محمد بن أسلم بن سالم الطوسي
محمد بن أسلم بن سالم الطوسي ، الإمام أبو الحسن الكندي ، أحد الأبدال والحفاظ . سمع بخراسان من طائفة ، وبالكوفة من محمد ، ويعلى ابني عبيد ، وجعفر بن عون ، ومحاضر بن المورع ، وعبيد الله بن موسى ، وطبقتهم ، وبالحجاز من مؤمل بن إسماعيل ، وأبي عبد الرحمن المقرئ ، وبواسط من يزيد بن هارون ، وبالبصرة من مسلم بن إبراهيم ، وطبقتهم . وعني بالأثر قولا وعملا ، وصنف المسند والأربعين ، وغير ذلك ، وأقدم شيوخه النضر بن شميل .
روى عنه إبراهيم بن هانئ ، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء ، وإبراهيم بن أبي طالب ، وابن خزيمة ، والحسين بن محمد القباني ، وأبو بكر بن أبي داود ، ومحمد بن وكيع الطوسي ، وآخرون . قال محمد بن يوسف البناء الأصبهاني الزاهد : أخبرنا محمد بن القاسم الطوسي خادم محمد بن أسلم : سمعت إسحاق بن راهويه يقول في حديث : إن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة ، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم . فقال رجل : يا أبا يعقوب ، من السواد الأعظم ؟ قال : محمد بن أسلم وأصحابه ، ومن تبعه .
لم أسمع عالما منذ خمسين سنة أشد تمسكا بالأثر منه . قال أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه : سمعت إبراهيم بن إسماعيل العنبري يقول : كنت بمصر وأنا أكتب بالليل كتب ابن وهب وذلك لخمس بقين من المحرم سنة اثنتين وأربعين ، فهتف بي هاتف : يا إبراهيم ، مات العبد الصالح محمد بن أسلم . قال : فتعجبت من ذلك ، وكتبته على ظهر كتابي ، فإذا به قد مات في تلك الساعة .
وقال محمد بن القاسم الطوسي : سمعت أبا يعقوب المروزي يقول ببغداد ، وقلت له : قد صحبت محمد بن أسلم ، وأحمد بن حنبل ، أي الرجلين كان عندك أرجح وأكبر ؟ قال : إذا ذكرت محمد بن أسلم في أربعة أشياء فلا تقرن به أحدا : البصر بالدين ، واتباع أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ، والزهد في الدنيا ، وفصاحة لسانه بالقرآن والنحو ، ثم قال لي : نظر أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية الذي وضعه محمد بن أسلم فتعجب منه ، ثم قال لي : يا أبا عبد الله ، إن عيناك مثل محمد ؟ فقلت : لا . قال محمد بن القاسم : سألت يحيى بن يحيى النيسابوري عن ست مسائل ، فأفتى فيها . وقد كنت سألت محمد بن أسلم ، فأفتى فيها بغير ذلك ، فاحتج فيها بالحديث .
فأخبرت يحيى بن يحيى فقال : يا بني ، أطيعوا أمره وخذوا بقوله ؛ فإنه أبصر منا ، ألا ترى أنه يحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في كل مسألة ، وليس ذاك عندنا . وقيل لأحمد بن نصر النيسابوري : صلى على محمد بن أسلم ألف ألف من الناس . وقال بعضهم : ألف ألف ومائة ألف .
وقال محمد بن القاسم : صحبته عشرين سنة وأكثر ، لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة . وسمعته غير مرة يحلف : لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت ؛ خوفا من الرياء . ثم حكى محمد بن القاسم فصلا طويلا في شمائل محمد بن أسلم ودينه وأخلاقه .
قال أبو إسحاق المزكي : سمعت ابن خزيمة يقول : عودا وبدءا إذا حدث عن محمد بن أسلم : حدثنا من لم تر عيناي مثله أبو الحسن . وكان زنجويه بن محمد إذا حدث عن محمد بن أسلم يقول : حدثنا محمد بن أسلم الزاهد الرباني . وقال محمد بن شاذان : سمعت محمد بن رافع يقول : دخلت على محمد بن أسلم ، فما شبهته إلا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال قبيصة : كان علقمة أشبه الناس بابن مسعود في هديه وسمته ، وكان إبراهيم النخعي أشبه الناس بعلقمة في ذلك ، وكان منصور يشبه بإبراهيم ، وكان سفيان الثوري يشبه بمنصور ، وكان وكيع يشبه بسفيان . قال أبو عبد الله الحاكم : وقام محمد بن أسلم مقام وكيع ، وأفضل من مقامه لزهده وورعه وتتبعه للأثر . وقال ابن خزيمة : حدثنا رباني هذه الأمة محمد بن أسلم .
