بكار بن قتيبة بن عبيد الله القاضي
بكار بن قتيبة بن عبيد الله القاضي ، وقيل : بكار بن قتيبة بن أسد بن عبيد الله بن بشر بن أبي بكرة نفيع بن الحارث ، أبو بكرة الثقفي البكراوي البصري الفقيه الحنفي ، قاضي ديار مصر . سمع روح بن عبادة ، وأبا داود الطيالسي ، وعبد الله بن بكر السهمي ، ووهب بن جرير ، وسعيد بن عامر الضبعي ، وطبقتهم . وعنه أبو عوانة في مسنده الصحيح ، والطحاوي ، وعبد الله بن عتاب الزفتي ، وأبو الميمون بن راشد ، وأحمد بن سليمان بن حذلم ، والحسن بن عبد الملك الحصائري ، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة ، وأحمد بن محمد المديني الخامي ، وأبو العباس الأصم ، وخلق من الدمشقيين ؛ فإنه قدم إليها في الآخر ، ومن المصريين والرحالة .
وكان من القضاة العادلين . قال أبو بكر ابن المقرئ : حدثنا محمد بن بكر الشعراني بالقدس قال : حدثنا أحمد بن سهل الهروي قال : كنت ساكنا في جوار بكار بن قتيبة ، فانصرفت بعد العشاء ، فإذا هو يقرأ : ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) الآية ، ثم نزلت في السحر ، فإذا هو يقرؤها ويبكي ، فعلمت أنه كان يقرؤها من أول الليل . وقال محمد بن يوسف الكندي : قدم بكار قاضيا من قبل المتوكل في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ، فلم يزل قاضيا - يعني على مصر - إلى أن توفي في ذي الحجة سنة سبعين ، وأقامت مصر بلا قاض بعده سبع سنين ، ثم ولى خمارويه محمد بن عبدة .
وكان أحمد بن طولون أراد بكارا على لعن الموفق فامتنع ، فسجنه إلى أن مات أحمد ، فأطلق بكار ، وبقي يسيرا ومات ، فغسل ليلا ، وكثر الناس فلم يدفن إلى العصر . قلت : وكان القاضي بكار عظيم الحرمة كبير الشأن ، كان ينزل السلطان ويحضر مجالسه ، فذكر الطحاوي قال : استعظم بكار بن قتيبة فسخ حكم الحارث بن مسكين في قضية ابن السائح ، يعني لما حكم عليه الحارث وأخرج من يده دار الفيل ، وتوجه ابن السائح إلى العراق بغوث على الحارث . قال الطحاوي : وكان الحارث إنما حكم فيها على مذهب أهل المدينة ، فلم يزل يونس بن عبد الأعلى يكلم بكار ويجسره حتى جسر ورد إلى ابني السائح ما كان أخذ منهما .
قال الطحاوي : ولا أحصي كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكار وهو على الحديث ، ومجلسه مملوء بالناس ، ويتقدم الحاجب ويقول : لا يتغير أحد من مكانه ، فما يشعر بكار إلا وابن طولون إلى جانبه ، فيقول : أيها الأمير ، ألا تركتني كنت أقضي حقك وأقوم . ثم فسد الحال بينهما حتى حبسه ، وفعل به ما فعل . وقيل : إنه صنف كتابا نقض فيه على الشافعي رده على أبي حنيفة .
وكان يأنس بيونس بن عبد الأعلى ويسأله عن أهل مصر وعدولهم ، ولما حبسه ابن طولون لم يمكنه أن يعزله ، لأن القضاء لم يكن أمره إليه ، وقيل : إن بكارا كان يشاور في حكمه وأمره يونس بن عبد الأعلى والرجل الصالح موسى بن عبد الرحمن بن القاسم ، فبلغنا أن موسى سأله : من أين المعيشة ؟ قال : من وقف لأبي أتكفى به . فقال : أريد أن أسألك يا أبا بكرة ؛ هل ركبك دين بالبصرة ؟ قال : لا . قال : فهل لك ولد أو زوجة ؟ قال : ما نكحت قط ، وما عندي سوى غلامي .
قال : فأكرهك السلطان على القضاء ؟ قال : لا . قال : فضربت آباط الإبل لغير حاجة إلا لتلي الدماء والفروج ؟ لله علي لا عدت إليك . فقال بكار : أقلني يا أبا هارون .
قال : أنت ابتدأت بمسألتي . ثم انصرف عنه ولم يعد إليه . وقال الحسن بن زولاق في ترجمة بكار : لما اعتل ابن طولون راسل بكارا وقال : أنا أردك إلى منزلك ، فأجبني .
فقال للرسول : قل له : شيخ فان وعليل مدنف والملتقى قريب ، والقاضي الله عز وجل . فأبلغ الرسول ابن طولون ، فأطرق ثم أقبل يقول : شيخ فان وعليل مدنف والملتقى قريب ، والله القاضي . ثم أمر بنقله من السجن إلى دار اكتريت له ، وفيها كان يحدث .
فلما مات ابن طولون قيل لبكار : انصرف إلى منزلك . فقال : الدار بأجرة ، وقد صلحت لي . فأقام بها .
قال الطحاوي : أقام بها بعد ابن طولون أربعين يوما ومات . ونقل ابن خلكان رحمه الله أن ابن طولون كان يدفع إلى بكار في العام ألف دينار سوى المقرر له فيتركها بختمها ، فلما دعاه إلى خلع الموفق من ولاية العهد امتنع ، فاعتقله وطالبه بجملة الذهب ، فحمله إليه بختومه ، فكان ثمانية عشر كيسا ، فاستحى أحمد بن طولون عند ذلك ، ثم أمره أن يسلم إلى محمد بن شاذان الجوهري القضاء ، ففعل ، وجعله كالخليفة له . ثم سجنه أحمد ، فكان يحدث في السجن من طاقة ، لأن طلبة الحديث سألوا ابن طولون فأذن لهم على هذه الصورة .
قال ابن خلكان : وكان بكار بكاء تاليا للقرآن ، صالحا دينا ، وقبره مشهور ، وقد عرف باستجابة الدعاء عنده . وقال الطحاوي : كان على نهاية في الحمد على ولايته ، وكان ابن طولون على نهاية في تعظيمه وإجلاله إلى أن أراد منه خلع الموفق ولعنه فأبى ، فلما رأى أنه لا يلتئم له منه ما يحاوله ألب عليه سفهاء الناس ، وجعله لهم خصما . فكان يقعد له من يقيمه مقام الخصوم ، فلا يأبى ، ويقوم بالحجة لنفسه .
ثم حبسه في دار ، فكان كل جمعة يلبس ثيابه وقت الصلاة ويمشي إلى الباب ، فيقول له الموكلون به : ارجع . فيقول : اللهم اشهد . قال : وولد سنة اثنتين وثمانين ومائة .
قلت : توفي في ذي الحجة سنة سبعين ، وشهده خلق أكثر ممن شهد العيد ، وصلى عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة الثقفي .