يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن
ت : يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن ، قاضي القضاة أبو محمد التميمي المروزي ثم البغدادي . سمع الفضل بن موسى السيناني ، وجرير بن عبد الحميد ، وعبد العزيز بن أبي حازم ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن إدريس ، وابن المبارك ، وعبد العزيز الدراوردي ، وطائفة . وعنه الترمذي ، وأبو حاتم ، والبخاري ، وإسماعيل القاضي ، وأبو العباس السراج ، وإبراهيم بن محمد بن متويه ، وعبد الله بن محمود المروزي ، وجماعة .
وكان أحد الأئمة المجتهدين أولي التصانيف . قال أحمد بن حنبل : ما عرفت فيه بدعة . وقال الحاكم : من نظر في كتاب التنبيه ليحيى بن أكثم عرف تقدمه في العلوم .
وقال طلحة الشاهد : كان واسع العلم بالفقه ، كثير الأدب ، حسن المعارضة ، قائما لكل معضلة ، غلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعا ، مع براعة المأمون في العلم . وكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئا إلا بعد مطالعة يحيى . وقال الخطيب : ولاه المأمون القضاء ببغداد ، وهو من ولد أكثم بن صيفي التميمي .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : لما سمع يحيى بن أكثم ، من ابن المبارك ، وكان صغيرا ، صنع أبوه طعاما ودعا الناس ثم قال : اشهدوا أن هذا سمع من ابن المبارك وهو صغير . وقال أبو داود السنجي : سمعت يحيى بن أكثم يقول : كنت عند سفيان فقال : بليت بمجالستكم بعدما كنت أجالس من جالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أعظم مني مصيبة ؟ فقلت : يا أبا محمد ، الذين بقوا حتى جالسوك بعد مجالسة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة منك . وقال علي بن خشرم : أخبرني يحيى ، قال : صرت إلى حفص بن غياث ، فتعشينا عنده ، فأتي بعس فشرب منه ، ثم ناوله أبا بكر بن أبي شيبة ، فشرب منه ، فناوله أبو بكر يحيى بن أكثم ، فقال له : أيسكر كثيره ؟ قال : إي والله ، وقليله .
فلم يشرب . وقال أبو حازم القاضي : سمعت أبي يقول : ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة وله عشرون سنة ، فاستصغروه ، فقال أحدهم : كم سن القاضي ؟ قال : أنا أكبر من عتاب الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة ، وأكبر من معاذ الذي وجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا على اليمن ، وأكبر من كعب بن سور الذي وجه به عمر قاضيا على البصرة وبقي سنة لا يقبل بها شاهدا .فتقدم إليه أبي ، وكان أحد الأمناء ، فقال : أيها القاضي قد وقفت الأمور وتريثت . قال : وما السبب ؟ قال : في ترك القاضي قبول الشهود .
قال : فأجاز يومئذ شهادة سبعين نفسا . وقال الفضل بن محمد الشعراني : سمعت يحيى بن أكثم يقول : القرآن كلام الله ، فمن قال : مخلوق يستتاب ، فإن تاب ، وإلا ضربت عنقه . وعن يحيى بن أكثم قال : ما سررت بشيء سروري بقول المستلمي : من ذكرت رضي الله عنك ؟ وقد ذكر للإمام أحمد ما يرمى به يحيى بن أكثم ، فقال : سبحان الله ، من يقول هذا ؟! وقال الصولي : سمعت إسماعيل القاضي - وذكر يحيى بن أكثم - فعظم أمره ، وذكر له هذا اليوم ، يعني يوم قيامه في وجه المأمون لما أباح متعة النساء ، وما زال به حتى رده إلى الحق .
ونص له الحديث في تحريمها . فقال لإسماعيل رجل : فما كان يقال ؟ قال : معاذ الله أن تزول عدالة مثله بكذب باغ أو حاسد ، وكانت كتبه في الفقه أجل كتب ، تركها الناس لطولها . وقال أبو العيناء : سئل رجل من البلغاء عن يحيى بن أكثم ، وأحمد بن أبي دؤاد أيهما أنبل ؟ قال : كان أحمد يجد مع جاريته وابنته ، وكان يحيى يهزل مع عدوه وخصمه .
قلت : وقد ضعفوه في الحديث . قال أبو حاتم : فيه نظر . وقال جعفر بن أبي عثمان ، عن ابن معين : كان يكذب .
وقال إسحاق بن راهويه : ذاك الدجال يحدث عن ابن المبارك ؟! وقال علي بن الحسين بن الجنيد : كان يسرق الحديث . وقال صالح جزرة : حدث عن عبد الله بن إدريس بأحاديث لم يسمعها . وقال أبو الفتح الأزدي : روى عن الثقات عجائب .
وكان يحيى بن أكثم أعور . وقد وردت عنه حكايات في ميله إلى المرد . كان ميله إلى الملاح ونظره إليهم في حال الشبيبة والكهولة .
فلما شاخ أقبل على شأنه ، وبقيت الشناعة عليه استصحابا للحال . قال أبو العيناء : تولى يحيى بن أكثم وقف الأضراء فطالبوه ، ثم اجتمعوا فقال : ليس لكم عند أمير المؤمنين شيء . فقالوا : لا تفعل يا أبا سعيد .
