حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

عمرو بن الليث الصفار

عمرو بن الليث الصفار ، أخو يعقوب بن الليث السجستاني ، الملكين . كان هو وأخوه صفارين بسجستان يصنعان النحاس . وقيل : كان عمرو مكاري حمير .

قال عبيد الله بن طاهر : عجائب الدنيا ثلاث ؛ جيش العباس بن عمرو الغنوي يؤسر العباس ويسلم وحده ويقتل جميع جيشه وكانوا عشرة آلاف ، يعني قتلتهم القرامطة . وجيش عمرو بن الليث الصفار ، يؤسر عمرو وحده ويموت في سجن الخليفة ، ويسلم جميع جيشه وكانوا خمسين ألفًا . وأنا أترك في بيتي بطالا ، ويولى ابني أبو العباس .

قلت : ولي عمرو بن الليث مملكة فارس متغلبًا عليها بعد موت أخيه بالقولنج سنة خمس وستين ، وقد جرت لهما أمور يطول شرحها ، وتقلبت بهما الأحوال إلى أن بلغا درجة السلطنة بعد الصنعة في الصفر . وكان عمرو جميل السيرة في جيوشه ، ذكر السلامي أنه كان ينفق في الجند في كل ثلاثة أشهر مرة ، فيحضر بنفسه ، ويقعد عارض الجيش والأموال بين يديه ، والجند بأسرهم حاضرون ، فأول ما ينادي إنسان باسم عمرو بن الليث ، فيقدم فرسه إلى العارض بجميع آلتها فيتفقدها ، ثم يأمر بوزن ثلاثمائة درهم ، فتحمل إلى الملك عمرو في صرة ، فيقبضها ويقول : الحمد لله الذي وفقني لطاعة أمير المؤمنين حتى استوجبت منه العطاء . ثم يضعها في خفه ، فتكون لمن يقلعه الخف .

ثم يدعى بعده بالأمراء على مراتبهم بخيولهم وعددهم وآلتهم فتعرض ، فمن أخل بشيء من لوازم الجند حرم رزقه . وقيل : كان في خدمة زوجة عمرو ألف وسبعمائة جارية . وقد دخل في طاعة الخلفاء ، فولي للمعتضد إمرة خراسان ، وامتدت أيامه واتسع سلطانه ، وقد سقنا من أخباره في الحوادث .

وحاصل الأمر أنه بغى على إسماعيل بن أحمد بن أسد متولي ما وراء النهر وأراد أخذ بلاده ، فبعث إليه إسماعيل يقول : أنا في ثغر وقد قنعت به ، وأنت معك الدنيا فاتركني . فلم يدعه ، وعزم على حربه ، فعبر إسماعيل نهر جيحون إليه بغتة في الشتاء ، فخارت قوى عمرو وأخذ في الهرب في الوحل والبرد ، فأحاط به أصحاب إسماعيل وأسروه . قال ابن عرفة نفطويه النحوي في تاريخه : حدثني محمد بن أحمد بن خيار الكاتب - وكان شخص مع عبد الله بن الفتح حين وجه به إلى إسماعيل بن أحمد - قال : كان السبب في انهزام عمرو بن الليث وهربه وهرب أصحابه عند عبور إسماعيل إلى بلخ ومقام عمرو بها أن أهلها سئموا مقامه ونزول أصحابه في منازلهم ، وإفسادهم أولادهم ، ومد أيديهم إلى أموالهم .

فوافى إسماعيل فأقام على باب بلخ مدة ، ثم خرج أمير من أمراء إسماعيل في أربعين رجلًا إلى موضع فيه ثلج على فرسخ من بلخ ليحمل لإسماعيل الثلج ، فصادف رجالًا من أصحاب عمرو في الموضع ، فأوقع بهم وقتل ، فانهزموا مجروحين إلى البلد ، فأنذروا أصحاب عمرو ، وعرفوهم أن إسماعيل قد قدم ، فأخذوا في الهزيمة ، فركبت عساكر إسماعيل أقفيتهم ، وخرج عمرو من البلد هاربًا عندما رأى من هرب جيشه من غير حرب جرت ، وتقطر بعمرو شهري تحته في محور ووحول على نحو فرسخين ، وصادفه غلمان إسماعيل الأتراك وهو قاعد في الموضع والشهري واقف ، فأتوا به مضرب إسماعيل صاحبهم ، فقام إليه إسماعيل وضمه إلى نفسه وقبل عينيه وأجلسه إلى جانبه ، وقال : عز علي والله يا أخي ما نالك ، وما كنت أحب أن يجري هذا . وأمر بنزع خفه وثيابه التي استوحل فيها ، ودعا له بطست وماء ورد فغسل وجهه ورجليه ، وألبسه خلعة ، ودعا له بسكنجبين ، وفي خلال ذلك يمسح إسماعيل وجه عمرو بمنديل معه ، فامتنع من السكنجبين ، فقال له أبو بكر وزير إسماعيل : اشرب واطمئن . وأخذ إسماعيل القدح فشرب وناوله ، ثم دعا بالطعام وأكلا ، وقال : أيما أحب إليك ؛ المقام ، أو البعثة بك إلى أخي أبي يعقوب إسحاق متولي سمرقند ؟ قال : احلف لي أنك لا تغدر بي ، ولا تغتالني ، ولا تسلمني .

