حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

مسلم بن الحجّاج بن مسلم

مسلم بن الحجّاج بن مسلم ، الإمام أبو الحسين القشيريّ النيَّسابوري الحافظ صاحب الصّحيح . قال بعض النّاس : ولد سنة أربعٍ ومائتين وما أظنّه إلاّ ولد قبل ذلك . سمع سنة ثمان عشرة ومائتين ببلده من يحيى بن يحيى ، وبشر بن الحكم ، وإسحاق بن راهوية .

وحجّ سنة عشرين ، فسمع من : القعنبيّ ، وهو أقدم شيخ له ، ومن : إسماعيل بن أبي أويس ، وأحمد بن يونس ، وعمر بن حفص بن غياث ، وسعيد بن منصور ، وخالد بن خداش ، وجماعة يسيرة . وردَّ إلى وطنه . ثمّ رحل في حدود الخمس وعشرين ومائتين فسمع من : عليّ بن الجعد ، ولم يرو عنه في صحيحه لأجل بدعةٍ ما .

وسمع من : أحمد بن حنبل ، وشيبان بن فروُّخ ، وخلف البزّار ، وسعيد بن عمرو الأشعثيّ ، وعون بن سلاّم ، وإبراهيم بن موسى الفراء ، ومحمد بن مهران الجمال ، ومحمد بن الصباح الدولابي ، وأبي نصر التّمّار ، ويحيى بن بشر الحريريّ ، وقتيبة بن سعيد ، وأميّة بن بسطام ، وجعفر بن حميد ، وحبّان ابن موسى المروزيّ ، والحكم بن موسى القنطريّ ، وعبد الرحمن بن سلاّم الجمحّي ، وخلق كثير من العراقيّين ، والحجازيّين ، والشّاميّين ، والمصريّين ، والخراسانيّين فسمى له شيخنا في تهذيب الكمال مائتين وأربعة عشر شيخاً . ورأيت بخطّ حافظ أنّه قد روى في صحيحه عن مائتين وسبعة عشر . روى عنه : الترمذي ، حديثاً واحداً في جامعه ، ومحمد بن عبد الوهّاب الفرّاء ، وعليّ بن الحسن بن أبي عيسى الهلالّي ، وهما أكبر منه ، وصالح بن محمد جزرة ، وأحمد بن سلمة ، وأحمد بن المبارك المستملي ، وهو من أقرانه ، وإبراهيم بن أبي طالب ، والحسين بن محمد القبانيّ ، وعليّ بن الحسين بن الجنيد الرّازيّ ، وابن خزيمة ، وأبو العبّاس السّرّاج ، وابن صاعد ، وأبو حامد ابن الشَّرقيّ ، وأبو عوانة الإسفرايينيّ ، وأبو حامد أحمد بن حمدون الأعمشي ، وسعيد بن عمرو البرذعيّ ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم ونصرك بن أحمد بن نصر الحفّاظ ، وأحمد بن عليّ بن الحسين القلانسّي ، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه ، وأبو بكر محمد بن النضر الجاروديّ ، ومكّيّ بن عبدان ، ومحمد بن مخلد العطّار ، وخلق آخرهم وفاة أبو حامد أحمد بن عليّ بن حسنوية المقرئ أحد الضعفاء .

ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مسلم أنّه سمع بدمشق من محمد بن خالد السَّكسكيّ ، ولم يذكر أنّه سمع من غيره . وهذا بعيد ، فلعلّه لقي محمد بن خالد في الموسم ، لكن قال ابن عساكر : حدَّثني أبو نَصر اليونارتيّ قال : دفع إليَّ صالح بن أبي صالح ورقة من لحاء شجرةٍ بخط مسلم ، قد كتبها بدمشق من حديث الوليد بن مسلم . قلت : إنّ صحّ هذا فيكون قد دخل دمشق مجتازاً ، ولم يمكنه المقام ، أو مرض بها ولم يتمكّن من السماع على شيوخها .

قال أبو عمرو أحمد بن المبارك : سمعت إسحاق بن منصور يقول لمسلم بن الحجّاج : لم نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين وقال أحمد بن سلمة : رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجّاج في معرفة الصّحيح على مشايخ عصرهما . وسمعت الحسين بن منصور يقول : سمعت إسحاق بن راهوية ، وذكر مسلم بن الحجّاج ، فقال بالفارسيّة كلاماً معناه : أيّ رجل يكون هذا ؟ قال أحمد بن سلمة : وعقد لمسلم مجلس المذاكرة ، فذكر له حديث لم يعرفه ، فانصرف إلى منزله وأوقد السِّراج ، وقال لمن في الدّار : لا يدخل أحد منكم . فقيل له : أهديت لنا سلّة تمر .

