محمد بن كرام بن عراق بن حزابة بن البراء
محمد بن كرام بن عراق بن حزابة بن البراء . الشيخ أبو عبد الله السجستاني الضال المجسم ، شيخ الكراميين . حدث عن إبراهيم بن يوسف البلخي ، وعبد الله بن مالك بن سليمان الهروي ، وأحمد بن عبد الله الجويباري ، وجماعة .
وعنه محمد بن إسماعيل بن إسحاق ، وإبراهيم بن محمد بن سفيان ، وعبد الله القيراطي ، وإبراهيم بن حجاج النسابوريون . قال الحاكم : ولد بقرية من قرى زرنج بسجستان ، ثم دخل خراسان وأكثر الاختلاف إلى أحمد بن حرب الزاهد . سمع التفسير من علي بن إسحاق السمرقندي ، عن محمد بن مروان ، عن الكلبي .
وسمع ببلخ ، وهراة ، ونيسابور . قال : وأكثر عن أحمد الجويباري ، ومحمد بن تميم الفاريابي . ولو عرفهما لأمسك عن الرواية عنهما .
ولما ورد نيسابور بعد المجاورة بمكة خمس سنين وانصرف إلى سجستان ، وباع بها ما كان يملكه ، وجاء إلى نيسابور ، حبسه محمد بن عبد الله بن طاهر ، وطالت محنته ، فكان يغتسل كل يوم جمعة ، ويتأهب للخروج إلى الجامع ، ثم يقول للسجان : أتأذن لي في الخروج ؟ فيقول : لا . فيقول : اللهم إني بذلت مجهودي ، والمنع من غيري . قال : ولقد بلغني أنه كان معه جماعة من الفقراء ، وكان لباسه مسك ضأن مدبوغ غير مخيط ، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء .
وقد نصب له دكان من لبن . وكان يطرح له قطعة فرو فيجلس عليها ويعظ ويذكر ويحدث . قال : وقد أثنى عليه ، فيما بلغني ، ابن خزيمة ، واجتمع به غير مرة .
وكذلك أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسين الحاكم ، وهما إماما الفريقين . وحدثني محمد بن حمدون المذكر : قال : حدثنا أبو الفضل محمد بن الحسين الصفار ، قال : سمعت ابن كرام الزاهد يقول : خمسة أشياء من حياة القلب : الجوع ، وقراءة القرآن ، وقيام الليل ، والتضرع عند الصبح ، ومجالسة الصالحين . وقال عبد الله بن محمد بن سلم المقدسي : سمعت محمد بن كرام يقول : قدر فرعون أن يؤمن ولكن لم يؤمن .
قلت : هذا كلام يقوله المعتزلي والسني ، وكل واحد منهما يقصد به شيئاً . وعن يحيى بن معاذ الرازي قال : الفقر بساط الزهاد ، وابن كرام على بساط الزاهدين . وقال محمد بن الحسين الصفار : سمعت ابن كرام يقول : الخوف يمنع عن الذنوب ، والحزن يمنع عن الطعام ، والرجاء يقوي على الطاعة ، وذكر الموت يزهد في الفضول .
وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس الهروي : سمعت عثمان الدارمي يقول : حضرت مجلس أمير سجستان إبراهيم بن الحصين يوم أخرج محمد بن كرام من سجستان ، وحضر عثمان بن عفان السجستاني وأهل العلم ، فدعي محمد بن كرام ، فقال له الأمير : ما هذا العلم الذي جئت به ؟ ممن تعلمته ومن جالست ؟ قال : إلحام ألحمنيه الله تعالى ، بالحاء . فقال له : هل تحسن التشهد ؟ قال : نعم ، الطحيات لله ؛ بالطاء ، حتى بلغ إلى قوله : السلام عليك أيها النبي . فأشار إلى إبراهيم بن الحصين ، فقال له : قطع الله يدك .
وأمر به فصفع وأخرج . وقال ابن حبان : محمد بن كرام كان قد خذل حتى التقط من المذاهب أردأها ، ومن الأحاديث أوهاها . ثم جالس الجويباري ، ومحمد بن تميم السعدي ، ولعلهما قد وضعا على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مائة ألف حديث .
ثم جالس أحمد بن حرب ، فأخذ عنه التقشف . ولم يكن يحسن العلم ولا الأدب . وأكثر كتبه المصنفة صنفها له مأمون بن أحمد السلمي .
وحدثني محمد بن المنذر ، سمع عثمان بن سعيد الدارمي يقول : كنت عند إبراهيم بن الحصين ، إذ دخل علينا رجل طوال عليه رقاع ، فقيل : هذا ابن كرام . فقال له إبراهيم : هل اختلفت إلى أحد من العلماء ؟ قال : لا . قال : تأتي عثمان بن عفان السجستاني ؟ قال : لا .
