صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان بن المنذر
صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان بن المنذر ابن أبي الأشرس عمار ، مولى أسد بن خزيمة الحافظ أبو علي الأسدي البغدادي جزرة . نزيل بخارى . ولد سنة خمس ومائتين ببغداد ، وسمع سعيد بن سليمان سعدويه ، وخالد بن خداش ، وعلي بن الجعد ، وعبيد الله بن عائشة ، وعبد الله بن محمد بن أسماء ، ويحيى الحماني ، وهشام بن عمار ، ويحيى بن معين ، والأزرق بن علي ، وأبا نصر التمار ، وأحمد بن حنبل ، وهدبة بن خالد ، ومنجاب بن الحارث ، وخلقًا كثيرًا بالشام ، والعراق ، وخراسان ، ومصر ، وما وراء النهر .
وعنه مسلم بن الحجاج ، وهو أكبر منه ، وأحمد بن علي بن الجارود الأصبهاني ، وأبو النضر محمد بن محمد الفقيه ، وخلف بن محمد الخيام ، وأبو أحمد علي بن محمد الحبيبي ، وبكر بن محمد الصيرفي ، وأحمد بن سهل ، والهيثم بن كليب ، ومحمد بن محمد بن صابر ، وآخرون . ودخل بخارى سنة ست وستين ، فسكنها لما رأى من الإحسان من أمير بخارى . قال الدارقطني : هو من ولد حبيب بن أبي الأشرس .
أقام ببخارى وحديثه عندهم ، وكان ثقة حافظًا غازيا . وقال أبو سعد الإدريسي الحافظ : صالح بن محمد جزرة ما أعلم في عصره بالعراق وخراسان في الحفظ مثله . دخل ما وراء النهر ، فحدث مدة من حفظه ، وما أعلم أخذ عليه مما حدث خطأ .
ورأيت أبا أحمد بن عدي يفخم أمره ويعظمه . وقال محمد بن عبد الله الكتاني : سمعته يقول : أنا صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان بن المنذر بن أبي الأشرس عمار الأسدي ، أسد خزيمة مولاهم . وهكذا ساق نسبه الخطيب وقال : حدث من حفظه دهرًا طويلًا ولم يكن استصحب معه كتابًا ، وكان صدوقًا ثبتًا ذا مزاح ودعابة ، مشهورًا بذلك .
وقال أبو حامد ابن الشرقي : كان صالح بن محمد يقرأ على محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات ، فلما بلغ حديث عائشة أنها كانت تسترقي من الخرزة ، فقال : من الجزرة ، فلقب به ، رواها الحاكم عن يحيى بن محمد العنبري ، عنه . وقال الخطيب : هذا غلط ، لأنه لقب بجزرة في حداثته ؛ فأخبرنا الماليني ، قال : حدثنا ابن عدي قال : سمعت محمد بن أحمد بن سعدان يقول : سمعت صالح بن محمد يقول : قدم علينا بعض الشيوخ من الشام ، وكان عنده عن حريز بن عثمان ، فقرأت عليه : حدثكم حريز ، قال : كان لأبي أمامة خرزة يرقي بها المريض ، فقلت : جزرة . فلقبت : جزرة .
وقال أحمد بن سهل البخاري الفقيه : سمعت أبا علي ، وسئل : لم لقبت بجزرة ؟ فقال : قدم عمر بن زرارة الحدثي بغداد ، فاجتمع عليه خلق ، فلما كان عند فراغ المجلس سئلت : من أين سمعت ؟ فقلت : من حديث الجزرة ، فبقيت علي . وقال خلف الخيام : حدثنا سهل بن شاذويه أنه سمع الأمير خالد بن أحمد يسأل أبا علي : لم لقبت جزرة ؟ فقال : قدم علينا عمر بن زرارة فحدثهم بحديث عن عبد الله بن بسر ، أنه كان له خرزة للمريض ، فجئت وقد تقدم هذا الحديث ، فرأيت في كتاب بعضهم ، فصحت بالشيخ : يا أبا حفص ، كيف حديث عبد الله أنه كانت له جزرة يداوي بها المرضى ؟ فصاح المجان ، فبقي علي حتى الساعة . وقال البرقاني : حدثنا أبو حاتم بن أبي الفضل الهروي قال : كان صالح ربما يطنز ، كان ببخارى رجل حافظ يلقب بجمل ، فكان يمشي مع صالح ، فاستقبلهما جمل عليه جزر فقال : ما هذا على البعير ؟ قال : أنا عليك .
هذه حكاية منقطعة ، وأصح منها ما روى الحاكم ، قال : حدثنا بكر بن محمد الصيرفي قال : سمعت صالح بن محمد قال : كنت أساير الجمل الشاعر بمصر ، فاستقبلنا جمل عليه جزر فقال : يا أبا علي ، ما هذا ؟ قلت : أنا عليك . وقال جعفر المستغفري : حدثنا أحمد بن عبد العزيز ، عن بعض مشايخه قال : كان محمد بن إبراهيم البوشنجي ، وصال جزرة إذا اجتمعا في المذاكرة ، كلما روى البوشنجي عن يحيى بن بكير ، قال : حدثنا يحيى بن بكير ، والحمد لله ؛ يغيظ بذلك صالحًا لأنه لم يدركه ، فكان إذا روى عنه أحيانًا ، ولم يقل : والحمد لله ، قال صالح : أيها الشيخ ، نسيت التحميد . وقال خلف الخيام : سمعته يقول : اختلفت إلى علي بن الجعد أربع سنين ، وكان لا يقرأ إلا ثلاثة أحاديث كل يوم ، أو كما قال ، وفي رواية : كان يحدث لكل إنسان بثلاثة أحاديث ، عن شعبة .