وقال أحمد بن سلمة : سمعت محمد بن أسلم يقول : لما أدخلت على عبد الله بن طاهر ولم أسلم عليه بالإمرة غضب وقال : عمدتم إلى رجل من أهل القبلة فكفرتموه ، فقيل : قد كان ما أنهي إلى الأمير . فقال عبد الله : شراك نعلي عمر بن الخطاب خير منك ، وقد كان يرفع رأسه إلى السماء ، وقد بلغني أنك لا ترفع رأسك إلى السماء ، فقلت برأسي هكذا إلى السماء ساعة ، ثم قلت : ولم لا أرفع رأسي إلى السماء ؟ وهل أرجو الخير إلا ممن في السماء ؟ ولكني سمعت المؤمل بن إسماعيل يقول : سمعت سفيان الثوري يقول : النظر في وجوهكم معصية . فقال بيده هكذا يحبس ، فأقمنا وكنا أربعة عشر شيخا ، فحبست أربعة عشر شهرا ، ما اطلع الله على قلبي أني أردت الخلاص من ذلك الحبس ، قلت : الله حبسني وهو يطلقني وليس لي إلى المخلوقين من حاجة .
فأخرجت وأدخلت عليه ، وفي رأسي عمامة كبيرة طويلة . فقال لي : ما تقول في السجود على كور العمامة . قلت : حدثنا خلاد بن يحيى ، عن عبد الله بن المحرر ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على كور العمامة .
فقال : هذا إسناد ضعيف . فقلت : يستعمل هذا حتى يجيء أقوى منه . ثم قلت : وعندي أقوى منه : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا شريك ، عن حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها .
هذا الدليل على السجود على كور العمامة . فقال : ورد كتاب أمير المؤمنين ينهى عن الجدل والخصومات ، فتقدم إلى أصحابك أن لا يعودوا . فقلت : نعم .
ثم خرجت من عنده . قال أحمد بن سلمة : فقلت له : أخبرني غير واحد أن جل أصحابنا صاروا إلى يحيى بن يحيى فكلموه أن يكتب إلى عبد الله بن طاهر في تخليتك ، فقال يحيى : لا أكاتب السلطان . وإن كتب على لساني لم أكره حتى يكون خلاصه ، فكتب بحضرته على لسانه ، فلما وصل الكتاب إلى عبد الله بن طاهر أمر بإخراجك وأصحابك .
قال : نعم . وعن بعضهم قال : كان محمد بن أسلم يشبه في وقته بابن المبارك . وكان محمد بن أسلم يدخل في بيت ، ثم إذا خرج غسل وجهه وكحل عينيه .
وكان يبعث إلى قوم بعطاء وكسوة في الليل ، ولا يعلمون من أين هي . وقال أحمد بن سلمة : سمعت أن محمد بن أسلم مرض في بيت رجل من أهل طوس بباب معمر ، فقال له : لا تفارقني الليلة ، فإن أمر الله يأتيني قبل أن أصبح . فإذا مت فلا تنتظر بي أحدا ، واغسلني للوقت وجهزني واحملني إلى مقابر المسلمين .
قال : فمات في نصف الليل ، فغسل وكفن وحمل وقت الصبح . فأتاهم صاحب الأمير طاهر بن عبد الله ، وأمرهم أن يحملوه إلى مقبرة الشاذياخ ليصلي عليه طاهر ، قال : فوضعت الجنازة والناس يؤذنون لصلاة الصبح ، وما نادى على جنازته أحد ، ولا روسل بوفاته أحد ، وإذا الخلق قد اجتمعوا بحيث لا يذكر مثله ، فتقدم طاهر للصلاة عليه ، ودفن بجنب إسحاق بن راهويه ، رحمة الله عليهما . قال محمد بن موسى الباشاني : مات لثلاث بقين من المحرم سنة اثنتين وأربعين .