فقال : قدِّموها . فقدَّموها إليه ، فكان يطلب الحديث ، ويأخذ تمرة تمرة ، فأصبح وقد فني التّمر ووجد الحديث . رواها الحاكم ثمّ قال : زادني الثّقة من أصحابنا أنّه منها مات .

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : كان ثقة من الحفّاظ ، كتبت عنه بالرِّيّ ، وسئل أبي عنه فقال : صدوق . وقال أبو قريش الحافظ : سمعت محمد بن بشّار يقول : حفّاظ الدّنيا أربعة : أبو زرعة بالرِّيّ ، ومسلم بنيسابور ، وعبد الله الدّارميّ بسمرقند ، ومحمد بن إسماعيل ببخارى . وقال أبو عمرو بن حمدان : سألت ابن عقدة الحافظ ، عن البخاريّ ، ومسلم ، أيُّهما أعلم ؟ فقال : كان محمد عالماً ومسلم عالماً .

فكرّرت عليه مراراً ، ثم قال : يا أبا عمرو ، قد يقع لمحمد بن إسماعيل الغلط في أهل الشّام ، وذلك أنّه أخذ كتبهم فنظر فيها ، فربّما ذكر الواحد منهم بكنيته ، ويذكره في موضع آخر باسمه ويتوهَّم أنَّهما اثنان ، وأمّا مسلم ، فقلَّ ما يقع له من الغلط في العلل ، لأّنه كتب المسانيد ، ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل . وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم : إنّما أخرجت نيسابور ثلاثة رجال : محمد بن يحيى الذُّهليّ ، ومسلم بن الحجّاج ، وإبراهيم بن أبي طالب . وقال الحسين بن محمد الماسرجسيّ : سمعت أبي يقول : سمعت مسلماً يقول : صنّفت هذا المسند الصّحيح من ثلاثمائة ألف حديثٍ مسموعة .

وقال أحمد بن سلمة : كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمسة عشر سنة . قال : وهو اثنا عشر ألف حديث ، يعني بالمكَّرر ، بحيث إنّه إذا قال : حدثنا قتيبة وابن رمح يعدُّهما حديثين ، سواء اتفّق لفظهما أو اختلف . وقال ابن منده : سمعت الحافظ أبا عليّ النيَّسابوري يقول : ما تحت أديم السّماء كتاب أصّح من كتاب مسلم .

وقال مكّي بن عبدان : سمعت مسلماً يقول : عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة فكّل ما أشار عليّ في هذا الكتاب أن له علّة وسبباً تركته . وكلّ ما قال إنّه صحيح ليس له علّة ، فهو الّذي أخرجت . ولو أنّ أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند .

وقال مكّي : سألت مسلماً عن عليّ بن الجعد فقال : ثقة ، ولكنّه كان جهميّاً . فسألته عن محمد بن يزيد فقال : لا يكتب عنه . وسألته عن محمد بن عبد الوهّاب وعبد الرحمن بن بشر فوثَّقهما .

وسألته عن قطن بن إبراهيم فقال : لا يكتب حديثه . وممَّن صنَّف مستخرجاً على صحيح مسلم أبو جعفر أحمد بن حمدان الحيريّ ، وأبو بكر محمد بن محمد بن رجاء النَّيسابوريّ ، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايينيّ ، وأبو حامد الشّاركيّ الهرويّ ، وأبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي الشّافعيّ ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم ، وأبو الحسن الماسرجسيّ ، وأبو نعيم الأصبهاني ، وأبو الوليد حسّان بن محمد الفقيه . وقال أبو أحمد الحاكم : حدثنا أبو بكر محمد بن عليّ النجار قال : سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول : قلت لمسلم : قد أكثرت في الصحّيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبيّ ، وحاله قد ظهر .

فقال : إنمّا نقموا عليه بعد خروجي من مصر . وقال الدّارقطنيّ : لولا البخاريّ لما راح مسلم ولا جاء . وقال الحاكم : كان متجر مسلم خان محمش ، ومعاشه من ضياعه بأستوا رأيت من أعقابه من جهة البنات في داره .

