الحسين بن علي بن يزيد
الحسين بن علي بن يزيد ، أبو علي الكرابيسي البغدادي الفقيه . سمع إسحاق الأزرق ، ومعن بن عيسى ، ويعقوب بن إبراهيم ، والشافعي وتفقه به ، ويزيد بن هارون . وعنه عبيد بن محمد بن خلف البزاز ، ومحمد بن علي فستقة .
وكان فقيها فصيحا ذكيا صاحب تصانيف في الفقه والأصول تدل على تبحره . قال الخطيب أبو بكر : حديث الكرابيسي يعز جدا ؛ وذلك أن أحمد بن حنبل كان يتكلم فيه بسبب مسألة اللفظ . وكان هو أيضا يتكلم في أحمد ، فتجنب الناس الأخذ عنه لهذا السبب .
ولما بلغ يحيى بن معين أنه يتكلم في أحمد قال : ما أحوجه إلى أن يضرب ، ثم لعنه . قال أبو الطيب الماوردي ، فيما رواه أبو بكر بن شاذان ، عن عبد الله بن إسماعيل بن برهان عنه ، قال : جاء رجل إلى الحسين الكرابيسي فقال : ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام الله غير مخلوق . قال الرجل : فما تقول في لفظي بالقرآن ؟ قال حسين : لفظك به مخلوق .
فمضى الرجل إلى أحمد بن حنبل فعرفه ذلك ، فأنكره ، وقال : هذه بدعة . فرجع إلى حسين فعرفه إنكار أبي عبد الله ، فقال له حسين : تلفظك بالقرآن غير مخلوق . فرجع إلى أحمد فعرفه رجوع حسين ، وأنه قال : تلفظك بالقرآن غير مخلوق .
فأنكر أحمد ذلك أيضا ، وقال : هذا أيضا بدعة . فرجع إلى حسين فعرفه إنكار أبي عبد الله أيضا فقال : إيش نعمل بهذا الصبي ؟ إن قلنا : مخلوق ، قال : بدعة ، وإن قلنا : غير مخلوق ، قال : بدعة ؟ فبلغ ذلك أبا عبد الله ، فغضب له أصحابه ، فتكلموا في حسين الكرابيسي . وقال الفضل بن زياد : سألت أبا عبد الله ، عن الكرابيسي ، وما أظهر ، فكلح وجهه ثم أطرق ، ثم قال : هذا قد أظهر رأي جهم .
قال الله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فممن يسمع ؟ إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها . تركوا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأقبلوا على هذه الكتب . وقال ابن عدي : سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لهم ، يعني التلامذة : اعتبروا بهذين : حسين الكرابيسي ، وأبو ثور .
فالحسين في علمه وحفظه ، وأبو ثور لا يعشره في علمه ، فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب اللفظ فسقط ، وأثنى على أبي ثور ، فارتفع للزومه السنة . توفي سنة ثمان ، وقيل : سنة خمس وأربعين . ثم قال الحسين الخرقي : سألت أبا بكر المروذي ، عن قصة الكرابيسي ، فقال : كان أول ما أنكر أبو عبد الله أحمد بن حنبل عليه أنه بلغني أن حسن البزار ، وأبا نصر وغيره عزموا على أن يجيؤوا بكتاب المدلسين الذي وضعه الكرابيسي يطعن على الأعمش فيه وسليمان التيمي ، فمضيت إلى الكرابيسي في سنة أربع وثلاثين ، فقلت له : إن كتاب المدلسين يريد قوم أن يعرضوه على أبي عبد الله فأظهر أنك قد ندمت عليه ، فقال : إن أبا عبد الله رجل صالح يوفق مثله لإصابة الحق ، قد رضيت أن يُعرض عليه فيعلم لم وضعته ، قد سألني أبو ثور أن أضرب على الكتاب فأبيت ، فقلت : بل أزيد فيه ، فجيء بالكتاب إلى أبي عبد الله ، وأبو عبد الله لا يعلم لمن هو فعلَّموا على المستبشعات من الكتاب وموضع فيه وضع على الأعمش ، وفيه : إن زعمتم أن الحسن بن صالح كان يرى السَّيف فهذا ابن الزبير قد خرج ، فقال أبو عبد الله : هذا أراد نصرة الحسن بن صالح فوضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جمع للروافض أحاديث في هذا الكتاب ، فقال له أبو نصر : إن فتياننا يختلفون إلى صاحب هذا الكتاب ، فقال : حذِّروا عنه ، ثم انكشف أمره فبلغ الكرابيسي ، فقال : لأقولن مقالة حتى يعمل أحمد بخلافها فيكفر ، فقال : لفظي بالقرآن مخلوق ، فقلت لأبي عبد الله : إن الكرابيسي يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات إلا أن لفظي بالقرآن مخلوق ، ومَنْ لم يقل : إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر ، فقال أبو عبد الله : بل هو الكافر ، قاتله الله ، وأي شيء قالت الجهمية إلا هذا ، قالوا : كلام الله ، ثم قالوا : مخلوق ، وما ينفعه ، وقد نقض كلامه الأخير كلامه الأول حين قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، ثم قال : ما كان الله ليدعه وهو يقصد إلى التابعين مثل الأعمش وغيره يتكلم فيهم .
مات بشر المريسي وخلفه حسين الكرابيسي .