إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير ، أبو إسحاق الحربي الفقيه الحافظ ، أحد الأعلام . ولد سنة ثمان وتسعين ومائة . وطلب العلم سنة بضع عشرة فسمع هوذة بن خليفة ، وأبا نعيم ، وعمرو بن مرزوق ، وعبد الله بن صالح العجلي ، وعاصم بن علي ، وعفان ، وأبا عمر الحوضي ، وأبا سلمة التبوذكي ، ومسدد بن مسرهد ، وأبا عبيد القاسم بن سلام ، وشعيب بن محرز .
وتفقه على الإمام أحمد وحمل عنه الكثير ، وكان من نجباء أصحابه . روى عنه : ابن صاعد ، وعثمان ابن السماك ، وأبو بكر النجاد ، وأبو بكر الشافعي ، وعمر بن جعفر الختلي ، وعبد الرحمن بن العباس المخلص ، وخلق آخرهم موتاً أبو بكر القطيعي . قال الخطيب : كان إماماً في العلم ، رأساً في الزهد ، عارفاً بالفقه ، بصيراً بالأحكام ، حافظاً للحديث ، مميزاً لعلله ، قيماً بالأدب ، جماعة للغة .
صنف غريب الحديث وكتباً كثيرة ، أصله من مرو . وقال القفطي في تاريخ النحاة : كان رأساً في الزهد ، عارفاً بالمذاهب ، بصيراً بالحديث حافظاً له ، له في اللغة كتاب غريب الحديث ، وهو من أنفس الكتب وأكبرها في هذا النوع . وقال ابن جهضم ، وهو ضعيف : حدثنا الخلدي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن ماهان قال : سمعت إبراهيم بن إسحاق يقول : أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهنأ بعيشه .
وكان يقول : قميصي أنظف قميص ، وإزاري أوسخ إزار . ما حدثت نفسي أنهما يستويان قط ، وفرد عقبي صحيح والآخر مقطوع ، ولا أحدث نفسي أني أصلحها ، ولا شكوت إلى أهلي وأقاربي حمى أجدها . لا يغم الرجل نفسه وعياله ، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحداً .
وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين ، إن جاءتني بهما أمي أو أختي ، وإلا بقيت جائعاً إلى الليلة الثانية .وأفنيت ثلاثين سنة برغيف في اليوم والليلة ، إن جاءتني امرأتي أو بناتي به ، وإلا بقيت جائعاً ، والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة . وقام إفطاري في رمضان هذا بدرهم ودانقين ونصف . وقال أبو القاسم بن بكير : سمعت إبراهيم الحربي يقول : ما كنا نعرف من هذه الأطبخة شيئاً ، كنت أجيء من عشي إلى عشي ، وقد هيأت لي أمي باذنجانة مشوية ، أو لعقة بن ، أو باقة فجل .
وقال أبو عمر الزاهد : سمعت ثعلب يقول غير مرة : ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة أو نحو من خمسين سنة . قال الخطيب : أخبرنا محمد بن جعفر بن علان قال : أخبرنا عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الطوماري قال : جئت إلى إبراهيم الحربي وقد فاتني حديث ، فأخذته وجئت به إليه ، فقلت : فاتني هذا . قال : ضعه على رأسك .
ففعلت ، وكان إلى جنبه محمد بن خلف وكيع ، فقال له : يا سيدي ، هذا من ولد ابن جريج . فأدناني ثم قال : حدثنا أحمد بن منصور ، قال : حدثنا عفان ، ثم قال لوكيع : لو قلت لك : حدثنا عفان من أين كنت تعلم؟ فقال رجل : يا أبا إسحاق ، لو قلت فيما لم تسمع : سمعت ، ما حول الله هذه الوجوه إليك . قال محمد بن أيوب العكبري : سمعت الحربي يقول : ما تروحت ولا روحت قط ، ولا أكلت من شيء في يوم مرتين .
