عيسى بن محمد بن عيسى
عيسى بن محمد بن عيسى . أبو العباس الطهماني المروزي الكاتب اللغوي ، إمام أهل اللغة في زمانه . سمع : إسحاق بن راهويه ، وعلي بن حجر ، وعلي بن خشرم ، وطائفة .
وعنه : أحمد بن الخضر ، ويحيى بن محمد العنبري ، وعمر بن علك الجوهري وطائفة سواهم . وكان رئيساً نبيلاً كثير الفضائل . سمع الحاكم والده يقول : سمعت أبا العباس عيسى الطهماني يقول : رأيت بخوارزم امرأة لا تأكل ولا تشرب ولا تروث .
وقال : أبو صالح محمد بن عيسى : توفي أبي في صفر سنة ثلاث وتسعين . قال الحاكم : سمعت أبا زكريا العنبري يقول : سمعت أبا العباس ، فذكر قصة المرأة التي لا تأكل ولا تشرب ، وأنها عاشت كذلك نيفاً وعشرين سنة . فقال : إن الله يظهر إذا شاء ما شاء من آياته ، فيزيد الإسلام بها عزاً وقوة ، وإن مما أدركنا عياناً ، وشاهدناه في زماننا أنني وردت سنة ثمان وثلاثين مدينة من مدائن خوارزم ، بينها وبين المدينة العظمى نصف يوم ، فخبرت أن بها امرأة من نساء الشهداء رأت رؤيا كأنها أطعمت في منامها شيئاً ، فهي لا تأكل ولا تشرب منذ عهد عبد الله بن طاهر ؛ ثم مررت بها سنة اثنتين وأربعين ، فرأيتها وحدثتني بحديثها ، ثم رأيتها بعد عشر سنين فرأيت حديثها شائعا فاجتمعت بها وهي مارة فرأيت مشيتها قوية ، وإذا هي امرأة نصف ، جيدة القامة ، حسنة البنية ، متوردة الخدين ، فسايرتني وأنا راكب .
فعرضت عليها مركباً ، فأبت وبقيت تمشي معي . وحضر مجلسي محمد بن حمدويه الحارثي ، وهو فقيه قد كتب عنه موسى بن هارون ، وكهل له عبارة وبيان يسمى عبد الله بن عبد الرحمن ، وكان يخلف أصحاب المظالم في ناحيته ، فسألتهم عنها ، فأحسنوا القول فيها ، وأثنوا عليها ، وقالوا : أمرها ظاهر ، ليس فينا من يختلف فيه . وقال عبد الله : أنا أسمع أمرها من أيام الحداثة ، وقد فرغت بالي لها ، فلم أر إلا ستراً وعفافاً .
ولم أعثر منها على كذب في دعواها . وذكر أن من كان يلي خوارزم كانوا يحضرونها الشهر والشهرين في بيت ، ويغلقون عليها . قال : فلما تواطأ أهل الناحية على تصديقها سألتها ، فقالت : اسمي رحمة بنت إبراهيم ، كان لي زوج نجار يأتيه رزقه يوماً فيوماً .
وأنها ولدت منه عدة أولاد . وجاء الأقطع ملك الترك الغزية ، فعبر الوادي عند جموده إلينا في زهاء ثلاثة آلاف فارس . قال الطهماني : والأقطع هذا كان كافراً عاتياً ، شديد العداوة للمسلمين ، قد أثر على أهل الثغور ، وألح على أهل خوارزم ، وكان ولاة خراسان يتألفونه ، ويبعثون إليه بمالٍ وألطاف ، وأنه أقبل مرة في خيوله فعاث وأفسد وقتل ، فأنهض إليه ابن طاهر أربعة من القواد ، وأن وادي جيحون - وهو الذي في أعلى نهر بلخ - جمد ، وهو واد عظيم ، شديد الطغيان ، كثير الآفات ، وإذا امتد كان عرضه نحواً من فرسخ ، وإذا جمد انطبق ، فلم يوصل منه إلى شيء ، حتى يحفر فيه ، كما تحفر الآبار في الصخور .
وقد رأيت كثف الجمد عشرة أشبار . فأخبرت أنه كان فيما خلا يزيد على عشرين شبراً ، وإذا هو انطبق صار الجمد جسراً لأهل البلد ، تسير عليه القوافل والعجل ، وربما بقي الجمد مائة وعشرين يوماً ، وأقله سبعون يوماً . قالت المرأة : فعبر الكافر ، وصار إلى باب الحصن ، فأراد الناس الخروج لقتاله ، فمنعهم العامل دون أن تتوافى العساكر .
فشد طائفة من شبان الناس ، فتقاربوا من السور ، وحملوا على الكفرة ، فتهازموا ، واستجروهم بين البيوت ، ثم كروا عليهم ، وصار المسلمون في مثل الحرجة فحاربوا كأشد حرب ، وثبتوا حتى تقطعت الأوتار ، وأدركهم اللغوب والجوع والعطش ، وقتل عامتهم ، وأثخن من بقي . فلما جن عليهم الليل ، تحاجز الفريقان . قالت : ورفعت النيران من المناطر ساعة عبور الكافر ، فاتصلت بجرجانية خوارزم ، وكان بها ميكال مولى طاهر في عسكر ، فخف وركض إلى حصننا في يوم وليلة أربعين فرسخاً ، وغدا الترك للفراغ من أمر أولئك ، فبينا هم كذلك إذ ارتفعت لهم الأعلام السود ، وسمعوا الطبول ، فأفرجوا عن القوم ، ووافى ميكال موضع المعركة ، فارتث القتلى ، وحمل الجرحى ، وأدخل الحصن عشيتئذ زهاء أربع مائة جنازة ، وعمت المصيبة ، وارتجت الناحية بالبكاء والنوح ، ووضع زوجي بين يدي قتيلاً ، فأدركني من الجزع والهلع عليه ما يدرك المرأة الشابة المسكينة على زوج أبي أولاد ، وكاسب عيال .
