حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

أحمد بن طولون

أحمد بن طولون ، الأمير أبو العباس التركي ، صاحب مصر . ولد بسامراء ، ويقال : إن طولون تبناه ، وكان ظاهر النجابة من صغره ، وكان طولون قد أهداه نوح عامل بخارى إلى المأمون في جملة غلمان ، وذلك في سنة مائتين ، فمات طولون في سنة أربعين ومائتين ، ونشأ ابنه على مذهب جميل فحفظ القرآن وأتقنه . وكان من أطيب الناس صوتا به ، مع كثرة الدرس وطلب العلم .

وحصل وتنقلت به الأحوال إلى أن ولي إمرة الثغر ، وولي إمرة دمشق وديار مصر ، وأول دخوله مصر سنة أربع وخمسين ومائتين وعمره أربعون سنة ، فملكها بضع عشرة سنة . وبلغنا أنه خلف من الذهب الأحمر عشرة آلاف ألف دينار ، وأربعة وعشرين ألف مملوك . ويقال : إنه خلف ثلاثة وثلاثين ولدا ذكورا وإناثا ، وستمائة بغل ثقل .

وقيل : إن خراج مصر بلغ في العام في أيامه أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار . وكان شجاعا حازما مهيبا خليقا للملك ، جوادا ممدحا . وقيل : بلغت نفقته كل يوم ألف دينار ، إلا أنه كان سفاكا للدماء ذا سطوة وجبروت .

قال القضاعي : أحصي من قتله صبرا ، فكان جملتهم مع من مات في سجنه ثمانية عشر ألفا . وأنشأ الجامع المشهور ، وغرم على بنائه أكثر من مائة ألف دينار ، وكان الخليفة مشغولا عنه بحرب الزنج . وكان فيما قيل حسن له بعض التجار التجارة ، فدفع إليه خمسين ألف دينار ، فرأى في النوم كأنه يمشمش عظما ، فدعى المعبر وقص عليه ، فقال : لقد سمت همة مولانا إلى مكسب لا يشبه خطره .

فأمر صاحب صدقته أن يأخذ الخمسين ألف دينار من التاجر ويتصدق بها ، وكان - سامحه الله تعالى - قد ضبط الثغور وعمرها ، وكان صحيح الإسلام معظما للحرمات ، محبا للجهاد والرباط . قال أحمد بن خاقان - وكان تربا لأحمد بن طولون : ولد أحمد سنة أربع عشرة ومائتين ، ونشأ في الفقه والتصون ، فانتشر له حسن الذكر ، وكان شديد الإزراء على الأتراك فيما يرتكبونه ، إلى أن قال لي يوما : يا أخي ، إلى كم نقيم على الإثم ، لا نطأ موطئا إلا كتب علينا فيه خطيئة ، والصواب أن نسأل الوزير عبيد الله بن يحيى أن يكتب لنا بأرزاقنا إلى الثغر ونقيم به في ثواب . ففعلنا ذلك ، فلما صرنا بطرسوس سر بما رأى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم عاد إلى العراق فارتفع محله .

قال محمد بن يوسف الهروي نزيل دمشق : كنا عند الربيع بن سليمان سنة ثمان وستين ، إذ جاءه رسول أحمد بن طولون بكيس فيه ألف دينار ، وقال لي عبد الله القيرواني : بل كان سبعمائة دينار ، وصرة فيها ثلاثمائة دينار ، لابنه أبي الطاهر . فدعى الربيع ابنه حتى جاءه ، فأمره بقبض المال . ذكر محمد بن عبد الملك الهمداني أن أحمد بن طولون جلس يأكل ، فرأى سائلا ، فأمر له بدجاجة ورغيف وحلوى ، فجاء الغلام وقال : ناولته فما هش له .

فقال : علي به . فلما مثل بين يديه لم يضطرب من الهيبة ، فقال : أحضر الكتب التي معك واصدقني ، فقد ثبت عندي أنك صاحب خبر ، وأحضر السياط فاعترف ، فقال بعض من حضر : هذا والله السحر . قال : ما هو بسحر ، ولكنه قياس صحيح ، رأيت سوء حاله فسيرت له طعاما يسر له الشبعان فما هش ، فأحضرته فتلقاني بقوة جأش ، فعلمت أنه صاحب خبر .

قال أبو الحسين الرازي : سمعت أحمد بن حميد بن أبي العجائز وغيره من شيوخ دمشق قالوا : لما دخل أحمد بن طولون دمشق وقع فيها حريق عند كنيسة مريم ، فركب إليه أحمد ومعه أبو زرعة النصري وأبو عبد الله محمد بن أحمد الواسطي كتابه ، فقال ابن طولون لأبي زرعة : ما يسمى هذا الموضع ؟ فقال : كنيسة مريم . فقال أبو عبد الله : وكان لمريم كنيسة ؟ قال : ما هي من بناء مريم ، إنما بنوها على اسمها . فقال ابن طولون : ما لك والاعتراض على الشيخ .

ثم أمر بسبعين ألف دينار من ماله ، وأن يعطى كل من احترق له شيء ، ويقبل قوله ولا يستحلف ، فأعطوا وفضل من المال أربعة عشر ألف دينار . ثم أمر ابن طولون بمال عظيم ففرق في فقراء أهل دمشق والغوطة ، وأقل من أصابه من المستورين دينار . وعن محمد بن علي الماذرائي قال : كنت أجتاز بتربة أحمد بن طولون فأرى شيخا ملازما للقبر ، ثم إني لم أره مدة ، ثم رأيته فسألته ، فقال : كان له علينا بعض العدل إن لم يكن الكل ، فأحببت أن أصله بالقراءة .

قلت : فلم انقطعت ؟ قال : رأيته في النوم وهو يقول : أحب أن لا يقرأ عندي ، فما تمر من آية إلا قرعت بها وقيل لي : ما سمعت هذه ؟ توفي بمصر في ذي القعدة سنة سبعين ، وتملك بعده ابنه خماروية .

موقع حَـدِيث