وعن جعفر الطبسي أنه سمع أبا مسلم الكجي يقول ، وذكر عنده صالح جزرة ، فقال : ويحكم ما أهونه عليكم ، ألا تقولون سيد المسلمين ، سيد الدنيا . وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول لأبي زرعة : حفظ الله أخانا صالح بن محمد ، لا يزال يضحكنا شاهدًا وغائبًا ؛ كتب إلي يذكر أنه لما مات محمد بن يحيى الذهلي أجلس للتحديث شيخ لهم يعرف بمحمد بن يزيد محمش ، فحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا أبا عمير ، ما فعل البعير ؟ . وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تصحب الملائكة رفقةً فيها خرس .
وروى البرقاني ، عن أبي حاتم بن أبي الفضل الهروي قال : بلغني أن صالحًا سمع بعض الشيوخ يقول : إن السين والصاد يتعاقبان ، فسأل عن كنيته فقال : أبو صالح . قال : فقلت للشيخ : يا أبا سالح ، أسلحك الله ، هل يجوز أن تقرأ : نحن نقس عليك أحصن القسس ؟ فقال لي بعض تلامذته : تواجه الشيخ بهذا ؟ فقلت : فلا يكذب ، إنما تتعاقب السين والصاد في مواضع . وعن صالح جزرة قال : الأحول في البيت مبارك ، يرى الشيءَ شيئين .
وقال بكر بن محمد الصيرفي : سمعته يقول : كان عبد الله بن عمر بن أبان يمتحن أصحاب الحديث ، وكان غاليًا في التشيع ، فقال لي : من حفر بئر زمزم ؟ قلت : معاوية . قال : فمن نقل ترابها ؟ قلت : عمرو بن العاص . فصاح فيّ وقام .
وقال أبو النضر الفقيه : كنا نسمع على صالح بن محمد وهو عليل ، فبدت عورته ، فأشار إليه بعضنا بأن يتغطى ، فقال : رأيته ، لا ترمد أبدًا . وقال أبو أحمد علي بن محمد : سمعته يقول : كان هشام بن عمار يأخذ على الحديث ، ولا يحدث ما لم يأخذ ، فدخلت عليه يومًا فقال : يا أبا علي ، حدثني فقلت : حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : علّم مجانًا كما علمت مجانًا . فقال : تعرض بي ؟ فقلت : لا ، بل قصدتك .
وقال الحاكم : سمعت أبا النضر الطوسي يقول : مرض صالح جزرة ، فكان الأطباء يختلفون إليه ، فلما أعياه الأمر أخذ العسل والشونيز ، فزادت حماه ، فدخلوا عليه وهو يرتعد ويقول : بأبي يا رسول الله ، ما كان أقل بصرك بالطب . قلت : هذا مزاح خبيث لا يجوز . وقال علي بن محمد المروزي : سمعت صالح بن محمد يقول : سمعت عباد بن يعقوب يقول : الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة .
قلت : ويلك ، ولم ؟ قال : لأنهما قاتلا عليا بعد أن بايعاه . قال ابن عدي : بلغني أن صالح بن محمد جزرة وقف خلف أبي الحسين عبد الله بن محمد السمناني وهو يحدث عن بركة الحلبي بتلك الأحاديث . فقال صالح : يا أبا الحسين ، ليس ذا بركة ، ذا نقمة .
قلت : وبركة متهم بالكذب . وقال الحاكم : حدثنا أحمد بن سهل الفقيه قال : سمعت أبا علي يقول : كان بالبصرة أبو موسى الزمن في عقله شيء ، فكان يقول : حدثنا عبد الوهاب ، أعني ابن عبد المجيد ، قال : حدثنا أيوب يعني : السختياني فدخل عليه أبو زرعة يومًا ، فسأله عن حديثٍ فقال : حدثنا حجاج . فقلت : يعني ابن منهال .
فقال أبو زرعة : أيش تعذب المسكين ؟ . وقال : كنا في مجلس أبي علي ، فلما قدم قال له رجل من المجلس : يا شيخ ما اسمك ؟ قال : واثلة بن الأسقع . فكتب الرجل : حدثنا واثلة بن الأسقع .
وقال أبو الفضل بن إسحاق : كنت عند صالح بن محمد ، ودخل عليه رجل من الرستاق ، فأخذ يسأله عن أحوال الشيوخ ، ويكتب جوابه ، فقال : ما تقول في سفيان الثوري ؟ فقال : ليس بثقة . فكتب الرجل ، فلمته ، فقال : ما أعجبك من يسأل مثلي عن سفيان ، لا تبالي ، حكى عني أو لم يحك . وقال أحمد بن سهل : كنت مع صالح ، إذ أقبل ابنه ، عن يمينه رجل أقصر منه ، وعن يساره صبي ، فقال لي صالح : يا أبا نصر ، تبت .
وقيل : كان ابن صالح مغفلًا ، قال : فقال صالح : سألت الله أن يرزقني ولدًا ، فرزقني جملًا . ولأبي علي جزرة نوادر ومجون ، والله يرحمه . توفي في شهر ذي الحجة ، لثمانٍ بقين منه سنة ثلاثٍ وتسعين ، وله بضع وثمانون سنة .