حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

داود بن علي بن خلف

داود بن علي بن خلف ، أبو سليمان البغدادي الأصبهاني ، مولى المهدي ، الفقيه الظاهري ، رأس أهل الظاهر . ولد سنة مائتين ، وسمع : سليمان بن حرب ، والقعنبي ، وعمرو بن مرزوق ، ومحمد بن كثير العبدي ، ومسددا ، وأبا ثور الفقيه ، وإسحاق بن راهويه رحل إليه إلى نيسابور ، فسمع منه المسند والتفسير ؛ وجالس الأئمة ، وصنف الكتب . قال أبو بكر الخطيب : كان إماما ورعا ناسكا زاهدا .

وفي كتبه حديث كثير . لكن الرواية عنه عزيزة جدا . روى عنه : ابنه محمد ، وزكريا الساجي ، ويوسف بن يعقوب الداودي الفقيه ، وعباس بن أحمد المذكر ، وغيرهم .

قال ابن حزم : إنما عرف بالأصبهاني لأن أمه أصبهانية ، وكان أبوه حنفي المذهب ، يعني : وكان عراقيا . قال : وكتب داود ثمانية عشر ألف ورقة . ومن أصحاب داود أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن رويم أحد الأئمة ، وأبو بكر ابن النجار ، وأبو الطيب محمد بن جعفر الديباجي ، وأحمد بن مخلد الإيادي ، وأبو سعيد الحسن بن عبيد الله ، له تواليف كثيرة ، وأبو بكر محمد بن أحمد الدجاجي ، وأبو نصر رآه بسجستان .

ثم سمى ابن حزم جماعة كثيرة من الفقهاء من تلامذة داود . وقال أبو إسحاق الشيرازي : ولد سنة اثنتين ومائتين ، وأخذ العلم عن إسحاق ، وأبي ثور . وكان زاهدا متقللا .

وقال أبو العباس ثعلب : كان داود عقله أكثر من علمه . قال أبو إسحاق : وقيل : كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر ، وكان من المتعصبين للشافعي ، صنف كتابين في فضائله والثناء عليه . قال أبو إسحاق : وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد ، وأصله من أصفهان ، ومولده بالكوفة ، ومنشأه ببغداد وقبره بها .

وقال أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي : رأيت داود بن علي يرد على إسحاق بن راهويه ، وما رأيت أحدا قبله ولا بعده يرد عليه هيبة له . وقال عمر بن محمد بن بجير : سمعت داود بن علي يقول : دخلت على إسحاق بن راهويه وهو يحتجم ، فجلست فرأيت كتب الشافعي ، فأخذت أنظر ، فصاح ، أيش تنظر ؟ فقلت : معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ، فجعل يضحك ويتبسم . وقال سعيد البرذعي : كنا عند أبي زرعة فاختلف رجلان في أمر داود والمزني ، والرجلان فضلك الرازي ، وابن خراش ، فقال ابن خراش : داود كافر .

وقال فضلك : المزني جاهل . فأقبل عليهما أبو زرعة يوبخهما وقال : ما واحد منكما له بصاحب . ثم قال : ترى داود هذا لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهل العلم لظننت أنه يكمد أهل البدع بما عنده من البيان والآلة .

ولكنه تعدى . لقد قدم علينا من نيسابور ، فكتب إلي محمد بن رافع ، ومحمد بن يحيى ، وعمرو بن زرارة ، وحسين بن منصور ، ومشيخة نيسابور بما أحدث هناك ، فكتمت ذلك لما خفت من عواقبه ، ولم أبد له شيئا من ذلك . فقدم بغداد ، وكان بينه وبين صالح بن أحمد بن حنبل حسن ، فكلم صالحا أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه ، فأتى وقال : سألني رجل أن يأتيك .

قال : ما اسمه ؟ قال : داود . قال : ابن من ؟ قال : هو من أهل أصبهان ، وكان صالح يروغ عن تعريفه ، فما زال أبوه يفحص حتى فطن به ، فقال : هذا قد كتب إلي محمد بن يحيى في أمره أنه زعم أن القرآن محدث ، فلا يقربني . قال : إنه ينتفي من هذا وينكره .

قال : محمد بن يحيى أصدق منه ، لا تأذن له . أنبأنا ابن سلامة ، عن اللبان ، عن الشيرويي ، قال : حدثنا عبد الكريم بن محمد أبو نصر الشيرازي قراءة ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن حكمويه المفسر الروياني ، قال : أخبرنا والدي ، قال : أخبرنا أبو علي بن عبد الله بن القاسم البصري بالدينور ، قال : حدثنا داود بن علي بن خلف البغدادي المعروف بالأصبهاني ، قال : أخبرنا أبو خيثمة ، قال : حدثنا بشر بن السري ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه ، فيقولون : ألم يثقل موازيننا . الحديث .