قال : فهذا العلم الذي تقوله ، من أين لك ؟ قال : هذا نور جعله الله في بطني . قال : تحسن التشهد ؟ قال : نعم ، التهيات لله والصلوات والتيبات . السلام ألينا وألى إباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن مهمداً أبدك ورسولك .
قال : قم ، لعنك الله . ونفاه من سجستان . قال ابن حبان : هذا حاله في ابتداء أمره ، ثم لما أخذ في العلم أحب أن ينشئ مذاهب لتعرف به .
فجعل الإيمان قولاً بلا معرفة قلب ، فلزمه أن المنافقين لعنهم الله مؤمنون . قال : وكان يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حجة الله على خلقه ؛ إن الحجة لا تندرس ولا تموت . وكان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل .
وكان يجسم الرب جل جلاله وعلا سلطانه ، وكان داعية إلى البدع ؛ يجب ترك حديثه فكيف إذا اجتمع إلى بدعته القدح في السنن والطعن في منتحليها . قلت : نظيره في زهده وضلاله عمرو بن عبيد . نسأل الله السلامة .
وأخبث مقالاته أن الإيمان قول بلا معرفة قلب ، كما حكاه عنه ابن حبان . وقال أبو محمد بن حزم : غلاة المرجئة طائفتان ، قالت إحداهما : الإيمان قول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن ولي لله ، من أهل الجنة . وهو قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه .
وقالت الأخرى : الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه . وقال أبو العباس السراج : شهدت أبا عبد الله البخاري ، ودفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها : الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، رفعه : الإيمان لا يزيد ولا ينقص . فكتب على ظهر كتابه : من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل .
قال الحاكم : وحدثني الثقة ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : قال أحمد بن محمد الدهان : خرج أبو عبد الله بن كرام الزاهد من نيسابور في سنة إحدى وخمسين ومائتين ، ومات بالشام في صفر سنة خمس وخمسين . ومكث في سجن نيسابور ثمان سنين . قالوا : وتوفي ببيت المقدس من الليل .
فحمل بالغداة ، ولم يعلم بموته إلا خاصته ، ودفن في مقابر الأنبياء بقرب زكريا ويحيى عليهما السلام . قال : وتوفي وأصحابه ببيت المقدس نحو عشرين ألفاً . قال الحسن بن علي الطوسي كردوس : سمعت محمد بن أسلم الطوسي يقول : لم يعرج إلى السماء كلمة أعظم وأخبث من ثلاث : قول فرعون : أنا ربكم الأعلى .
وقول بشر المريسي : القرآن مخلوق . وقول محمد بن كرام : المعرفة ليست من الإيمان . قال الحسن بن إبراهيم الجوزقاني الهمذاني في كتاب الموضوعات له : كان ابن كرام يتعبد ويتقشف ، وأكثر ظهور أصحابه بنيسابور وأعمالها ، وبيت المقدس .
منهم طائفة قد عكفوا على قبره ، مال إليهم كثير من العامة لاجتهادهم وظلف عيشهم . وكان يقول : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، وهو قول باللسان مجرد عن عقد القلب ، وعمل الأركان ، فمن أقر بلسانه بكلمة التوحيد فهو مؤمن حقاً ، وإن اعتقد الكفر بقلبه ، والتثليث ، وأتى كل فاحشة وكبيرة ، إلا أنه مقر بلسانه ، فهو موحد ولي لله من أهل الجنة لا تضره سيئة . فلزمهم من هذا القول أن المنافقين مؤمنون حقاً .
قلت : كأنه تمسك بظاهر قوله عليه السلام : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة . قال الجورقاني : وطائفة منهم تسمى المهاجرية ، يقولون : إن الله جسم لا كالأجسام ، وأن الأنبياء تجوز منهم الكبائر إلا الكذب في البلاغ . وقد نفاه صاحب سجستان وهاب قتله لما رآه زاهداً بزي العباد ، فقدم نيسابور ، وافتتن به خلق كثير من أهلها ، فنفاه متولي نيسابور ، فخرج معه خلق كثير من أعيان الناس .
وامتد على حاله إلى بيت المقدس ، فسكن هناك . وقال المشرف بن مرجى المقدسي : أخبرني أبي ، عن أبيه ، أن أبا عبد الله بن كرام دخل بيت المقدس ، فتكلم ، فجاءه غريب بعدما سمع منه أهل الأندلس حديثاً كثيراً ، فسأله عن الإيمان ، فقال : قول ؛ بعد أن أمسك عن جوابه غير مرة . فلما سمعوا ذلك منه خرقوا ما كان كتبوا عنه ، ونفي إلى زغر ومات بها ، فحمل إلى بيت المقدس .