا عبد الله ، أنت صائم وأنت في موضع تقية . ولقد عطش ، فقال لصاحب الشراب : ناولني . فناوله قدحا فيه ماء وثلج ، فأخذه ونظر إليه هنية ثم رده ولم يشرب ، فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول . قال صالح : كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاما أو رغيفا في تلك الأيام ، فلم أقدر . وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه ، فما لحن في كلمة . قال : وما ظننت أن أحدا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه . وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : ذهب عقلي مرارا ، فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلى نفسي . وإذا استرخيت وسقطت رفع الضرب . أصابني ذلك مرارا ، ورأيته ، يعني المعتصم ، قاعدا في الشمس بغير مظلة ، فسمعته وقد أفقت يقول لابن أبي دؤاد : لقد ارتكبت في أمر هذا الرجل . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه والله كافر مشرك ، قد أشرك من غير وجه . فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد . وقد كان أراد تخليتي بغير ضرب ، فلم يدعه ولا إسحاق بن إبراهيم ، وعزم حينئذ على ضربي . قال حنبل : وبلغني أن المعتصم قال لابن أبي دؤاد بعدما ضرب أبو عبد الله : كم ضرب ؟ فقال ابن أبي دؤاد : نيف وثلاثين أو أربعة وثلاثين سوطا . وقال أبو عبد الله : قال لي إنسان ممن كان : ثم ألقينا على صدرك بارية ، وأكببناك على وجهك ودسناك . قال أبو الفضل عبيد الله الزهري : قال المروذي : قلت وأحمد بين الهنبازين : يا أستاذ ، قال الله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء 29 ]. قال : يا مروذي ، اخرج انظر ، فخرجت إلى رحبة دار الخليفة ، فرأيت خلقا لا يحصيهم إلا الله ، والصحف في أيديهم ، والأقلام والمحابر . فقال لهم المروذي : أي شيء تعملون ؟ قالوا : ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه . فدخل إلى أحمد فأخبره ، فقال : يا مروذي أضل هؤلاء كلهم ؟ قلت : هذه حكاية منقطعة لا تصح . قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي ، قال : لما حمل أحمد ليضرب جاءوا إلى بشر بن الحارث فقالوا : قد حمل أحمد بن حنبل وحملت السياط ، وقد وجب عليك أن تتكلم . فقال : تريدون مني مقام الأنبياء ؟ ليس ذا عندي . حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه . وقال الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي : حدثني داود بن عرفة ، قال : حدثنا ميمون بن الأصبغ ، قال : كنت ببغداد ، فسمعت ضجة ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : أحمد يمتحن . فأخذت مالا له خطر ، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس ، فأدخلوني ، فإذا بالسيوف قد جردت ، وبالرماح قد ركزت ، وبالتراس قد صففت ، وبالسياط قد طرحت ، فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفا ، ووقفوني حيث أسمع الكلام . فأتى أمير المؤمنين ، فجلس على كرسي ، وأتي بأحمد بن حنبل ، فقال له : وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربنك بالسياط ، أو تقول كما أقول . ثم التفت إلى جلاد فقال : خذه إليك ، فأخذه ، فلما ضرب سوطا قال : بسم الله . فلما ضرب الثاني قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . فلما ضرب الثالث قال : القرآن كلام الله غير مخلوق . فلما ضرب الرابع قال : قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [ التوبة 51 ] . فضربه تسعة وعشرين سوطا . وكانت تكة أحمد حاشية ثوب ، فانقطعت ، فنزل السراويل إلى عانته ، فقلت : الساعة ينهتك . فرمى بطرفه إلى السماء ، وحرك شفتيه ، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل . فدخلت عليه بعد سبعة أيام ، فقلت : يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك ، فرفعت طرفك نحو السماء ، فما قلت ؟ قال : قلت : اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب ، فلا تهتك لي سترا . وقال جعفر بن أحمد بن فارس الأصبهاني : حدثنا أحمد بن أبي عبيد الله قال : قال أحمد بن الفرج : حضرت أحمد بن حنبل لما ضرب ، فتقدم أبو الدن فضربه بضعة عشر سوطا ، فأقبل الدم من أكتافه ، وكان عليه سراويل ، فانقطع خيطه ، فنزل السراويل ، فلحظته وقد حرك شفتيه ، فعاد السراويل كما كان ، فسألته عن ذلك فقال : قلت : إلهي وسيدي ، وقفتني هذا الموقف ، فتهتكني على رؤوس الخلائق ! هذه حكاية لا تصح . ولقد ساق فيها أبو نعيم الحافظ من الخرافات والكذب ما يستحى من ذكره . وأضعف منها ما رواه أبو نعيم في الحلية : حدثنا الحسين بن محمد ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القاضي قال : حدثني أبو عبد الله الجوهري قال : حدثني يوسف بن يعقوب قال : سمعت علي بن محمد القرشي قال : لما قدم أحمد ليضرب وجرد وبقي في سراويله ، فبينا هو يضرب انحل سراويله ، فجعل يحرك شفتيه بشيء ، فرأيت يدين خرجتا من تحته وهو يضرب ، فشدتا السراويل . فلما فرغوا من الضرب قلنا له : ما كنت تقول ؟ قال : قلت : يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلا هو ، إن كنت على الحق فلا تبد عورتي . قلت : هذه مكذوبة ذكرتها للمعرفة . ذكرها البيهقي ، وما جسر على تضعيفها . ثم روى بعدها حكاية في المحنة ، عن أبي مسعود البجلي إجازة ، عن ابن جهضم ، وهو كذوب ، عن النجاد ، عن ابن أبي العوام الرياحي ، فيها من الركاكة والخبط ما لا يروج إلا على الجهال . وفيها أن مئزره اضطرب ، فحرك شفتيه ، فما استتم الدعاء حتى رأيت كفا من ذهب قد خرج من تحت مئزره بقدرة الله ، فصاحت العامة . وقال محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة : سمعت شاباص التائب يقول : لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا ، لو ضربته فيلا لهدته . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال : قال إبراهيم بن الحارث العبادي : قال أبو محمد الطفاوي لأحمد : يا أبا عبد الله ، أخبرني عما صنعوا بك ، قال : لما ضربت جاء ذاك الطويل اللحية ، يعني عجيفا ، فضربني بقائم سيفه فقلت : جاء الفرج يضرب عنقي وأستريح . فقال ابن سماعة : يا أمير المؤمنين اضرب عنقه ، ودمه في رقبتي . قال ابن أبي دؤاد : لا يا أمير المؤمنين ، لا تفعل ، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس : صبر حتى قتل ، واتخذوه إماما ، وثبتوا على ما هم عليه . ولكن أطلقه الساعة ، فإن مات خارجا من منزلك شك الناس في أمره . قال ابن أبي حاتم : وسمعت أبا زرعة يقول : دعا المعتصم بعم أحمد بن حنبل ثم قال للناس : تعرفونه ؟ قالوا : نعم ، هو أحمد بن حنبل . قال : فانظروا إليه أليس هو صحيح البدن ؟ قالوا : نعم . ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شيء لا يقام له ، قال : فلما قال : قد سلمته إليكم صحيح البدن . هدأ الناس وسكنوا . قال صالح : صار أبي إلى المنزل ووجه إليه من السحر من يبصر الضرب والجراحات ويعالج منها . فنظر إليه فقال لنا : والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط ، ما رأيت ضربا أشد من هذا . لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه ، ثم أدخل ميلا في بعض تلك الجراحات وقال : لم ينقب . فجعل يأتيه ويعالجه ، وكان قد أصاب وجهه غير ضربة ؛ ثم مكث يعالجه ما شاء الله . ثم قال : إن هاهنا شيئا أريد أن أقطعه . فجاء بحديدة ، فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين ، وهو صابر يحمد الله ، فبرأ . ولم يزل يتوجع من مواضع منه . وكان أثر الضرب بينا في ظهره إلى أن توفي . وسمعت أبي يقول : والله لقد أعطيت المجهود من نفسي ، ووددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي . ودخلت على أبي يوما فقلت له : بلغني أن رجلا جاء إلى فضل الأنماطي فقال له : اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك . فقال فضل : لا جعلت أحدا في حل ، فتبسم أبي وسكت . فلما كان بعد أيام قال : مررت بهذه الآية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشورى 40 ] فنظرت في تفسيرها ، فإذا هو ما حدثني أبو النضر قال : حدثنا ابن فضالة المبارك ، قال : حدثني من سمع الحسن يقول : إذا جثت الأمم بين يدي الله رب العالمين نودوا : ليقم من أجره على الله . فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا ، قال أبي : فجعلت الميت في حل من ضربه إياي . ثم جعل يقول : وما على رجل ألا يعذب الله بسببه أحدا . وقال حنبل بن إسحاق : لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبد الله خلع عليه مبطنة وقميصا وطيلسانا وخفا وقلنسوة ، فبينا نحن على باب الدار والناس في الميدان والدروب وغيرها ، وأغلقت الأسواق ، إذ خرج أبو عبد الله على دابة من دار أبي إسحاق المعتصم ، وعليه تلك الثياب ، وابن أبي دؤاد عن يمينه ، وإسحاق بن إبراهيم ، يعني نائب بغداد ، عن يساره ، فلما صار في دهليز المعتصم قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي دؤاد : اكشفوا رأسه . فكشفوه ، يعني من الطيلسان ، وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس . فقال لهم إسحاق : خذوا به هاهنا ، يريد دجلة . فذهب به إلى الزورق ، وحمل إلى دار إسحاق ، وأقام عنده إلى أن صليت الظهر . وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومشايخ المحال ، فجمعوا وأدخلوا عليه ، فقال لهم : هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه ، وإلا فليعرفه . وقال ابن سماعة حين دخل الجماعة : هذا أحمد بن حنبل ، فإن أمير المؤمنين ناظره في أمره ، وقد خلى سبيله ، وها هو ذا . فأخرج على دابة لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس ، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس ، وهو منحنٍ . فلما ذهب لينزل احتضنته ولم أعلم ، فوقعت يدي على موضع الضرب فصاح ، فنحيت يدي ، فنزل متوكئا علي ، وأغلق الباب ودخلنا معه ، ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر يتحرك إلا بجهد ، وخلع ما كان خلع عليه ، فأمر به فبيع ، وأخذ ثمنه وتصدق به . وكان المعتصم أمر إسحاق بن إبراهيم أن لا يقطع عنه خبره ، وذلك أنه ترك فيما حكي لنا عند الإياس منه . وبلغنا أن المعتصم ندم وأسقط في يده حتى صلح . فكان صاحب خبر إسحاق يأتينا كل يوم يتعرف خبره حتى صح ، وبقيت إبهاماه منخلعتين يضربان عليه في البرد حتى يسخن له الماء . ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد سما إلى المعالج ، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا . وسمعته يقول : كل من ذكرني في حل إلا مبتدع . وقد جعلت أبا إسحاق ، يعني المعتصم ، في حل . ورأيت الله تعالى يقول : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [ النور 22 ] وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح . قال أبو عبد الله : العفو أفضل ، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سببك .

**المصدر**: تاريخ الإسلام

## روابط ذات صلة

- [الكتاب المصدر](https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57.md)

---

**المصدر الرسمي**: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/631280

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة
