يعقوب بن الليث الصفار
يعقوب بن الليث الصفار ، الأمير أبو يوسف السجستاني ، المستولي على خراسان . ذكر علي بن محمد أن يعقوب وعمراً كانا أخوين صفارين يظهران الزهد . وكان صالح بن النضر المطوعي مشهوراً بقتال الخوارج ، فصحباه إلى أن مات ، فتولى مكانه درهم بن الحسين المطوعي ، فصار معه يعقوب .
ثم إن أمير خراسان ظفر بدرهم ، وبعث به إلى بغداد ، فحبسوه ثم أطلقوه ، فخدم السلطان ، ثم إنه تنسك ولزم الحج ، وأقام ببيته . قال ابن الأثير : تغلب صالح بن النضر الكناني على سجستان ومعه يعقوب ، فاستنقذها منه طاهر بن عبد الله بن طاهر ، ثم ظهر بها درهم المطوعي فغلب عليها ، وصار يعقوب قائد عسكره . ورأى أصحاب درهم عجزه وضعفه ، فملكوا عليهم يعقوب لما رأوا من حسن سياسته .
فلم ينازعه درهم ، واستبد يعقوب بالأمر ، وقويت شوكته . قال علي بن محمد : لما دخل درهم بغداد ولي يعقوب أمر المطوعة ، وحارب الخوارج الشراة حتى أفناهم ، وأطاعه جنده طاعة لم يطيعوها أحداً . واشتهرت صولته ، وغلب على سجستان ، وهراة ، وبوشنج ، ثم حضه أهل سجستان على حرب الترك الذين بأطراف خراسان مع رتبيل لشدة ضررهم ، فغزاهم وظفر برتبيل فقتله ، وقتل ثلاثة من ملوك الترك ، ثم رد إلى سجستان وقد حمل رؤوسهم مع رؤوس ألوف منهم ، فرهبته الملوك الذين حوله : ملك المولتان ، وملك الرخج ، وملك الطبسين ، وملوك السند .
وكان على وجهه ضربة منكرة من بعض قتال الشراة ، سقط منها نصف وجهه ، وخاطه ثم عوفي . وقد أرسل إلى المعتز بالله هدية عظيمة ، من جملتها مسجد فضة يسع خمسة عشر نفساً يصلون فيه . وكان يحمل على عدة جمال ، ويفكك ثم يركب .
ثم إنه حارب عسكر فارس سنة خمس وخمسين ومائتين ، وقتل منهم ألوفاً . فكتب إليه وجوه أهل فارس : إن كنت تريد الديانة والتطوع وقتل الخوارج فما ينبغي لك أن تتسرع في الدماء . واعتدوا للحصار ، ونازلهم ووقع القتال ، فظفر يعقوب بأميرهم علي بن الحسين بن قريش وقد أثخن بالجراح ، وقتل من جند فارس خمسة آلاف .
ودخل يعقوب شيراز ، فأمن أهلها وأحسن إليهم . وأخذ من ابن قريش أربع مائة بدرة ، فأنفق في جيشه لكل واحد منهم ثلاث مائة درهم . ثم بسط العذاب على ابن قريش حتى إنه عصره على أنثييه وصدغيه ، وقيده بأربعين رطلاً ، فاختلط عقله من شدة العذاب .
ورجع يعقوب إلى سجستان ، وخلع المعتز ، وبويع المعتمد على الله . ثم رجع يعقوب إلى فارس ، فجبى خراجها ثلاثين ألف ألف درهم . واستعمل عليها محمد بن واصل .وكان يحمل إلى الخليفة في العام نحو خمسة آلاف ألف درهم .
وعجز الخليفة عنه ، ورضي بمداراته ومهادنته . ودخل يعقوب إلى بلخ في سنة ثمان وخمسين ، ودخل إلى نيسابور في آخر سنة تسع وخمسين ، وظفر بعامل خراسان ابن طاهر ، ثم خرج عن نيسابور بعد شهرين ، وابن طاهر في أسره ومعه ستون نفساً من أهل بيته ، فقصد يعقوب جرجان وطبرستان ، فالتقاه المتغلب عليها حسن بن زيد العلوي في جيش كبير ، فحمل عليهم يعقوب في خمس مائة من غلمانه ، فهزمهم . وغنم يعقوب ثلاث مائة وقر مالاً كانت خزانة الحسن بن زيد ، وأسر جماعة من العلويين وأساء إليهم .وكانت هذه الوقعة في رجب من سنة ستين .
ثم دخل آمل طبرستان وقصد الري ، وأمر نائبها بالخروج عنها ، وأظهر أن المعتمد على الله ولاه الري . فغضب المعتمد عندما بلغه ذلك ، وعاقب غلمان يعقوب الذين ببغداد . فسار يعقوب في أول سنة إحدى وستين نحو جرجان ، فقصده الحسن بن زيد العلوي في الديلم من ناحية البحر ، فنال من يعقوب وهزمه إلى جرجان ، فجاءت بجرجان زلزلة قتلت من جند يعقوب ألفي نفس .