قال الخلال : أخبرنا الحسين بن عبد الله قال : سألت المروذي عن قصة داود الأصبهاني وما أنكر عليه أبو عبد الله ، فقال : كان داود خرج إلى خراسان إلى ابن راهويه ، فتكلم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد وآخر ، شهدا عليه أنه قال : القرآن محدث . فقال لي أبو عبد الله : من داود بن علي لا فرج عنه الله ؟ قلت : هذا من غلمان أبي ثور . قال : جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن داود الأصبهاني قال ببلدنا : إن القرآن محدث .

قال المروذي : حدثني محمد بن إبراهيم النيسابوري أن إسحاق بن راهويه لما سمع كلام داود في بيته وثب عليه إسحاق فضربه وأنكر عليه . قال الخلال : سمعت أحمد بن محمد بن صدقة يقول : سمعت محمد بن الحسين بن صبيح ، يقول : سمعت داود الأصبهاني يقول : القرآن محدث ولفظي بالقرآن مخلوق . وأخبرنا سعيد بن أبي مسلم ، قال : سمعت محمد بن عبدة يقول : دخلت إلى داود فغضب علي أحمد بن حنبل ، فدخلت عليه فلم يكلمني ، فقال له رجل : يا أبا عبد الله إنه رد عليه مسألة .

قال : وما هي ؟ قال : قال : الخنثي إذا مات من يغسله ؟ فقال داود : يغسله الخدم . فقال محمد بن عبدة : الخدم رجال . ولكن ييمم .

فتبسم أحمد ، وقال : أصاب أصاب . ما أجود ما أجابه . قلت : كان داود موصوفا بالدين والتعبد مع هذا .

وقال القاضي المحاملي : رأيت داود بن علي يصلي ، فما رأيت مسلما يشبهه في حسن تواضعه . وقد اختلف محمد بن جرير مدة إلى مجلس داود ، وأخذ عنه . وقال أحمد بن كامل القاضي : أخبرني أبو عبد الله الوراق أنه كان يورق على داود ، فسمعته يسأل عن القرآن ، فقال : أما الذي في اللوح المحفوظ فغير مخلوق ، وأما الذي هو بين الناس فمخلوق .

قلت : للعلماء قولان في داود هل يعتد بخلافه أم لا ؟ فقال أبو إسحاق الإسفراييني : قال الجمهور : إنهم ، يعني نفاة القياس ، لا يبلغون رتبة الاجتهاد ، ولا يجوز تقليدهم القضاء . ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي ، عن أبي علي بن أبي هريرة ، وطائفة من الشافعيين أنه لا اعتبار بخلاف داود ، وسائر نفاة القياس في الفروع دون الأصول . وقال أبو المعالي الجويني : الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة ، ولا من حملة الشريعة ، لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا ؛ لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد ، ولا تفي النصوص بعشر معشارها ، وهؤلاء ملتحقون بالعوام .

قلت : قول أبي المعالي رحمه الله فيه بعض ما فيه ، فإنما قاله باجتهاد ، ونفيهم للقياس أيضا باجتهاد ، فكيف يرد الاجتهاد بمثله ؟ نعم ، وأيضا فإذا لم يعتد بخلافهم لزمنا أن نقول : إنهم قد خرقوا الإجماع ، ومن خالف الإجماع يكفر ويقتل حدا لعناده ، فإن قلتم : خالفوا الإجماع بتأويل سائغ ، قلنا : فهذا هو المجتهد ، فلا نقول يجوز تقليده ، إنما يحكى قوله ، مع أن مذهب القوم أنه لا يحل لأحد أن يقلدهم ولا أن يقلد غيرهم ، فلأن نحكي خلافهم ونعده قولا أهون وأسلم من تكفيرهم . ونحن نحكي قول ابن عباس في الصرف ، والمتعة ، وقول الكوفيين في النبيذ ، وقول جماعة من الصحابة في ترك الغسل من الجماع بلا إنزال ، ومع هذا فلا يجوز تقليدهم في ذلك . فهؤلاء الظاهرية كذلك ، نعتد بخلافهم ، فإن لم نفعل صار ما تفردوا به خارقا للإجماع ، ومن خرق الإجماع المتيقن فقد مرق من الملة .

لكن الإجماع المتيقن هو ما علم بالضرورة من الدين : كوجوب رمضان ، والحج ، وتحريم الزنا والسرقة ، والربا ، واللواط . والظاهرية فلهم مسائل شنيعة ، لكنها لا تبلغ ذلك ، والله أعلم . وقال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح : الذي اختاره الأستاذ أبو منصور وذكر أنه الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود .

قال ابن الصلاح : وهذا هو الذي استقر عليه الأمر آخرا كما هو الأغلب الأعرف من صفو الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة ، كالشيخ أبي حامد ، والماوردي ، وأبي الطيب ، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم . قال : وأرى أن يعتبر قوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي ، وما أجمع عليه القياسون من أنواعه ، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها ، فاتفاق من سواه إجماع منعقد ، كقوله في التغوط في الماء الراكد ، وتلك المسائل الشنيعة ، وقوله لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها ، فخلافه في هذا ونحوه غير معتد به ، لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه ، والله أعلم . قال ابن كامل : توفي في رمضان سنة سبعين .

موقع حَـدِيث