حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب

إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب ، أبو إسحاق التميمي الأغلبي أمير القيروان وابن أمرائها . ولي الأمر سنة إحدى وستين ومائتين ، وكان عادلاً سائساً حازماً صارماً ، كانت التجار تسير من مصر إلى سبتة لا تعارض ولا تروع . ابتنى الحصون والمحارس على سواحل البحر ، بحيث كانت توقد النيران في ليلة واحدة من سبتة إلى الإسكندرية؛ حتى يقال : كان بأرض المغرب من بنائه وبناء آبائه ثلاثون ألف حصن ، وهذا شيء لم يسمع بمثله لملك .

وقد مصر سوسة وعمل لهم سوراً؛ وأقام في الملك بضعاً وعشرين سنة . وقد دونت سيرته وأيامه وعدله وبذله وجوده ، وكان متصدياً للعدل وإنصاف الرعية ، معتنياً بذلك . فقيل : إن امرأة تاجر اتصل خبر جمالها بوزيره ، فأرسل الوزير إليها فأبت ، فكلف بها ، وبث أمره إلى عجوز تغشاه ، كانت حظية عند الأمير إبراهيم وعند أمه يتبركون بها ، ويطلبون منها الدعاء؛ فقالت : أنا أقضي الشغل .

وقصدت المرأة فدقت بابها ، ففتحت لها الجارية وكانت العجوز مشهورة في البلد ، فتلقتها المرأة وقبلت يدها ، وقدمت لها شيئاً . فقالت : أنا على نية ، ويكون وقتاً آخر . وإنما أصابت إزاري نجاسة فأريد غسلها .

فأحضرت الطست والصابون ، وغسلت طرفه بنفسها . وقامت العجوز تصلي حتى نشف ولبسته وذهبت . ثم ترددت إليها وتأكدت المعرفة ، فقالت لها : عندي يتيمة أريد عرسها الليلة ، فإن خف عليك تعيريها حليك؟ قالت : يا حبذا ، وأعطتها حق الحلي ، فانصرفت ، وجاءت بعد أيام فقالت : يا أمي وأين الحلي؟ قالت : عبرت إلى فلان وهو معي ، فلما علم أنه لك أخذه مني وحلف أن لا يسلمه إلا إليك .

قالت : لا تفعلي . قالت : هذا الذي تم . ومضت ، فاشتد على المرأة البلاء ، وبقيت تتقلى ، فلما دخل زوجها رأى الضر في وجهها ، فسألها فأعلمته القصة ، فاشتد بلاؤه ، ثم أنهى أمره إلى الأمير إبراهيم ، وقص عليه القصة ، فتغير لذلك وقال : اكتم هذا ، وائتني بعد يومين ، ثم دخل إلى أمه ، وطلب منها العجوز ، فحضرت ، فاحترمها ووانسها ، ووضع رأسه في حجرها ، وأخذ يتمسح بها ، وأخذ خاتمها وجعل يقلبه ويشاغلها .

ودعا خادماً وكلمه بالصقلبية : امضي إلى دار العجوز . وقل لبنتها : أمك تقول لك هاتي حق الحلي ، فقد طلبت أم الأمير أن تعمل لها مثله . وهذا خاتمها .

فمضى الخادم ، وجاء لوقته بالحق . فنظر الأمير فيه فوجده كما وصف الرجل ، وتغيرت العجوز واعترفت ، فطلب الفؤوس والمجارف وحفر في الحال حفرة ، فألقيت العجوز فيها . وصاحت أمه ، فقال : لئن لم تسكتي لألحقنك بها ، تدخلين إلى قصري قواده!؟ وجاءه الرجل للموعد ، فأعطاه الحق وزاده من حلي أهله ، وقال : ما منعني من معاجلة الوزير إلا خوف شهرة أهلك .

وأنا أفكر في هلاكه بوجه . ثم قتله بعد قليل . وعن بعضهم قال : قدمت سجلماسة لألحق الرفقة إلى مصر ، وكان معي ثلاثة آلاف دينار ، فخرجت من القيروان مسرعاً حتى دخلت إلى قابس .

فلما سرت عنها فرسخاً لقيني سبعة فوراس ، فأنزلوني ، وأخذوا الخرج ، وقتلوا الغلام ، وأضجعوني للذبح ، فتضرعت إليهم وقلت : غريب ولا أعرفكم فأطلبكم . وقد أخذتم الذهب ، وخلفي أطفال ، فأطلقوني لله . وبكيت .