فقال : الحبس الحبس . فحبسوا ، فلما كان الليل ضجوا ، فقال المأمون : ما هذا ؟ قيل : الإضراء . فقال له : لم حبستهم أعلى أن كنوك ؟ قال : بل حبستهم على التعريض بشيخ لائط في الخريبة .
وقال أبو بكر الخرائطي : حدثنا فضلك الرازي قال : مضيت أنا وداود الأصبهاني إلى يحيى بن أكثم ، ومعنا عشرة مسائل ، فأجاب في خمسة منها أحسن جواب . ودخل غلام مليح ، فلما رآه ، اضطرب ، فلم يقدر يجيء ولا يذهب في المسألة السادسة ، فقال داود : قم ، فإن الرجل قد اختلط . وقال أبو العيناء : كنا في مجلس أبي عاصم ، وكان أبو بكر بن يحيى بن أكثم حاضرا ، فنازع غلاما ، فقال أبو عاصم : مهيم .
قالوا : أبو بكر ينازع غلاما . فقال : إن يسرق فقد سرق أب له من قبل . وقد هجي يحيى بأبيات مفرقة أعرضت عنها .
قال الخطيب : لما استخلف المتوكل صير يحيى بن أكثم في مرتبة أحمد بن أبي دؤاد ، وخلع عليه خمس خلع . وقال نفطويه : لما عزل يحيى بن أكثم عن القضاء بجعفر بن عبد الواحد الهاشمي جاءه كاتبه ، فقال : سلم الديوان . فقال : شاهدان عدلان على أمير المؤمنين أنه أمرني بذلك .
فلم يلتفت ، وأخذ منه الديوان قهرا ، وغضب عليه المتوكل وأمر بقبض أملاكه ، ثم حول إلى بغداد ، وألزم بيته . قال الكوكبي : حدثنا أبو علي محرز بن أحمد الكاتب ، قال : حدثني محمد بن مسلم السعدي ، قال : دخلت على يحيى بن أكثم فقال : افتح هذا القمطر ، ففتحتها ، فإذا شيء قد خرج منها ، رأسه رأس إنسان ، ومن سرته إلى أسفله خلقة زاغ ، وفي ظهره سلعة ، وفي صدره سلعة ، فكبرت وهللت وفزعت ، ويحيى يضحك - فقال لي بلسان فصيح طلق : أنا الزاغ أبو عجوة أنا ابن الليث واللبوه أحب الراح والريحا ن والنشوة والقهوه فلا عربدتي تخشى ولا تحذر لي سطوه ثم قال لي : يا كهل ، أنشدني شعرا غزلا . فقال لي يحيى : قد أنشدك فأنشده .
فأنشدته : أغرك أن أذنبت ثم تتابعت ذنوب فلم أهجرك ثم أتوب وأكثرت حتى قلت ليس بصارمي وقد يصدم الإنسان وهو حبيب فصاح : زاغ زاغ زاغ . ثم طار ثم سقط في القمطر . فقلت : أعز الله القاضي ، وعاشق أيضا .
فضحك . فقلت : ما هذا ؟ قال : هو ما ترى . وجه به صاحب اليمن إلى أمير المؤمنين ، وما رآه بعد .
وقال سعيد بن عفير المصري : حدثنا يعقوب بن الحارث ، عن شبيب بن شيبة بن الحارث قال : قدمت الشحر على رئيسها ، فتذاكرنا النسناس . فقال : صيدوا لنا منها . فلما أن رحت إليه ، إذا بنسناس مع الأعوان ، فقال : أنا بالله وبك .
فقلت : خلوه . فخلوه ، فخرج يعدو . وإنما يرعون نبات الأرض .
فلما حضر الغداء قال : استعدوا للصيد ، فإنا خارجون . فلما كان السحر سمعنا قائلا يقول : أبا محمد ، إن الصبح قد أسفر ، والليل قد أدبر ، والقانص قد حضر فعليك بالوزر . فقال : كلي ولا تراعي .
فقال الغلمان : يا أبا محمد ، فهرب ، وله وجه كوجه الإنسان ، وشعرات بيض في ذقنه ، ومثل اليد في صدره ، ومثل الرجل بين وركيه . فألظ به كلبان وهو يقول : إنكما حين تجارياني ألفيتماني خضلا عناني لو بي شباب ما ملكتماني حتى تموتا أو تفارقاني قال : فأخذاه . قال : ويزعمون أنهم ذبحوا منها نسناسا ، فقال قائل منهم : سبحان الله ما أحمر دمه .
فقال نسناس من شجرة : كان يأكل السماق . فقالوا : نسناس خذوه . فأخذوه وقالوا : لو سكت ، ما علم به أحد .
فقال آخر من شجرة : أنا صميميت . فقالوا : نسناس خذوه . قال : فأخذوه ، قال : ومهرة يصطادونها يأكلونها .
قال : وكان بنو أميم بن لاوذ بن سام بن نوح قد سكنوا زنار أرض رمل كثيرة النخل ، ويسمع فيها حس الجن ، حتى كثروا ، فعصوا ، فعاقبهم الله وأهلكهم ، وبقي منهم بقايا للعرب يقع عليهم للرجل والمرأة منهم يد أو رجل في شق واحد ، يقال لهم : النسناس . قال السراج في تاريخه : مات يحيى بالربذة منصرفه من الحج ، يوم الجمعة نصف ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين . وقال ابن أخيه : بلغ ثلاثا وثمانين سنة .
ورؤي أنه غفر له وأدخل الجنة .