خمارويه بن أحمد بن طولون الملك أبو الجيش
خمارويه بن أحمد بن طولون الملك أبو الجيش صاحب مصر والشام بعد والده . ولد سنة خمسين ومائتين وولي الأمر سنة سبعين . كان جوادًا ممدحًا ، شجاعًا مبذرًا لبيوت الأموال .
ذكر أبو الفتح بن مسرور البلخي ، عن علي بن محمد المادرائي ، عن عم أبيه أبي علي الحسين بن أحمد الكاتب قال : كان أبو الجيش خمارويه يتنزه بمرج دمشق بعذرا ، فغنى له المغني صوتًا أبدل منه كلمة وهو : قد قلت لما هاج قلبي الذكرى وأعرضت وسط السماء الشعرى ما أطيب الليل بسر مرأى . فقال : ما أطيب الليل بمرج عذرا . فأمر له أبو الجيش بمائة ألف دينار .
فقلت : أيها الأمير ، تعطي مغنيًا في بدل كلمة مائة ألف دينار ، وتضايق المعتضد . فقال لي : فكيف أعمل وقد أمرت ، ولست أرجع ؟ فقلت : تجعلها مائة ألف درهم . فقال لي : فأطلقها له معجلة ، وما بقي نبسطها في سنين حتى تصل إليه .
قال ابن مسرور : وحدثني أبو محمد ، عن أبيه قال : كنت مع أبي الجيش على نهر ثورا ، فانحدر من الجبل أعرابي فأخذ بلجامه ، فصاح به الغلمان فقال : دعوه . قال : أيها الملك اسمع لي . قال : قل .
فقال : إن السنان وحد السيف لو نطقا لحدثا عنك بين الناس بالعجب أفنيت مالك تعطيه وتنهبه يا آفة الفضة البيضاء والذهب . فأعطاه خمس مائة دينار . فقال : أيها الملك زدني .
فقال للغلمان : اطرحوا سيوفكم ومناطقكم . فقال : أيها الملك ، أثقلتني . قال : أعطوه بغلًا .
ونقل غيره واحد أن محمد بن أبي الساج قصد خمارويه في جيش عظيم من بلاد أرمينية والجبال ، وسار إلى جهة مصر ، فالتقاه خمارويه فهزمه خمارويه ، وكانت ملحمة مشهودة . ثم ساق خمارويه حتى بلغ الفرات ودخل أصحابه الروم ، وعاد وقد ملك من الفرات إلى النوبة . ولما استخلف المعتضد بادر خمارويه وبعث إليه بالهدايا والتحف ، وسأله أن يزوج بنته قطر الندى بولده المكتفي بالله .
فقال المعتضد : بل أنا أتزوجها . فتزوج بها في سنة إحدى وثمانين ، ودخل بها في آخر العام . وأصدقها ألف ألف درهم .
فيقال : إن المعتضد أراد بزواجها أن يفقر أباها . وكذا وقع ، فإنه جهزها بجهاز عظيم يتجاوز الوصف . حتى قيل : إنه أدخل معها ألف هاون من الذهب ، والله أعلم بصحة ذلك .
والتزم للمعتضد أن يحمل إليه في السنة مائتي ألف دينار ، بعد القيام بمصالح بلاده . قال ابن عساكر : قرأت بخط أبي الحسين الرازي : حدثني إبراهيم بن محمد بن صالح الدمشقي قال : كان أبو الجيش كثير اللواط بالخدم مفتريًا على الله . بلغ من أمره أنه دخل الحمام ، فأراد من واحد الفاحشة ، فتمنع فأمر أن يدخل في دبره يد كرنيب .
ففعل به ، فصاح واضطرب في الحمام إلى أن مات . فأبغضه الخدم ، واستفتوا العلماء في حد اللوطي ، فقالوا : حده القتل . فتواطئوا على قتله ، فقتلوه في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين في قصره بدير مران ظاهر دمشق .
وهربوا ، فظفر بهم طغج بن جف الأمير ، فأدخلهم دمشق مشهورين ، ثم ضرب أعناقهم . وقيل : إنه نقل إلى مصر ، فدفن عند أبيه . وروى عبد الوهاب بن الحسن بن الحسن الكلابي ، عن أبيه أنه ذهب إلى حمص ، قال : عرفني مؤذن الجامع ، فأضافني في المأذنة في ليلة مقمرة ، فلما كان وقت السحر قام يؤذن فأشرفت من المأذنة ، فإذا بكلب قد جاء إلى كلب ، فقام إليه فقال : من أين جئت ؟ قال : من دمشق ، الساعة قتل أبو الجيش بن طولون ، قتله بعض غلمانه .
فقلت : للمؤذن : ألا تسمع ؟ قال : نعم . وأصبحنا ، فورخت ذلك ، وسرت إلى دمشق ، فوجدته صحيحًا .