قال أبو الحسين بن سمعون : قال أحمد بن سليمان القطيعي : أضقت إضاقة ، فأتيت إبراهيم الحربي لأبثه ، فقال لي : لا يضيق صدرك ، فإن الله من وراء المعونة ، فإني أضقت مرة حتى انتهى أمري إلى الإضاقة إلى أن عدم عيالي قوتهم ، فقالت الزوجة : هب أني وإياك نصبر ، فكيف بالصبيين ؟ هات شيئًا من كتبك نبيعه أو نرهنه ، فضننت بذلك ، وقلت : أقترض غدًا . فلما كان الليل دق الباب ، فقلت : من ذا ؟ قال : رجل من الجيران ، أطفئ السراج حتى أدخل . فكببت شيئًا على السراج ، فدخل وترك شيئًا ، فقام فإذا هو منديل فيه أنواع من المآكل ، وكاغد فيه خمسمائة درهم ، فأنبهنا الصغار وأكلوا .
ثم من الغد ، إذا جمال يقود جملين ، عليهما حملان ورقا ، وهو يسأل عن منزلي ، فقال : هذان الجملان أنفذها لك رجل من خراسان ، واستحلفني أن لا أقول من هو . قلت : إسنادها فيه انقطاع . قال الحسين بن فهم : لا ترى عيناك مثل الحربي ، إمام الدنيا .
لقد رأيت وجالست العلماء ، فما رأيت رجلًا أكمل منه . وقال الحاكم : سمعت محمد بن صالح القاضي يقول : لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب ، والفقه ، والحديث ، والزهد . قلت : يريد اجتماع الأربعة علوم .
وقال أبو أيوب سليمان بن الخليل : سمعت الحربي يقول : في غريب الحديث ثلاثة وخمسون حديثًا ليس لها أصل . قال الدارقطني : أبو إسحاق الحربي إمام مصنف ، عالم بكل شيء ، بارع في كل علم ، صدوق . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : كان يقول لي أبي : امض إلى إبراهيم الحربي حتى يلقي عليك الفرائض .
وقال أبو بكر الشافعي : سمعت إبراهيم الحربي يقول : عندي عن علي ابن المديني قمطر ، ولا أحدث عنه بشيء لأني رأيته المغرب وبيده نعله مبادرًا ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : ألحق الصلاة مع أبي عبد الله . قلت : من أبو عبد الله ؟ قال : ابن أبي دؤاد . وقال أبو الحسن العتكي : سمعت إبراهيم الحربي يقول لجماعة عنده : من تعدون الغريب في زماننا ؟ فقال واحد : الغريب من نأى عن وطنه .
وقال آخر : الغريب من فارق أحبابه . وقال كل واحد شيئًا ، فقال : الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين ، إن أمر بالمعروف آزروه ، وإن نهى عن المنكر أعانوه ، وإن احتاج إلى سبب من الدنيا مانوه ، ثم ماتوا وتركوه . وقال أبو الفضل الزهري ، عن أبيه ، عن الحربي ، قال : ما أنشدت بيتًا قط ، إلا قرأت بعده : ﴿قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرات .
قال السلمي : سألت الدارقطني عن إبراهيم الحربي ، فقال : كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه . وقال غيره : سير المعتضد إلى إبراهيم الحربي عشرة آلاف ، فردها ، فقيل له : فرقها . فأبى .
ثم لما مرض سير إليه المعتضد ألف دينار ، فلم يقبلها . فخاصمته ابنته فقال : أتخشين إذا مت الفقر ؟ قالت : نعم . قال في تلك الزاوية اثنا عشر ألف جزء حديثية ولغوية وغير ذلك ، كتبتها بخطي ، فبيعى منها كل يوم جزءًا بدرهم وأنفقيه .
توفي لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثمانين ، وصلى عليه يوسف القاضي ، وكانت جنازته مشهودة .