سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الأستاذ
سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الأستاذ ، أبو عثمان الحيري النيسابوري الواعظ ، شيخ الصوفية وعلم الأولياء بخراسان . ولد سنة ثلاث ومائتين بالري ، وسمع بها من محمد بن مقاتل ، وموسى بن نصر ، وغيرهما . وبالعراق حميد بن الربيع ، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي .
ولم يزل يسمع الحديث ويكتب العلم إلى آخر شيء . روى عنه الرئيس أبو عمرو أحمد بن نصر ، وابناه أبو بكر ، وأبو الحسن ، وأبو عمرو بن مطر وابن نجيد ، وطائفة . قال الحاكم : كان وروده نيسابور لصحبة أبي حفص النيسابوري الزاهد ، ولم يختلف مشايخنا أن أبا عثمان كان مجاب الدعوة ، ومجمع العباد والزهاد بنيسابور ، ولم يزل يسمع الحديث ، ويجل العلماء ، ويعظم قدرهم .
سمع من أبي جعفر أحمد بن حمدان الزاهد كتابه المخرج على مسلم ، بلفظه من أوله إلى آخره ، وكان إذا بلغ موضعًا فيه سنة لم يستعملها وقف عندها ، حتى يستعمل تلك السنة . قلت : وعن أبي عثمان أخذ صوفية نيسابور ، وهو لهم كالجنيد للعراقيين . ومن كلامه : سرورك بالدنيا أذهب سرورك بالله .
وقال : العجب يتولد من رؤية النفس وذكرها ، ورؤية الناس . وقال ابن نجيد : سمعته يقول : لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصومًا . وقال أبو عمرو بن حمدان : سمعته يقول : من أمر السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وعن أبي عثمان قال : لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في المنع والعطاء ، وفي العز والذل .
وقال لأبي جعفر بن حمدان : ألستم تروون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ؟ قال : بلى . قال : فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الصالحين . قال الحاكم : أخبرني سعيد بن عثمان السمرقندي العابد قال : سمعت أبا عثمان غير مرة يقول : من طلب جواري ، ولم يوطن نفسه على ثلاثة أشياء ، فليس له في جواري موضع : أولها : إلقاء العز ، وحمل الذل ، الثاني : سكون قلبه على جوع ثلاثة أيام .
الثالث : أن لا يغتم ولا يهتم إلا لدينه أو طلب إصلاح دينه . وسمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول لما قتل يحيى ابن الذهلي : منع الناس من حضور مجالس الحديث ، أشار بهذا على أحمد بن عبد الله الخجستاني بشرويه ، والعباسان ، فلم يجسر أحد أن يحمل محبرةً ، إلى أن ورد السري بن خزيمة الأبيوردي ، فقام أبو عثمان الحيري الزاهد ، وجمع المحدثين في مسجده ، وأمرهم أن يعلقوا المحابر في أصابعهم ، وعلق هو محبرةً بيده ، وهو يتقدمهم إلى أن جاء إلى خان محمش ، فأخرج السري ، وأجلس المستملي بين يديه ، فحزرنا في مجلسه زيادة على ألف محبرة ، فلما فرغ قاموا فقبلوا رأس أبي عثمان رحمه الله ، ونثر الناس عليهم الدراهم والسكر ، وذلك في سنة ثلاثٍ وسبعين ومائتين . قلت : ذكر الحاكم ترجمته في كراسين ونصف ، فأتى بأشياء نفيسة من كلامه في اليقين والتوكل والرضا .
قال الحاكم : سمعت أبي يقول : لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني حيكان ، يعني يحيى ابن الذهلي ، أخذ في الظلم والحيف ، فأمر بحربةٍ ، فركزت على رأس المربعة ، وجمع أعيان التجار وحلف : إن لم تصبوا الدراهم حتى تغيب رأس الحربة ، فقد أحللتم دماءكم ، فكانوا يقتسمون الدراهم فيما بينهم ، فخص تاجر بثلاثين ألف درهم ، ولم يكن يقدر على ثلاثة آلاف درهم ، فحملها إلى أبي عثمان ، وقال : أيها الشيخ ، قد حلف هذا كما علمت ، ووالله لا أهتدي إلا إلى هذه . فقال له الشيخ : تأذن أن أفعل فيها ما ينفعك ؟ قال : نعم ، ففرقها أبو عثمان ، وقال للرجل : امكث عندي ، فما زال أبو عثمان يتردد بين السكة والمسجد ليلةً حتى أصبح وأذن ، ثم قال للفرغاني خادمه : اذهب إلى السوق ، فانظر ماذا تسمع ؟ فذهب ثم رجع فقال : لم أر شيئًا ، قال : اذهب مرةً أخرى . قال : وأبو عثمان يقول في مناجاته : وحقك لا أقمت ما لم تفرج عن المكروبين .
قال : فأتى الفرغاني وهو يقول : وكفى الله المؤمنين القتال ، شق بطن أحمد بن عبد الله ، فأخذ أبو عثمان في الإقامة . قال أبو الحسين أحمد بن أبي عثمان : توفي أبي ليلة الثلاثاء لعشرٍ بقين من ربيع الآخر سنة ثمانٍ وتسعين ، وصلى عليه الأمير أبو صالح .