أحمد بن محمد أبو الحسين النوري الزاهد شيخ الصوفية
أحمد بن محمد ، أبو الحسين النوري الزاهد شيخ الصوفية . كان من أعلم العراقيين بلطائف القوم . صحب السري السقطي ، وغيره .
وكان أبو القاسم الجنيد يعظمه ويحترمه . وأصله خراساني بغوي . توفي أبو الحسين النوري سنة خمس أيضاً .
وقد قدم الشام وأخذ عن : أحمد بن أبي الحواري . حكى ابن الأعرابي محنته وغيبته في أيام محنة غلام خليل ، وأنه أقام بالكوفة مدة سنين متخلياً عن الناس ، ثم عاد إلى بغداد وقد فقد أناسه وجلاسه وأشكاله ، فانقبض عن الكلام لضعف قوته ، وضعف بصره . قال أبو نعيم : سمعت عمر البناء بمكة يحكي لما كانت محنة غلام خليل ونسبوا الصوفية إلى الزندقة ، أمر الخليفة بالقبض عليهم ، فأخذ في جملتهم النوري فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم فبادر النوري إلى السياف ليضرب عنقه ، فقيل له في ذلك ، فقال : آثرت حياتهم على نفسي هذه اللحظة .
فتوقف السياف ، فرد الخليفة أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق . فسأل إسماعيل القاضي أبا الحسين النوري عن مسائل في العبادات ، فأجابه ، ثم قال له : وبعد هذا فلله عباد يسمعون بالله ، وينطقون بالله ، ويأكلون بالله . فبكى القاضي ، ودخل على الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة فليس في الأرض موحد ، فأطلقهم .
حكاية نافعة : قال أبو العباس بن عطاء : سمعت أبا الحسين النوري يقول : كان في نفسي من هذه الآيات ، فأخذت من الصبيان قصبة ، ثم قمت بين زورقين وقلت : وعزتك ، لئن لم تخرج لي سمكة ، فيها ثلاثة أرطال لأغرقن نفسي . قال : فخرجت لي سمكة فيها ثلاثة أرطال . فبلغ ذلك الجنيد ، فقال : كان حكمه أن تخرج له أفعى فتلدغه .
وعن أبي الحسين قال : سبيل الفانين الفناء في محبوبهم ، وسبيل الباقين البقاء ببقائه ، ومن ارتفع عن الفناء والبقاء ، فحينئذ لا فناء ولا بقاء . وعن القناد قال : كتبت إلى النوري وأنا حدث : إذا كان كل المرء في الكل فانياً ابن لي عن أي الوجودين يخبر فأجاب لوقته : إذا كنت فيما ليس بالوصف فانياً فوقتك في الأوصاف عندي تحير وقد ذكر ابن الأعرابي أبا الحسين النوري فقال : مضيت يوماً أنا ورويم بن أحمد ، وأبو بكر العطار نمشي على شاطئ نهر . فإذا نحن برجلٍ في مسجد بلا سقف .
فقال رويم : ما أشبه هذا بأبي الحسين النوري . فملنا إليه فإذا هو هو ، فسلمنا ، وعرفنا ، وذكر أنه ضجر من الرقة فانحدر ، وأنه الآن قدم ، ولا يدري أين يتوجه . وكان قد غاب عن بغداد أربع عشرة سنة .
فعرضنا عليه مسجدنا ، فقال : لا أريد موضعاً فيه الصوفية ، قد ضجرت منهم . فلم نزل نطلب إليه حتى طابت نفسه ، وكان قد غلبت عليه السوداء وحديث النفس ، ثم ضعف بصره وانكسر قلبه ، وفقد إخوانه ، فاستوحش من كل أحد ، ثم إنه تأنس . قال أبو نعيم : سمعت أبا الفرج الورثاني يقول : سمعت علي بن عبد الرحيم يقول : دخلت على النوري ، فرأيت رجليه منتفختين ، فسألته ، فقال : طالبتني نفسي بأكل التمر ، فجعلت أدافعها ، فتأبى علي ، فخرجت واشتريت ، فلما أن أكلت قلت لها : قومي فصلي .
فأبت . فقلت : لله علي إن قعدت على الأرض أربعين يوماً؛ فما قعدت . وقال بعضهم عن النوري قال : من رأيته يدعي مع الله حالة تخرج عن الشرع ، فلا تقتربن منه .
