محمد المعتز بالله
محمد المعتز بالله ، أمير المؤمنين أبو عبد الله . وقيل : اسمه الزبير ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد بالله هارون الهاشمي العباسي . ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه .
وكان أبيض جميلاً مشرباً بالحمرة ، حسن الجسم ، بديع الحسن . قال علي بن حرب الطائي ، وهو أحد شيوخ المعتز بالله في الحديث : دخلت على المعتز فما رأيت خليقة أحسن منه . وأمه أم ولد رومية .
بويع عند عزل المستعين سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، وهو ابن تسع عشرة سنة ، في أول السنة . فلما كان في رجب خلع أخاه المؤيد بالله من ولاية العهد ، وكتب بذلك إلى الآفاق . فلم يلبث المؤيد إلا أياماً حتى مات .
وخشي المعتز بالله أن يتحدث عنه أنه قتله أو احتال عليه ، فأحضر القضاة حتى شاهدوه وليس به أثر . فالله أعلم . وأما نفطويه فقال : كانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربعة عشر يوماً ، منها بعد خلع المستعين ثلاث سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً .
ومات عن أربع وعشرين سنة . وقال غيره : مات عن ثلاث وعشرين سنة . وكان المعتز بالله مستضعفاً مع الأتراك ، فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه وقالوا : يا أمير المؤمنين أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف .
وكان المعتز يخافه ، فطلب من أمه مالاً لينفقه فيهم ، فأبت عليه وشحت نفسها ، ولم يكن بقي في بيت الأموال شيء ، فاجتمع الأتراك حينئذ واتفقوا على خلعه ، ووافقهم صالح بن وصيف وباكباك ومحمد بن بغا ، فلبسوا السلاح وجاؤوا إلى دار الخلافة ، فبعثوا إلى المعتز أن اخرج إلينا ، فبعث يقول : قد شربت دواء وأنا ضعيف . فهجم عليه جماعة فجروا برجله وضربوه بالدبابيس ، وأقاموه في الشمس في يوم صائف ، فبقي المسكين يرفع قدماً ويضع أخرى ، وهم يلطمون وجهه ويقولون : اخلع نفسك . ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود ، وخلعوه .
ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة ، وهي يومئذ سامراء ، محمد ابن الواثق ، وكان المعتز قد أبعده إلى بغداد . فسلم المعتز إليه الخلافة وبايعه ، ولقبوه المهتدي بالله ، رحمه الله ، فلقد كان من خيار الخلائف ، ولكنه لم يتمكن أيضاً من الأمر . ثم إن الملأ أخذوا المعتز بالله بعد خمس ليال من خلعه ، فأدخلوه الحمام ، فلما تغسل عطش وطلب الماء ، فمنعوه حتى هلك وهو يطلب ماء .
ثم أخرج وهو ميت عطشاً ، فسقوه ماء بثلج ، فشربه وسقط ميتاً . وذلك في شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين