سنة ست وخمسين ومائتين
سنة ست وخمسين ومائتين توفي فيها : الربيع بن سليمان الجيزي ، والزبير بن بكار ، وعبد الله بن أحمد بن شبوية المروزي الحافظ ، وعبد الله بن محمد الزهري المخرمي ، وعلي بن المنذر الطريقي ، وأبو عبد الله البخاري ليلة عيد الفطر ، ومحمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ ، ومحمد بن عثمان بن كرامة ، والمهتدي بالله محمد ابن الواثق . وفي أولها قدم الأمير موسى بن بغا وعبى جيشه ميمنة وميسرة وشهروا السلاح ، ودخلوا سامراء مجمعين على قتل صالح بن وصيف بدم المعتز ، يقولون : قتل أمير المؤمنين المعتز ، وأخذ أموال أمه قبيحة وأموال الكتاب ، وصاحت العامة والغوغاء على ابن وصيف : يا فرعون قد جاءك موسى ، فطلب موسى من بغا الإذن على المهتدي بالله ، فلم يؤذن له ، فهجم بمن معه عليه وهو جالس في دار العدل ، فأقاموه وحملوه على فرس ضعيفة ، وانتهبوا القصر ، فلما وصلوا إلى دار ياجور أدخلوا المهتدي إليها وهو يقول له : يا موسى اتق الله ، ويحك ما تريد ؟ قال له : والله ما نريد إلا خيراً ، وحلف له : لا نالك سوء ، ثم حلفوه أن لا يمالئ صالح بن وصيف ، فحلف لهم ، فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحاً لكي يناظروه على أفعاله ، فاختفى ، ورد المهتدي بالله إلى داره ، ثم قتل صالح بن وصيف بعد شهر شر قتلة . وفي آخر المحرم ظهر كتاب ذكر أن سيما الشرابي ، زعم أن امرأة جاءت به ، وفيه نصيحة لأمير المؤمنين : وإن طلبتموني فأنا في مكان كذا ، فلما وقف عليه المهتدي طلبها في المكان فلم يوجد لها أثر ، فدعا موسى بن بغا وسليمان بن وهب ومفلحاً وباكباك ، وياجور ، ودفع الكتاب إلى سليمان فقال : أتعرف هذا الخط ؟ قال : نعم ، خط صالح بن وصيف ، ثم قرأه عليهم ، وفيه يذكر أنه مستخف بسامراء ، وأنه استتر خوفاً من الفتن ، وأن الأموال علمها عند الحسن بن مخلد ، وكان كتابه يدل على قوة نفسه ، فندب المهتدي إلى الصلح ، فاتهمه موسى وذووه بأنه يدري أين صالح ، فكان بينهم في هذا كلام ، ثم من الغد تكلموا في خلعه ، فقال باكباك : ويحكم ، قتلتم ابن المتوكل وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلم يصوم ويصلي ولا يشرب ؟ والله لئن فعلتم لأصيرن إلى خراسان ولأشيعن أمركم هناك .
ثم خرج المهتدي إلى مجلسه وعليه ثياب بيض ، متقلداً سيفاً ، ثم أمر بإدخالهم إليه ، فقال : قد بلغني شأنكم ، ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز ، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت ، وهذا سيفي ، والله لأضربن به ما استمسكت قائمته بيدي ، أما دين ! أما حياء ! أما رعة ! كم يكون الخلاف على الخلفاء والجرأة على الله ؟ ! ثم قال : ما أعلم علم صالح ، قالوا : فاحلف لنا ، قال : إذا كان يوم الجمعة ، وصليت الجمعة ، حلفت لكم ، فرضوا وانفصلوا على هذا . ثم ورد إذ ذاك مال من فارس نحو من عشرة آلاف ألف درهم ، فانتشر في العامة أن الأتراك على خلع المهتدي ، فثار العوام والقواد ، وكتبوا رقاعاً وألقوها في المساجد : يا معاشر المسلمين ، ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره الله على عدوه ، وراسل أهل الكرخ والدور المهتدي بالله في الوثوب بموسى بن بغا والأتراك ، فجزاهم خيراً ووعدهم بالخير . وفيها تحول الزنج فقربوا من البصرة ، وأخذوا مراكب كثيرة بأموالها ؛ فتهيأ سعيد الحاجب لحربهم .
وفي أول جماد الأولى رحل موسى بن بغا وباكباك إلى مساور الشاري وكانا ماكثين قريبا من الموصل ، وتقهقر مساور . وفي رجب ثار الجند يطلبون العطاء ، فلم يعطوا شيئا ، ووعدهم المهتدي ، وكان موسى وباكباك في طلب مساور . وكان المهتدي قد استمال باكباك وجماعة من الأتراك ، فكتب إلى باكباك أن يقتل موسى ومفلحاً أو يمسكهما ، ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم ، فأوقف باكباك موسى على كتابه وقال : إني لست أفرح بهذا ، وإنما هذا يعمل علينا كلنا ، فأجمعوا على أن يسير باكباك إلى سامراء ، فإن المهتدي يطمئن إليه ، لم يقتله .
فسار إلى سامراء ودخل على المهتدي فغضب وقال : أمرتك أن تقتل موسى ومفلحا فداهنت ، قال : كيف كنت أقدر عليهما وجيشهما أعظم من جيشي ، ولكن قد قدمت بجيشي ومن أطاعني لأنصرك عليهما ، فأمر المهتدي بأخذ سلاحه ، فقال : أذهب إلى منزلي وأعود ، فليس مثلي من يفعل به هذا ، فأخذ سلاحه وحبسه ، ولما أبطأ خبره على أصحابه قال لهم أحمد بن خاقان الحاجب : اطلبوا صاحبكم قبل أن يفرط به أمر ، فأحاطوا بالجوسق ، فقال المهتدي لصالح بن علي بن يعقوب بن المنصور : ما ترى ؟ فقال : قد كان أبو مسلم أعظم شأناً من هذا العبد ، وأنت أشجع من المنصور ، فاقتله . فأمر بضرب عنقه ، وألقى رأسه إليهم ، فجاشوا ، وأرسل المهتدي إلى الفراغنة والمغاربة والأشروسنية ، فجاؤوا واقتتلوا ، فقتل من الأتراك أربعة آلاف ، وقيل : ألفان ، وقيل : ألف ، في ثالث عشر رجب يوم السبت ، وحجز بينهم الليل ؛ ثم أصبحوا على القتال ومعهم أخو باكباك وحاجبه أحمد بن خاقان في زهاء عشرة آلاف . وخرج المهتدي بالله ومعه صالح بن علي والمصحف في عنقه ، وهو يقول : أيها الناس انصروا خليفتكم ، وحمل عليه طغوياً أخو باكباك في خمس مائة ، فمال الأتراك الذين مع الخليفة إلى طغويا ، والتحم الحرب ، فانهزم جمع الخليفة وكثر فيهم القتل ، فولى منهزماً والسيف في يده ، وهو ينادي : أيها الناس انصروا خليفتكم .
ثم دخل دار صالح بن محمد بن يزداد ، ورمى سلاحه ولبس البياض ليهرب من الأسطحة ، وجاء أحمد حاجب باكباك فأخبر به ، فتبعه ، فهرب ، فرماه بعضهم بسهم ونفجه بالسيف ، ثم حمل إلى أحمد ، فأركبوه بغلاً ، وركبوا خلفه سائساً ، وأتوا به إلى دار أحمد بن خاقان ، وجعلوا يضربونه ويقولون : أين الذهب . فأقر لهم بست مائة ألف دينار مودعة ببغداد ، أودعها الكرخي ، فأخذوا خطة إلى خشف الواضحية المغنية بست مائة ألف دينار ، ودفعوه إلى رجل ، فعصر على خصيتيه فمات ، وقيل : كانت به طعنة فحملوه على برذون ، وقيل : أرادوه بدار أحمد على الخلع ، فأبى واستسلم للقتل ، فقتلوه . وبايعوا أحمد ابن المتوكل ولقبوه المعتمد على الله ، وكنيته أبو العباس ، وقيل : أبو جعفر ، في سادس عشر رجب .
وقدم موسى بن بغا إلى سامراء بعد أربعة أيام ، وخمدت الفتنة ، وكان المعتمد محبوساً بالجوسق فأخرجوه . وقتل المهتدي مع باكباك أبا نصر محمد بن بغا أخا موسى . وضيق المعتمد على عيال المهتدي بالله ، ثم استعمل المعتمد أخاه الموفق طلحة على المشرق ، وصير ابنه جعفراً ولي عهده ، وولاه مصر والمغرب ، ولقبه المفوض إلى الله ، وانهمك المعتمد في اللهو واللذات ، واشتغل عن الرعية ، فكرهه الناس وأحبوا أخاه طلحة .
وفي العشرين من رجب دخلت الزنج البصرة ، فقتلوا وفتكوا ، وفعلوا بالأهواز والأبلة أكثر مما فعلوا بالبصرة . وفيها ظهر بالكوفة علي بن زيد الطالبي ، فبعث إليه المعتمد جيشاً هزمهم الطالبي . وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبي على الري ، فجهز إليه المعتمد موسى بن بغا ، وخرج معه مشيعاً له .
وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور أبي جعفر العباسي . وأما صالح بن وصيف ، فكان قد استطال على الخلفاء وقتل المعتز ، وأقام المهتدي ، وحكم عليه ، وذكرنا استتاره في أيام المهتدي ، قال : فنادى عليه موسى بن بغا : من جاء به فله عشرة آلاف دينار ، فلم يظفر به أحد ، فاتفق أن بعض الغلمان دخل زقاقاً وقت الحر ، فرأى باباً مفتوحاً فدخل ، فمشى في دهليز مظلم ، فرأى صالحاً نائماً ، فعرفه وليس عنده أحد ، فجاء إلى موسى فأخبره ، فبعث جماعة فأخذوه ، ثم ذهبوا به مكشوف الرأس إلى الجوسق ، فبادره بعض أصحاب مفلح ، فضربه من ورائه ، واحتزوا رأسه وطافوا به ، وتألم المهتدي في الباطن لقتله ، وقال : رحم الله صالحاً ، فلقد كان ناصحاً . وأما الصولي ، فقال : عذبوه في حمام كما فعل بالمعتز ، حتى أقر بالأموال ثم خنقوه .