فأطلقوني ، فرجعت إلى قابس ، فما عرفت بها أحداً ، فذهبت إلى القيروان راجلاً عرياناً ، فأتيت صديقاً لي ، فأصلح شأني وقال : أعلم الأمير . فقصدناه وهو جالس للناس ، فقصصت عليه شأني ، فتنمر ، وأمرني بالجلوس . ثم رأيته يأمر وينهى ، فلما قام أمر بعض الخدم فأدخلني القصر ، وبعث إلي طعاماً ، ثم نمت ، ثم طلبني قبل العصر إلى روشنه ، ودعا أمير الجيش فقال : هل وجهت إلى طرابلس بخيل؟ قال : نعم ، سبعة فوارس وقد عادوا .

قال : فطلبهم ، وقال : من تعرف من هؤلاء فعرفني به؟ فقلت : هذا منهم ، إلى أن جمع السبعة . فأخذهم بالرغبة والرهبة فأنكروا ، ففرقوا في بيوت ، وجيء بالسياط وضربوا مفرقين ثم دار بنفسه عليهم ، وبقي يقول للواحد : قد اعترف صاحبك بعد الهلاك ، فلا تحوج نفسك إلى ما حل به ، فأقروا وأحضروا الخرج والبغلة والثياب ، لم تنقص سوى سبعة دنانير . فأتمها إبراهيم من ماله ، وأعطاني غلاماً ، وخفرني بناس إلى طرابلس ، فلما عبرنا على الموضع الذي أخذت فيه وجدت السبعة فوارس على الخشب ، والكلاب تأكل من أقدامهم .

وقيل : إنه جاءه قوم برجل ، في يده سكين ، وثيابه ملطخة بالدماء ، فقال : ما لهذا؟ قالوا : أبونا خرج لصلاة الصبح ، فوجد في الطريق مذبوحاً ، وهذا قائم عنده هكذا . فقال : أقتلت؟ قال : نعم . قال : اذهبوا به فاقتلوه .

وقال : إن اخترتم أن أؤدي عنه الدية ، وأوليكم شيئاً فعلت . قالوا : ما نريد إلا القصاص .فراحوا به ، فلما هموا بقتله برز رجل من الحلق وقال : والله ما هذا قتله ، وأنا قتلته . فرجعوا به ، فأقر عند الأمير ، فقال لذاك : وما الذي ألجأك إلى الإقرار؟ قال : أصلح الله الأمير ، عبرت فوجدت أبوهم يضطرب والسكين في نحره ، فخطر لي أنني إن أزلت السكين من نحره ربما سلم .

فأزلتها فمات والسكين في يدي ، والدم على ثوبي ، فرأيت الإقرار أولى من العذاب بالضرب والمثلة . فقال الأمير : وهذا أيضاً إن اخترتم أخذ الدية وأن أوليكم فعلت . قالوا : ما نريد إلا القود .

ثم راحوا ليقتلوه ، فبدرهم رجل من الحلقة ، وقال : والله ما قتله الأول ولا الثاني ، وما قتله إلا أنا . فردوا إلى الأمير ، وزاد التعجب ، فقال : لذاك : أقتلت؟ قال : لا والله . قال : فما أحوجك إلى الإقرار؟ قال : إني كنت في شبابي مسرفاً على نفسي ، وقتلت جماعة ثم تبت ورجعت إلى الله .

وكنت في غرفة لي ، فأخرجت رأسي فرأيت الشيخ قد أضجعه رجل وذبحه وهرب ، فجاء ذاك وأنا أنظر ، فأزال السكين ، فأمسكوه ، وأنا أعلم براءته ، فلما قدم للقتل سمحت نفسي بالقتل ، عسى أن يغفر لي ما مضى .فسأل الثالث فأقر ، وأبدى أسباباً عرف بها أنه قاتله .وقال : لما رأيت هذا وهو بريء قد فدى بنفسه ذاك الأول . قلت : أنا أولى من أدى حقا وجب عليه ، فقال الأمير : إن اخترتم أخذتم الدية والولاية أيضاً . قالوا : لا نفعل .