وسمعت أبي يقول : رأيت مسلم بن الحجّاج يحدّث في خان محمش ، وكان تامّ القامة ، أبيض الرأس واللّحية ، يرخي طرف عمامته بين كتفيه . وقال أبو قريش : كنا عند أبي زرعة ، فجاء مسلم فسلّم عليه وجلس ساعة وتذاكرا ، فلمّا ذهب قلت له : هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح! فقال أبو زرعة : لم ترك الباقي ؟ ثمّ قال : ليس لهذا عقل لو دارى محمد بن يحيى لصار رجلاً . وقال مكّي بن عبدان : وافى داود بن عليّ نيسابور أيام إسحاق بن راهوية ، فعقدوا له مجلس النّظر ، وحضر مجلسه يحيى بن محمد بن يحيى ، ومسلم بن الحجّاج ، فجرت مسألة تكلَّم فيها يحيى فزبره داود وقال : اسكت يا صبيّ .

ولم ينصره مسلم . فرجع إلى أبيه وشكى إليه داود ، فقال أبوه : ومن كان ؟ ثم قال : مسلم ولم ينصرني . قال قد رجعت عن كلّ ما حدّثته به .

فبلغ ذلك مسلماً ، فجمع ما كتب عنه في زنبيلٍ وبعث به إليه ، وقال : لا أروي عنك أبداً ، ثمّ خرج إلى عبد بن حميد . قال الحاكم : علَّقت هذه الحكاية عن طاهر بن أحمد ، عن مكّيّ . وقد كان مسلم يختلف بعد هذه الواقعة إلى محمد ، وإنمّا انقطع عنه من أجل قصّة البخاريّ .

وكان أبو عبد الله بن الأخرم أعرف بذلك ، فأخبر عن الوحشة الأخيرة . وسمعته يقول : كان مسلم بن الحجّاج يظهر القول باللّفظ ولا يكتمه . فلمّا استوطن البخاريّ نيسابور أكثر مسلم الاختلاف إليه ، فلمّا وقع بين البخاريّ وبين محمد بن يحيى ما وقع في مسألة اللّفظ ، ونادى عليه ، ومنع النّاس من الاختلاف إليه حتّى هجر وسافر من نيسابور ، قال : فقطعه أكثر النّاس غير مسلم ، فبلغ ذلك محمد بن يحيى فقال يوماً : ألا من قال باللَّفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا .

فأخذ مسلم الرّداء فوق عمامته ، وقام على رؤوس النّاس ، وبعث إليه بما كتب عنه على ظهر حمال . وكان مسلم يظهر القول باللَّفظ ولا يكتمه . وقال أبو حامد ابن الشَّرقي : حضرت مجلس محمد بن يحيى فقال : ألا من قال : لفظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا فقام مسلم من المجلس .

قال أبو بكر الخطيب : كان مسلم يناضل عن البخاريّ حتّى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى بسببه . قال أبو عبد الله الحاكم : ذكر مصنَّفات مسلم : كتاب المسند الكبير على الرجال ، وما أرى أنّه سمعه منه أحد ، كتاب الجامع على الأبواب ، رأيت بعضه ، كتاب الأسامي والكنى ، كتاب المسند الصحّيح ، كتاب التّمييز ، كتاب العلل ، كتاب الوحدان ، كتاب الأفراد ، كتاب الأقران ، كتاب سؤالات أحمد بن حنبل كتاب عمرو بن شعيب ، كتاب الانتفاع بأهب السِّباع ، كتاب مشايخ مالك ، كتاب مشايخ الثَّوريّ ، كتاب مشايخ شعبة ، كتاب من ليس له إلاّ راوٍ واحد ، كتاب المخضرمين ، كتاب أولاد الصحابة ، كتاب أوهام المحدثين ، كتاب الطبقات ، كتاب أفراد الشّاميّين ، ثم سرد الحاكم تصانيف أخر تركتها . وقال ابن عساكر في أول كتاب الأطراف له بعد ذكر صحيح البخاريّ ، ثمّ سلك سبيله مسلم ، فأخذ في تخريج كتابه وتأليفه ، وترتيبه على قسمين ، وتصنيفه .