وأقام يعقوب به فظلم وعسف ، واستعان من ببغداد من أهل خراسان على يعقوب ، فعزم المعتمد على حربه ، ورجع يعقوب إلى جوار الري وأخذ يستعد . ودخل نيسابور وصادر أهلها ، ثم راح إلى سجستان . وجاءت كتب المعتمد إلى أعيان أهل خراسان بالحط على يعقوب وبأن يهتموا له .
فأخذ يكاتب الخليفة ويداريه ، ويسأله ولاية خراسان وفارس وشرطتي بغداد وسامراء ، وأن يعقد له أيضاً على الري ، وطبرستان ، وجرجان ، وأذربيجان ، وكرمان ، وسجستان ، ففعل ذلك المعتمد بإشارة أخيه الموفق . وكان المعتمد مقهوراً مع أخيه الموفق ، فاضطربت الموالي بسامراء لذلك وتحركوا . ثم إن يعقوب لم يلتفت إلى ما أجيب إليه من ذلك ، ودخل خوزستان وقارب عسكر مكرم عازماً على حرب المعتمد ، وأخذ العراق منه .
فوصلت طلائع المعتمد ، وأقبلت جيوش يعقوب إلى قرب دير العاقول ، ووقع المصاف ، فبرز بين الصفين خشتج أحد قواد المعتمد وقال : يا أهل خراسان وسجستان ما عرفناكم إلا بالطاعة والتلاوة والحج ، وإن دينكم لا يتم إلا بالاتباع . وما نشك أن هذا الملعون قد موه عليكم ، فمن تمسك منكم بالإسلام فلينفر عنه . فلم يجيبوه .
وقيل : كان عسكر يعقوب ميلاً في ميل ، ودوابهم على غاية الفراهة ، فوقف المعتمد بنفسه ، وكشف أخوه الموفق رأسه ، وقال : أنا الغلام الهاشمي . وحمل وحمي الحرب ، وقتل خلق من الفريقين ، فهزم يعقوب وأخذت خزائنه ، وما أفلت أحد من أصحابه إلا جريحاً ، وأدركهم الليل فوقعوا في النهر من الزحمة وأثقلتهم الجراح . وقال أبو الساج ليعقوب : ما رأيت منك شيئاً من تدبير الحروب ، فكيف كنت تغلب الناس؟ فإنك جعلت ثقلك وأسراك أمامك ، وقصدت بلداً على قلة معرفة منك بمخائضه وأنهاره ، وسرت من السوس إلى واسط في أربعين يوماً ، وأحوال عسكرك مختلة .
فقال : لم أعلم أني محارب ، ولم أشك في الظفر . قال عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر : بعث يعقوب رسله إلى المعتمد ، ثم سار إلى واسط فاستناب عليها ، ووصل إلى دير العاقول ، فسار المعتمد لحربه . وقال أبو الفرج الكاتب : نهض الخليفة لمحاربة الصفار ، ولم تزل كتبه تصل إلى الخليفة بالمراوغة ويقول : إني قد علمت أن نهوض أمير المؤمنين يشرفني وينبه على موقعي منه .
والخليفة يرسل إليه ويأمره بالانصراف ، ويحذره سوء العاقبة . ثم عبى الخليفة جيشه ، وأرسلوا المياه على طريق الصفار ، فكان ذلك سبب هزيمته ، فإنهم أخذوا عليه الطريق وهو لا يعلم . والتحم القتال ، ثم انهزم الصفار وغنموا خزائنه .
وتوهم الناس أن ذلك حيلة منه ومكر ، ولولا ذلك لاتبعوه . ورجع المعتمد منصوراً مسروراً . وخلص من أسر الصفار يومئذ محمد بن طاهر أمير خراسان ، وجاء في قيوده إلى الخليفة ، فخلع عليه خلعةً سلطانية .
وقيل إن بعض جيش يعقوب كانوا نصارى على أعلامهم الصلبان . وكانت الوقعة في ثاني عشر رجب سنة اثنتين وستين .وانهزم الصفار إلى واسط ، وعاث أصحابه في أعمال واسط ، ثم سار إلى تستر ، لم يهجه أحد ، ولا قحموا عليه ، فحاصر تستر وأخذها . وتراجع جيشه وكثر جمعه .
وكان موته بالقولنج ، فقيل : إن طبيبه أخبره أن لا دواء له إلا الحقنة فامتنع ، وبقي ستة عشر يوماً وهلك . وكان المعتمد قد نفذ إليه رسولاً يترضاه فوجده مريضاً . وكان الحسن بن زيد العلوي صاحب جرجان يسميه يعقوب السندان لثباته .
وكان قل أن يرى متبسماً . وولي بعده أخوه وأحسن السيرة إلى الغاية ، وامتدت أيامه . مات يعقوب في رابع عشر شوال سنة خمس وستين بجنديسابور .