الحارث بن أسد المحاسبي
الحارث بن أسد المحاسبي ، أبو عبد الله البغدادي الصوفي الزاهد ، العارف ، صاحب المصنفات في أحوال القوم . روى عن يزيد بن هارون ، وغيره . وعنه أبو العباس بن مسروق ، وأحمد بن القاسم أخو أبي الليث ، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ، والجنيد ، وإسماعيل بن إسحاق السراج ، وأبو علي ابن خيران الفقيه واسمه حسين .
قال الخطيب : وله كتب كثيرة في الزهد ، وأصول الديانة ، والرد على المعتزلة والرافضة . قال الجنيد : مات والد الحارث المحاسبي يوم مات ، وإن الحارث لمحتاج إلى دانق ، وخلف مالا كثيرا ، فما أخذ منه الحارث حبة ، وقال : أهل ملتين لا يتوارثان . وكان أبوه واقفيا ، يعني يقف في القرآن لا يقول : مخلوق ، ولا غير مخلوق .
وقال أبو الحسن بن مقسم : سمعت أبا علي بن خيران الفقيه يقول : رأيت الحارث بن أسد بباب الطاق متعلقا بأبيه ، والناس قد اجتمعوا عليه يقول له : طلق أمي ، فإنك على دين وهي على غيره . وقال أبو نعيم : أنبأنا الخلدي قال : سمعت الجنيد يقول : كان الحارث يجيء إلى منزلنا فيقول : اخرج معنا نصحر . فأقول : تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات ؟ فيقول : اخرج معي ولا خوف عليك .
فأخرج معه . فكأن الطريق فارغ من كل شيء ، لا نرى شيئا نكرهه . فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه يقول : سلني .
فأقول : ما عندي سؤال . ثم تنثال علي السؤالات ، فأسأله فيجيبني للوقت ، ثم يمضي فيعملها كتبا . وكان يقول لي : كم تقول : عزلتي أنسي ، لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنسا ، ولو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم .
واجتاز بي الحارث يوما ، وكان كثير الضر ، فرأيت على وجهه زيادة الضر من الجوع . فقلت : يا عم ، لو دخلت إلينا ؟ قال : أو تفعل ؟ قلت : نعم ، وتسرني بذلك . فدخلت بين يديه ، وعمدت إلى بيت عمي ، وكان لا يخلو من أطعمة فاخرة ، فجئت بأنواع من الطعام ، فأخذ لقمة ، فرأيته يلوكها ولا يزدردها .
فوثب وخرج وما كلمني . فلما كان من الغد لقيته فقلت : يا عم ، سررتني ، ثم نغصت علي . قال : يا بني أما الفاقة فكانت شديدة ، وقد اجتهدت في أن أنال من الطعام ، ولكن بيني وبين الله علامة ، إذا لم يكن الطعام مرضيا ارتفع إلى أنفي منه زفورة ، فلم تقبله نفسي ؛ فقد رميت تلك اللقمة في دهليزكم .
وقال ابن مسروق : قال حارث المحاسبي : لكل شيء جوهر ، وجوهر الإنسان العقل ، وجوهر العقل التوفيق . قال : وسمعت الحارث يقول : ثلاثة أشياء عزيزة : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن الخلق مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الأمانة . ومن كلامه : ترك الدنيا مع ذكرها صفة الزاهدين .
وتركها مع نسيانها صفة العارفين . وقد كان الحارث كبير الشأن قليل المثل ، لكنه دخل في شيء يسير من الكلام ، فنقموه عليه . قال أحمد بن إسحاق الصبغي الفقيه : سمعت إسماعيل بن إسحاق السراج يقول : قال لي أحمد بن حنبل : يبلغني أن الحارث هذا يكثر الكون عندك ، فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني ، فأسمع كلامه .
فقصدت الحارث ، وسألته أن يحضرنا تلك الليلة ، وأن يحضر أصحابه . فقال : فيهم كثرة ، فلا تزدهم على الكسب والتمر . فأتيت أبا عبد الله فأعلمته ، فحضر إلى غرفة واجتهد في ورده ، وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا ، ثم صلوا العتمة ، ولم يصلوا بعدها ، وقعدوا بين يدي الحارث لا ينطقون إلى قريب نصف الليل .
ثم ابتدأ رجل منهم فسأل عن مسألة ، فأخذ الحارث في الكلام ، وأصحابه يستمعون وكأن على رؤوسهم الطير ، فمنهم من يبكي ، ومنهم من يحن ، ومنهم من يزعق ، وهو في كلامه . فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله ، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه ، فانصرفت إليهم . ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا وذهبوا ، فصعدت إلى أبي عبد الله وهو متغير الحال ، فقلت : كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله ؟ فقال : ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم ، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل ، ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم .
ثم قام وخرج . رواها أبو عبد الله الحاكم ، عن الصبغي . وقال سعيد بن عمرو البردعي : شهدت أبا زرعة ، وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه ، فقال : إياك وهذه الكتب ، هذه كتب بدع وضلالات .
عليك بالأثر ، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب . قيل له : في هذه الكتب عبرة . قال : من لم يكن له في كتاب الله عبرة ، فليس له في هذه الكتب عبرة .
بلغكم أن مالكا ، والثوري ، والأوزاعي ، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس ؟ ! ما أسرع الناس للبدع ! وقال أبو سعيد ابن الأعرابي في طبقات النساك : كان الحارث قد كتب الحديث وتفقه ، وعرف مذاهب النساك وآثارهم وأخبارهم . وكان من العلم بموضع ، لولا أنه تكلم في مسألة اللفظ ومسألة الإيمان . صحبه جماعة ، وكان الحسن المسوحي من أسنهم .
وقال أبو القاسم النصرآباذي : بلغني أن الحارث تكلم في شيء من الكلام ، فهجره أحمد بن حنبل ، فاختفى في دار ببغداد ومات فيها . ولم يصل عليه إلا أربعة نفر . ومات سنة ثلاث وأربعين .
قال الحسين بن عبد الله الخرقي : سألت المروذي عن ما أنكر أبو عبد الله على المحاسبي فقال : قلت لأبي عبد الله : قد خرج المحاسبي إلى الكوفة فكتب الحديث وقال : أنا أتوب من جميع ما أنكر علي أبو عبد الله . فقال : ليس لحارث توبة . يشهدون عليه بالشيء ويجحد ؛ إنما التوبة لمن اعترف .
فأما من شهد عليه وجحد فليس له توبة . ثم قال : احذروا حارث ما الآفة إلا بحارث . فقلت : إن أبا بكر بن حماد قال لي : إن الحارث مر به ومعه أبو حفص الخصاف .
قال : فقلت له : يا أبا عبد الله ، تقول : إن كلام الله بصوت . فقال لأبي حفص : أجبه . فقال أبو حفص : متى قلت بصوت احتجت أن تقول بكذا وكذا .
فقلت للحارث : أيش تقول أنت ؟ قال : قد أجابك أبو حفص . فقال : أبو عبد الله أحمد بن حنبل : أنا من اليوم أحذر عن حارث ؛ حدثني المحاربي ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء . قلت : وبعد هذا فرحم الله الحارث ، وأين مثل الحارث ؟