أحمد المستعين بالله
أحمد المستعين بالله ، أبو العباس ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد هارون ابن المهدي ، أخو المتوكل على الله . ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين ، وبويع في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين عند موت المنتصر ابن المتوكل ، واستقام الأمر إلى أول سنة إحدى وخمسين ، فتنكر له الأتراك ، فخاف وانحدر من سامراء إلى بغداد ، فنزل على الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر بالجانب الغربي ، فاجتمع الأتراك بسامراء ، ثم وجهوا يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع ، فامتنع ، فقصدوا الحبس ، وأخرجوا المعتز بالله ، فبايعوه وخلعوا المستعين ، وبنوا أمرهم على شبهة ، وهي أن المتوكل بايع لابنه المعتز بعد المنتصر ، وأخرجوا من الحبس المؤيد بالله إبراهيم ابن المتوكل ولي العهد أيضاً بعد المعتز ، ثم جهز المعتز أخاه أبا أحمد لمحاربة المستعين في جيش كثيف ، فاستعد المستعين وابن طاهر للحصار ولبناء سور بغداد وتحصينها ، ونازلها أبو أحمد ، وتجرد أهل بغداد للقتال ، ونصبت المجانيق ، ووقع الجد ، واستفحل الشر ، ودام القتال أشهراً ، وكثر القتل ، وغلت الأسعار ببغداد ، وعظم البلاء ، وجهدهم الغلاء ، وصاحوا : الجوع ، وجرت بين الطائفتين عدة وقعات حتى قتل في بعض الأيام من جند المعتز ألفان ، وفي بعض الأيام ثلاث مائة وأكثر ، إلى أن ضعف أهل بغداد ، وذلوا من الجوع والجهد ، وقوي أمر أولئك ، فكاتب ابن طاهر المعتز سراً ، فانحل أمر المستعين ، وإنما كان قوام أمره بابن طاهر . وعلم أهل بغداد بالمكاتبة ، فصاحوا بابن طاهر وكاشفوه ، فانتقل المستعين من عنده إلى الرصافة ، ثم سعوا في الصلح على خلع المستعين ، وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة ، فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين ، وأشهد عليه القضاة وغيرهم ، وأحدر بعد خلعه إلى واسط تحت الحوطة ، فأقام بها تسعة أشهر محبوساً ، ثم رد إلى سامراء ، فقتل - رحمه الله - بقادسية سامراء في ثالث شوال من السنة .
وقيل : قتل ليومين بقيا من رمضان ، وله إحدى وثلاثون سنة وأيام ، بعث إليه المعتز سعيد بن صالح الحاجب ، فلما رآه المستعين تيقن التلف ، وبكى ، وقال : ذهبت والله نفسي ، فلما قرب منه سعيد أخذ يقنعه بسوطه ، ثم اتكاه فقعد على صدره وقطع رأسه . ومن حليته : كان مربوع القامة ، أحمر الوجه ، خفيف العارضين ، بمقدم رأسه طول ، وكان حسن الوجه والجسم ، بوجهه أثر جدري ، وكان يلثغ بالسين نحو الثاء ، وأمه أم ولد . وكان مسرفاً مبذراً للخزائن ، يفرق الجواهر والثياب والنفائس .
قال الصولي : بعث المعتز بالله أحمد بن طولون إلى واسط وأمره أن يقتل المستعين ، فقال : والله لا أقتل أولاد الخلفاء ، فندب له سعيد الحاجب فقتله ، كما ذكرنا ، وما متع المعتز ، بل خلع وقتل كما سيأتي . وكان المستعين استوزر أبا موسى أوتامش بإشارة شجاع بن القاسم الكاتب ، ثم قتلهما ، واستوزر أحمد بن صالح بن شيرزاد ، فلما قتل وصيف وبغا باغر التركي الذي فتك بالمتوكل تعصبت الموالي ، ولا أمر كان للمستعين مع وصيف وبغا . وكان أخبارياً فاضلاً أديباً .