قال ابن الأعرابي في ترجمة النوري : فسألنا أبو الحسين عن نصر بن رجاء ، وعثمان ، وكانا صديقين له ، إلا أن نصراً تنكر له ، فقال : ما أخاف ببغداد إلا من نصر فعرفناه أنه بخلاف ما فارقه ، فجاء معنا إلى نصر . فلما دخل مسجده قام نصر ، وما أبقى في إكرامه غاية ، وبتنا عنده ، ولما كان يوم الجمعة ركبنا مع نصر زورقاً من زوارقه إلى باب خراسان ، ثم صرنا إلى الجنيد ، فقام القوم وفرحوا ، وأقبل عليه الجنيد يذاكره ويمازحه ، فسأله ابن مسروق مسألة ، فقال : عليكم بأبي القاسم . فقال الجنيد : أجب يا أبا الحسين فإن القوم أحبوا أن يسمعوا جوابك .
فقال : أنا قادم ، وأنا أحب أن أسمع . فتكلم الجنيد والجماعة والنوري ساكت ، فعرضوا له ليتكلم ، فقال : قد لقبتم ألقاباً لا أعرفها ، وكلاماً غير ما أعهد ، فدعوني حتى أسمع وأقف على مقصودكم . فسألوه عن الفرق الذي بعد الجمع ما علامته؟ وما الفرق بينه وبين الفرق الأول؟ لا أدري سألوه بهذا اللفظ أو بمعناه ، وكنت قد لقيته بالرقة سنة سبعين ، فسألني عن الجنيد ، فقلت : إنهم يشيرون إلى شيء يسمونه الفرق الثاني والصحو .
قال : اذكر لي شيئاً منه . فذكرته فضحك وقال : ما يقول ابن الخلنجي؟ قلت : ما يجالسهم . قال : فأبو أحمد القلانسي؟ قلت : مرة يخالفهم ، ومرة يوافقهم .
قال : فما تقول أنت؟ قلت : ما عسى أن أقول أنا . ثم قلت : أحسب أن هذا الذي يسمونه فرقاً ثانياً هو عين من عيون الجمع ، يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع . فقال : هو كذلك .
أنت إنما سمعت هذا من أبي أحمد القلانسي . فقلت : لا . فلما قدمت بغداد ، حدثت أبا أحمد بذلك ، فأعجبه قول النوري .
وأما أبو أحمد فكان ربما يقول : هو صحو وخروج عن الجمع . وربما قال : بل هو شيء من الجمع . ثم إن النوري لما شاهدهم قال : ليس هو عين من عيون الجمع ، ولا صحو من الجمع .
ولكنهم رجعوا إلى ما يعرفون . ثم بعد ذلك ذكر رويم ، وابن عطاء أن النوري يقول الشيء وضده ، ولا نعرف هذا إلا قول سوفسطا ، ومن قال بقوله . قال ابن الأعرابي : فكان بينهم وبين النوري وحشة ، وكان يكثر منهم التعجب .
وقالوا للجنيد ، فأنكر عليهم ، وقال : لا تقولوا مثل هذا لأبي الحسين ، ولكنه رجل لعله قد تغير دماغه . ثم إنه انقبض عن جميعهم ، وأظهر لمن لقيه منهم الجفاء ، وغلبت عليه العلة وعمي ، ولزم الصحارى والمقابر . وكانت له في ذلك أحوال يطول شرحها .
وسمعت جماعة يقولون : من رأى النوري بعد قدومه من الرقة ولم يكن رآه قبلها ، فكأنه لم يره لتغيره ، رحمه الله . قال ابن جهضم : حدثني أبو بكر الجلاء قال : كان أبو الحسين النوري إذا رأى منكراً غيره ، ولو كان فيه تلفه . فنزل يوماً يتوضأ ، فرأى زورقاً فيه ثلاثون دناً .
فقال للملاح : ما هذه؟ فقال : ما يلزمك . فألح عليه ، فقال : أنت والله صوفي كثير الفضول ، هذا خمر للمعتضد . فقال : أعطني ذلك المدرى ، فاغتاظ وقال لأجيره : ناوله حتى أبصر ما يصنع .
فأخذه ، ولم يزل يكسرها دناً دناً . فلم يترك إلا واحداً ، فأخذ النوري ، وأدخل إلى المعتضد ، فقال : من أنت ويلك؟ قلت : محتسب . قال : ومن ولاك الحسبة؟ قلت : الذي ولاك الإمامة يا أمير المؤمنين .
فأطرق ثم قال : ما حملك على ما صنعت؟ قلت : شفقة مني عليك . قال : كيف خلص هذا الدن؟ فذكر النوري ما معناه أنه كان يكسر الدنان ونفسه مخلصة ، فلما وصل إلى هذا الدن أعجبته نفسه ، فارتاب في إخلاصه ، فترك الدن . وعن أبي أحمد المغازلي قال : ما رأيت أحداً قط أعبد من النوري .
قيل : ولا الجنيد؟ قال : ولا الجنيد . وقيل : إن الجنيد مرض ، فعاده النوري ، فوضع يده عليه ، فعوفي لوقته .