فلما ذهبوا ليقتلوه ودارت الحلقة قالوا : اللهم إنا قد عفونا عنه لا لما بذله الأمير من الدية والولاية ، ولكن لوجهك خالصاً . وقيل : إن الأمير إبراهيم خرج يوماً إلى نزهة ، فقدم إليه رجل قصة وقال : إجلالك أيها الأمير يمنعني أن أذكر حاجتي ، وإذا في القصة : إنني عشقت جارية وتيمني حبها ، فقال مولاها : لا نبيعها بأقل من خمسين دينارا ، فنظرت في كل ما أملكه فإذا هو ثلاثون ديناراً ، فإن رأى الأمير النظر في أمري .فأطلق له مائة دينار . فسمع به آخر ، فتعرض له الآخر وقال : أعز الله الأمير ، إني عاشق .

قال : فما الذي تجد؟ قال : حرارة ولهيباً . قال : اغمسوه في الماء مرات حتى يبرد ما بقلبه . ففعلوا به ذلك فصاح ، فقال : ما فعلت الحرارة؟ قال : ذهبت والله وصار مكانها برد .

فضحك وأمر له بثلاثين ديناراً . وكان طبيبه إسحاق بن عمران الإسرائيلي بارعاً في الطب ، مشهوراً ، وهو صاحب أطريفل إسحاق .وكان المعتمد أنفذ إسحاق إليه من بغداد . وكان إبراهيم يجزل عطاياه .

وكان إسحاق يعجب بنفسه ويسيء أدبه على إبراهيم ويقول : بعد مجالسة الخلفاء صرت إلى ما أنا فيه ، فلما أكثر عليه أمر بفصده في الأكحلين من ذراعيه إلى أن كاد يهلك . ثم رق له وقال : يمكنك أن ترد رمقك؟ قال : نعم ، تشد المواضع ، وتعجل لي بشرائح مشوية أمتصها . ففعل وسلم .

وتمادى على طباعه ، فأمر بقتله ، فقال : والله إن مزاجك ليقضي بأن يصيبك من الخلط السوداوي ما يعجز عنه حذاق الأطباء ، ويحتاج إلي ، فقتله وصلبه ، فبقي حتى عشش الحداء في جوفه ، وهاج بإبراهيم كما قال خلط سوداوي ، فقتل فيه جماعة من إخوته وأهله وبناته . ثم أفاق وأظهر التوبة ، ورد المظالم ، وفرق الأموال والصدقات في سنة ثمان وثمانين فظهر فيها أبو عبد الله الشيعي ، فنفذ لحربه ابنه الأحول في اثني عشر ألفاً ، فالتقى هو وأبو عبد الله ، فهزمه أبو عبد الله ، ثم جرت بينهما حروب . ثم هزم أبو عبد الله ووصل الأحول إلى تاهرت فحرقها ، وهدم قصر أبي عبد الله ، وحرق مسيلة وساق وراءه .

ثم رد إلى إفريقية لما بلغه توجه أبيه إبراهيم إلى الجهاد . ونفد إبراهيم إلى ابنه أمير صقلية يأمره بولاية ولده زيادة الله على صقلية ، وأن يسير إليه ، ففعل . فلما قدم عليه ولاه إفريقية ، وكتب له العهد ، وأحضر قاضيه عيسى بن مسكين ، وكان من الصالحين ، فاستشاره ، فأمره برد المظالم ، فكشفت الدواوين من يوم ولايته ، وكل من كانت له مظلمة ردت عليه .

وعزم على الحج على طريق الإسكندرية ، ونودي بذلك ثم خاف لما بينه وبين أحمد بن طولون أن تسفك الدماء فعول على التوجه على جزيرة صقلية ليجمع بين الحج والجهاد ، وليفتح ما بقي بها من الحصون ، وخرج إلى سوسة بجيشه في أول سنة تسع وثمانين ، فدخلها وعليه فرو مرقع في زي الزهاد ، وأخرج المال ، وأعطى الفارس عشرين ديناراً ، والراجل عشرة دنانير . ووصلت الأسطول طرابلس ، واجتمعت العساكر وفيهم ولده أبو الليث ، وولد ولده أبو مضر بن أبي العباس ، وأخوه معد . وافتتح حصونا ثم نزل على طبرمين وافتتحها عنوة .

ثم لحقه زلق الأمعاء ، وأخذه فواق ، فمات رحمه الله في تاسع عشر ذي القعدة سنة تسع وثمانين ، فرجع الجيش به إلى صقلية ، فدفن بها في قبة . وقام بالأمر بعده أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد المتوفى سنة تسعين .

موقع حَـدِيث