فحلف له وتوثق ، ثم بعث به إلى أخيه ، ووافى عبد الله بن الفتح من المعتضد بالخلع والمال إلى إسماعيل ، وبكتاب المعتضد يأمره فيه بتسليم عمرو إليه ، فامتنع وقال : هذا رجل أهل خراسان والري وجميع البلدان التي يجتاز بها ؛ يميلون إليه ، وهم كالعبيد له ، ومتى سلمته إليك وشخصت به لم آمن أن تخرج إليكم العساكر من عند طاهر بن محمد بن عمرو ، فيسلمونه منكم ، ويوقعون بكم . ولولا أن الله أظفرني به بلا حرب لطال علي أن أظفر به ، ومن كنت أنا عنده مع قوة سلطانه ؟ والله يا أبا محمد لقد كتب إلي من غير تكنية يقول : يا ابن أحمد ، والله لو أردت أن أعمل جسرًا على نهر بلخ من دنانير لا من خشب لفعلت وصرت إليك حتى أقبض عليك . فكتبت إليه : الله بيني وبينك ، وأنا رجل ثغري مصاف للترك ، لباسي الكردواني والغليظ ، لا مال لي ، ورجالي إنما هو جيش بغير رزق ، وقد بغيت علي ، والله بيني وبينك .

فلم يزل عبد الله يناظره ويسأله تسليم عمرو إليه ، فقال : إن أحببت أن يحمل رأسه إلى سيدي أمير المؤمنين ، وطال الخطاب إلى أن أذعن بحمله معه ، فوافى رجال إسحاق بعمرو بن الليث ، وسلم إلى عبد الله مقيدًا وعليه دراعة خز مبطنة بثعلب ، ووكل به تكين التركي ، وأمر أن يعادله على الجمازة في قبة ، ومعه سكين طويلة ، وقال : متى خرج إليكم أحد يحاربكم فاذبحه في الحال . وبعث معه نحو خمسمائة نفس ، فكان عمرو يدعو الله على إسماعيل ويقول : غدر بي ، خذله الله . ولم يزل صائمًا إلى أن وافى كتاب الوزير عبيد بن سليمان إلى عبد الله بن الفتح يأمره بترفيهه وبسط أمله وإكرامه ، فأكل ثلاثة أيام ، وعاود الصوم .

وجرت له أمور حتى أنه اشتري له فانيذ بثلاثة دراهم ، فعرفت أبا حامد أحمد بن سهل وكيله بذلك ليشتري له ، فبكى وجعل يتعجب من الدنيا وقال : يا أبا الحسن ، عهدي به إذا سار إلى بلده يحمل فرشه ومطبخه على ستمائة جمل ، وهو اليوم يطلب بدرهم فانيذًا ، ورأيت سراويل عمرو وقد نزلنا سمنان على حائط الخان ، وقد غسله غلامه ، والريح تلعب به ، والناس يتعجبون من ذلك . وكان إذا سار معنا يخرج رأسه من العمارية ويقول لمن يمر به بالفارسية : يا سادتي ، ادعو الله لي بالفرج . فكان الناس وأصحاب عبد الله بن الفتح يدعون له ، وكان يتصدق بسائر ما يرتب له من المنزل .

وأما تكين عديله ، فإنه أكل حملًا تامًا ، فمات فجاءة واستراح عمرو منه ، وأركب معه شخص ظريف كان معنا ، فكان عمرو يدعو على إسماعيل ويقول : خذله الله ، انتقم الله منه كما أسلمني . فقال له جعفر عديله : سألتك بالله ، لو كنت ظفرت بإسماعيل ، أكنت تقعده في مثل هذه القبة وهذه الفرش ؟ لا والله ، ما كنت تحمله إلا على قتب وتوريه ، فكم تلعنه ؟ فلطم وجه نفسه ونتف لحيته وصاح : يا ويله ويا عوله ؛ بالفارسية . ووجه إلى عبد الله : اكفني مؤنة هذا العيار الطنبوري وإلا خنقت نفسي .

فجاء عبد الله وأصلح بينهما ، فقال عديله : فكم يبرمني ويلعن صاحبي ؟ ومن يصبر على هذا من أحمق قيمته قيمة مكار ، والله ما يحسن أن يقرأ الفاتحة ولا كيف يصلي . وله أخبار طويلة في مسيرنا به . وأخبرني عبد الله بن الفتح أنه أمر بتقييده فجزع ، وجعل يعدد حسن آثاره وطاعته ، ولعمري ، لقد هلك أخوه يعقوب بعد هزيمته بثلاث سنين ، فغلب على الأهواز وما وراءها مظهرا للخلاف ، فلما هلك تنحى عمرو عن الأهواز ، وحمل الأموال إلى السلطان .

وأخبرني عبد الله أنه قال له حين قيده : كان لي أمس وراء هذا السور ستون ألف مقاتل ، ومن الخيل والبغال والأموال كذا وكذا ، فما نفعني الله من ذلك بشيء . وتوجه إسماعيل فافتتح خراسان وطبرستان ، وقتل محمد بن زيد العلوي وأسر ابنه ، فأنفذ إليه لواء على خراسان ، وأدخل عمرو مدينة السلام ، وشهر على فالج ، يقال إنه أهداه ، فرأيته باسطًا يديه يدعو ، فرق له الناس . ثم حبس في موضع لا يراه فيه أحد حتى مات .

وقال غيره : أدخل بغداد على جمل بسنامين ، وعليه جبة ديباج وبرنس السخط ، وعلى الجمل الديباج والزينة ، فقيل في ذلك : وحسبك بالصفار نبلًا وعزة يروح ويغدو في الجيوش أميرا حباهم بأجمال ولم يدر أنه على جمل منها يقاد أسيرا فلما أدخل على المعتضد قال : هذا ببغيك يا عمرو . ولم يزل في حبسه نحوًا من سنتين ، وهلك يوم وفاة المعتضد ، فيقال : إن القاسم بن عبيد الله الوزير خاف وبادر بقتله خوفًا من المكتفي بالله أن يطلقه ، فإنه كان محسنًا إلى المكتفي .

موقع حَـدِيث