حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

ذو النون المصري الزاهد

ذو النون المصري الزاهد ، رحمة الله عليه . اسمه ثوبان بن إبراهيم ، ويقال : الفيض بن أحمد ، ويقال : ابن إبراهيم أبو الفيض ، ويقال : أبو الفياض الإخميمي . وأبوه نوبي .

روى عن مالك ، والليث ، وابن لهيعة ، وفضيل بن عياض ، وسفيان بن عيينة ، وسلم الخواص ، وجماعة . وعنه أحمد بن صبيح الفيومي ، وربيعة بن محمد الطائي ، ورضوان بن محيميد ، ومقدام بن داود الرعيني ، والحسن بن مصعب النخعي ، والجنيد بن محمد ، وغيرهم . روى سليمان بن أحمد الملطي - وهو ضعيف - ، قال : حدثنا أبو قضاعة ربيعة بن محمد ، قال : حدثنا ثوبان بن إبراهيم ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، فذكر حديثا .

وقال محمد بن يوسف الكندي في كتاب الموالي من أهل مصر : ومنهم ذو النون بن إبراهيم الإخميمي مولى لقريش . وكان أبوه نوبيا . وقال الدارقطني : روى عن مالك أحاديث فيها نظر ، وكان واعظا .

وقال ابن يونس : كان عالما فصيحا حكيما ، أصله من النوبة . توفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين . وقال السلمي : حمل ذو النون إلى المتوكل على البريد من مصر ليعظه سنة أربع وأربعين ، وكان إذا ذكر بين يدي المتوكل أهل الورع بكى .

وقال يوسف بن أحمد البغدادي : كان أهل ناحيته يسمونه الزنديق ، فلما مات أظلت الطير جنازته ، فاحترموا بعد ذلك قبره . وقال أبو القاسم القشيري : كان رجلا نحيفا تعلوه حمرة ، ليس بأبيض اللحية . وقيل : كانت تعلوه صفرة .

وعن أيوب مؤدب ذي النون قال : أتى أصحاب المطالب ذا النون ، فخرج معهم إلى قفط وهو شاب ، فحفروا قبرا ، فوجدوا فيه لوحا فيه اسم الله الأعظم ، فأخذه ذو النون ، وسلم إليهم ما وجدوا . وقال يوسف بن الحسين الرازي : حضرت مجلس ذي النون فقيل : يا أبا الفيض ما كان سبب توبتك ؟ قال : أردت الخروج إلى قرى مصر فنمت في الصحراء ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء معلقة بمكان ، فسقطت من وكرها ، فانشقت الأرض ، فخرج منها سكرجتان ذهب وفضة ، في إحداهما سمسم ، وفي الأخرى ماء ، فأكلت وشربت . فقلت : حسبي ، قد تبت .

ولزمت الباب إلى أن قبلني . وفي كتاب المحن للسلمي: إن ذا النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية . أنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم ، وكان رئيس مصر ، وكان يذهب مذهب مالك ، ولذلك هجره علماء مصر ، حتى شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف .

وهجروه حتى رموه بالزندقة . قال : فدخل عليه أخوه فقال : إن أهل مصر يقولون : إنك زنديق . فأنشأ يقول : وما لي سوى الإطراق والصمت حيلة ووضعي كفي تحت خدي وتذكاري قال : وقال محمد بن يعقوب بن الفرخي : كنت مع ذي النون في الزورق ، فمر بنا زورق آخر ، فقيل لذي النون : إن هؤلاء يمرون إلى السلطان يشهدون عليك بالكفر .

فقال : اللهم إن كانوا كاذبين فغرقهم . فانقلب الزورق وغرقوا . فقلت له : أحسب أن هؤلاء قد مضوا يكذبون ، فما بال الملاح ؟ قال : لم حملهم وهو يعلم قصدهم .

ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور . ثم انتفض وتغير ، وقال : وعزتك لا أدعو على خلقك بعد هذا . ثم دعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم ، فرضي أمره ، وكتب به إلى المتوكل ، فأمر بإحضاره ، فحمل على البريد .

فلما سمع كلامه ولع به وأحبه وأكرمه ، حتى كان إذا ذكر الصلحاء يقول : إذا ذكر الصالحون فحي هلا بذي النون . وقال علي بن حاتم : سمعت ذا النون يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق . وقال يوسف بن الحسين : سمعت ذا النون يقول : مهما تصور في وهمك ، فالله بخلاف ذلك .

وقال : سمعت ذا النون يقول : الاستغفار اسم جامع لمعان كثيرة ، أولهن : الندم على ما مضى ، والثاني : العزم على ترك الرجوع ، والثالث : أداء كل فرض ضيعته فيما بينك وبين الله ، والرابع : رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها ، والخامس : إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام ، والسادس : إذاقة البدن ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية . وعن عمرو بن السرح قال : قلت لذي النون كيف خلصت من المتوكل وقد أمر بقتلك ؟ قال : لما أوصلني الغلام إلى الستر رفعه ثم قال لي : ادخل . فنظرت فإذا المتوكل في غلالة مكشوف الرأس ، وعبيد الله قائم على رأسه متكئ على السيف .

فعرفت في وجوه القوم الشر . ففتح لي باب ، فقلت في نفسي : يا من ليس في السموات قطرات ولا في البحار قطرات ، ولا في ديلج الرياح ديلجات ، ولا في الأرض خبيئات ، ولا في قلوب الخلائق خطرات إلا وهي عليك دليلات ، ولك شاهدات ، وبربوبيتك معترفات ، وفي قدرتك متحيرات . فبالقدرة التي تجير بها من في الأرضين والسماوات إلا صليت على محمد وآل محمد ، وأخذت قلبه عني .

فقام إلي المتوكل يخطو ، حتى اعتنقني ، ثم قال : أتعبناك يا أبا الفيض . إن تشأ تقيم عندنا فأقم ، وإن تشأ أن تنصرف فانصرف . فاخترت الانصراف .

وقال يوسف بن الحسين : حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل ، وكان مولعا به يفضله على العباد والزهاد ، فقال له يوما : يا أبا الفيض صف لي أولياء الله . قال : يا أمير المؤمنين ، هم قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته ، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته ، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته ، ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته ، ثم أخرجهم وقد أودع القلوب ذخائر الغيوب ، فهي معلقة بمواصلة المحبوب ، فقلوبهم إليه سائرة ، وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة . ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء ، وعرفهم منابت الأدواء ، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى ، وضمن لهم الإجابة عند الدعاء ، وقال : يا أوليائي إن أتاكم عليل من فرقي فداووه ، أو مريض من إرادتي فعالجوه ، أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه ، أو فارُّ مني فرغبوه ، أو خائف مني فأمنوه ، أو مستوصف نحوي فأرشدوه ، أو مسيء فعاتبوه .

أو استغاث بكم مستغيث فأغيثوه . في فصل طويل . ولذي النون ترجمة طويلة في تاريخ دمشق ، وأخرى في حلية الأولياء .

وما أحسن قوله : العارف لا يلتزم حالة واحدة ، ولكن يلتزم أمر ربه في الحالات كلها . قد تقدمت وفاته في سنة خمس . وكذا ورخه عبيد الله بن سعيد بن عفير .

وأما حيان بن أحمد السهمي فقال : مات بالجيزة وعدي به إلى مصر في مركب خوفا من زحمة الناس على الجسر لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ست وأربعين . وقال آخر : سنة ثمان وأربعين . والأول أصح .

وقد قارب التسعين أو جازها .

موقع حَـدِيث