وقصد أن يذكر في القسم الأول أحاديث أهل الإتقان ، وفي القسم الثّاني أحاديث أهل السّتر والصِّدق الّذين لم يبلغوا درجة المتثبتين ، فحال حلول المنيَّة بينه وبين هذه الأمنية ، فمات قبل استتمام كتابه . غير أنَّ كتابه مع إعوازه اشتهر وانتشر . وذكر ابن عساكر كلاماً غير هذا .

وقال أبو حامد ابن الشَّرقي : سمعت مسلماً يقول : ما وضعت شيئاً في هذا المسند إلاّ بحجّة ، وما أسقطت منه شيئاً إلاً بحجَّة . وقال ابن سفيان الفقيه : قلت لمسلم : حديث ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم : وإذا قرأ فانصتوا . قال صحيح .

قلت : لم لم تضعه في كتابك ؟ قال : إنمّا وضعت ما أجمعوا عليه . قال الحاكم : أراد مسلم أن يخرّج الصحّيح على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الرُّواة . وقد ذكر مسلم هذا في صدر خطبته .

قال الحاكم : فلم يقدَّر له إلاً الفراغ من الطبقة الأولى ، ومات . ثمّ ذكر الحاكم ذاك القول الّذي هو دعوى ، وهو قال أن لا يذكر من الحديث إلاّ ما رواه صحابيّ مشهور ، له راويان ثقتان فأكثر ، ثمّ يرويه عنه تابعيّ مشهور ، له أيضاً راويان ثقتان وأكثر ، ثمّ كذلك من بعدهم . قال أبو عليّ الجيّانيّ : المراد بهذا أنّ هذا الصحابيّ أو هذا التّابعيّ ، قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حدّ الجهالة .

قال عياض : والّذي تأوّله الحاكم على مسلم من اخترام المنيّة له قبل استيفاء غرضه إلا من الطّبقة الأولى . فأنا أقول إنكّ إذا نظرت تقسيم مسلم في كتابه الحديث كما قال على ثلاث طبقات من النّاس على غير تكرار . فذكر أنّ القسم الأوّل حديث الحفّاظ ، ثمّ قال : إذا انقضى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان ، وذكر أنّهم لاحقون بالطّبقة الأولى ، فهؤلاء مذكورون في كتابه لمن تدبَّر الأبواب ، والطّبقة الثالثة قوم تكلَّم فيهم قوم وزكّاهم آخرون ، فخرج حديثهم عمن ضعِّف أو اتهم ببدعة .

وكذلك فعل البخاريّ . قال عياض : فعندي أنّه أتى بطبقاته الثّلاث في كتابه ، وطرح الطّبقة الرابعة . قال الحاكم : سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب يقول : توفّي مسلم يوم الأحد ، ودفن يوم الاثنين لخمسٍ بقين من رجب سنة إحدى وستيّن ومائتين .

قلت : وقبره مشهور بنيسابور ويزار ، وتوفّي وقد قارب السّتين . وقد سمعت كتابه على زينب الكنديّة إلى النّكاح ، وعلى ابن عساكر من النّكاح إلى آخر الصّحيح . كلاهما عن المؤيَّد الطّوسي كتابةً : قال أخبرنا الفراوي ، قال أخبرنا الفارسيّ ، قال أخبرنا ابن عمروية ، عن ابن سفيان ، عن مسلم .

وسمعه المزّيّ ، والبرزاليّ ، وطبقتهما قبلنا على القاسم الإربليّ ولي منه إجازةً بسماعه بقوله من الطُّوسيّ ، وهو عدل مقبول . وسمعه الناس قبل ذلك على الرضي التّاجر ، وابن عبد الدّائم ، وعلى المرسي وبقيد الحياة منهم عدد كثير من الشيوخ والكهول في وقتنا بمصر والشام . وسمعه النّاس قبل ذلك بحين على ابن الصّلاح ، والسَّخاويّ ، وتلك الحلبة بدمشق على رأس الأربعين وستمائة ، عن المؤيّد وأقرانه ، وبمصر على ابن الجباب ، والمدلجيّ ، عن المأموني .

فأحسن ما يسمع في وقتنا على من تبقى من أصحاب هؤلاء لقدم سماعهم ، فإن تعذر فعلّى أجلّ أصحاب المذكورين قبلهم ، وأجلهّم بالإقليمين علماً وفضلاً وثقة ونبلاً شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الفزاريّ الشّافعيّ ، رضي الله عنه وأرضاه .

موقع حَـدِيث