فاجتمع النساء من قراباتي والجيران ، وجاء الصبيان ، وهم أطفال يطلبون الخبز ، وليس عندي ما أعطيهم ، فضقت صدراً ، وأذن المغرب فصليت ما قضي لي ثم سجدت أدعو وأتضرع وأسأل فنمت ، فرأيت كأني في أرض حسناء ذات حجارة وشوك ، أهيم فيها والهة حرى أطلب زوجي ، فناداني رجل : خذي ذات اليمين ، فأخذت ، فرفعت لي أرض سهلة طيبة الثرى طاهرة العشب ، وإذا قصور وأبنية لا أحسن أن أصفها ، وأنهار تجري من غير أخاديد ، فانتهيت إلى قوم جلوس حِلَقا حلقاً ، عليهم ثياب خضر ، قد علاهم النور ، فإذا هم الذين قتلوا ، يأكلون على موائد . فجعلت أبغي زوجي ، فناداني : يا رحمة ، يا رحمة . فيممت الصوت ، فإذا به في مثل حال من رأيت الشهداء ، ووجهه مثل القمر ليلة البدر ، وهو يأكل مع رفقة .
فقال لهم : إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم ، أفتأذنون أن أناولها ؟ فأذنوا له ، فناولني كسرةً أبيض من الثلج ، وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ، فأكلته . فلما استقر في جوفي قال : اذهبي . فقد كفاك الله مؤونة الطعام والشراب ما حييت .
فانتبهت وأنا شبعى رياً ، لا أحتاج إلى طعام ولا إلى شراب ، فما ذقتهما إلى الآن . قال الطهماني : وكانت تحضرنا ، وكنا نأكل ، فتتنحى ، وتأخذ على أنفها ، تزعم أنها تتأذى برائحة الطعام ، فسألتها : هل يخرج منها ريح ؟ قالت : لا . قلت : والحيض ؟ أظنها قالت : انقطع .
قلت : فهل تحتاجين حاجة النساء إلى الرجال ؟ قالت : أما تستحي مني ، تسألني عن مثل هذا ؟ قلت : إني لعلي أحدث الناس عنك . قالت : لا أحتاج . قلت : فتنامين ؟ قالت : نعم .
قلت : فما ترين في منامك ؟ قالت : مثل الناس . قلت : فتجدين لفقد الطعام وهناً في نفسك ؟ قالت : ما أحسست الجوع منذ طعمت ذلك الطعام . وكانت تقبل الصدقة ، فقلت : ما تصنعين بها ؟ قالت : أكتسي وأكسو ولدي .
قلت : فهل تجدين البرد ؟ قالت : نعم . قلت : فهل يدركك اللغوب والإعياء إذا مشيت ؟ قالت : نعم ، ألست من البشر ؟ قلت : فتتوضئين للصلوات ؟ قالت : نعم . قلت : ولم ؟ قالت : تأمرني بذلك الفقهاء ، تعني للنوم .
وذكرت لي أن بطنها لاصق بظهرها ، فأمرت امرأة من نسائنا ، فنظرت ، فإذا بطنها كما وصفت ، وإذا قد اتخذت كيساً وضمت القطن وشدته على بطنها كي لا ينقصف ظهرها إذا مشت . قال : ثم لم أزل أختلف إلى هزارسف ، يعني بليدتها ، فتحضر فأعيد مسألتها ، وهي تتكلم بلغة أهل خوارزم ، فلا تزيد من الحديث ، ولا تنقص منه . فعرضت كلامها كله على عبد الله بن عبد الرحمن الفقيه ، فقال : أنا أسمع هذا الكلام منذ نشأت ، فلا أرى من يدفعه .
وأجريت ذكرها لأبي العباس أحمد بن محمد بن طلحة بن طاهر والي خوارزم في سنة سبع وستين ، فقال : هذا غير كائن . قلت : فالأمر سهل ، والمسافة قريبة . تأمر بها ، فتحمل إليك ، وتمتحنها بنفسك .
فأمرني ، فكتبت عنه إلى العامل ، فأشخصها على رفق . فأخبرني أبو العباس أحمد أنه وكل أمه دون الناس بمراعاتها ، وسألها أن تستقصي عليها ، وتتفقدها في ساعات الغفلات . وأنها بقيت عند أمه نحواً من شهرين ، في بيت لا تخرج منه ، فلم يروها تأكل ولا تشرب .
وكثر من ذلك تعجبه ، وقال : لا ينكر لله قدرة . وبرها وصرفها ، فلم يأت عليها إلا القليل حتى ماتت ، رحمها الله . قلت : حدثني غير واحد أثق به ، أن امرأة كانت بالأندلس مثل هذه كانت في حدود السبع مائة ، بقيت نحواً من عشرين سنة لا تأكل شيئاً ، وأمرها مشهور .
وذكر علاء الدين الكندي في تذكرته عن الفاروثي مثل ذلك ، عن رجل كان بالعراق بعد الست مائة .