سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
320 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾( الحوادث ) سنة إحدى عشرة وثلاثمائة فيها : عزل عن الوزارة حامد بن العباس ، وعلي بن عيسى ، وقلدها أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات . وهذه ثالث مرة يعاد . ثم صودر حامد وعذب ،وكان فيه زعارة وطيش فيما قال المسعودي .
قال : كلمه إنسان ، فقلب ثيابه على كتفه ولكم الرجل . ودخلت عليه أم موسى القهرمانة ، وكانت كبيرة المحل ، فخاطبته في طلب المال ، فقال لها : اضرطي والتقطي واحسبي لا تغلطي فأخجلها وبلغ المقتدر فضحك ، وأمر القيان تغني به . وجرت له فصول وتجلد على الضرب ، وأحدر إلى واسط ، فمات في الطريق .
وكان قديماً قد ولي نظر بلاد فارس ، ثم ولي نظر واسط والبصرة ، وكان موسراً متجملاً ، له أربعمائة مملوك كلهم يحمل السلاح ، وفيهم أمراء . وزر للمقتدر سنة ست وثلاثمائة ، وكان سمحاً جواداً معطاء ظالماً . له أخبار في الظلم وفي الكرم .
ولما أحدر إلى واسط سم في الطريق في بيض نيمرشت ، فأخذه الإسهال حتى تلف ومات في رمضان ، سامحه الله . وسلم علي بن عيسى إلى المحسن بن أبي الحسن بن الفرات ، فقيده وأهانه ، فقال : والله ما أملك سوى ثلاثة آلاف دينار ، وما أنا من أهل الخيانة .وحضر نازوك صاحب شرطة بغداد ، والمحسن قد أحضر علياً وشرع يشتمه ، فقام نازوك . فقال له المحسن : إلى أين ؟ فقال : قد قبلنا يد هذا الشيخ سنين كثيرة ، فما يطيب لي أن أراه على هذه الحال .
ودخل على المقتدر فأخبره فأنكر إنكاراً شديداً . فبعث ابن الفرات إلى ابنه يشتمه ويسبه ، وبعث إلى علي بن عيسى بمال وحمله مكرماً إلى داره . فسأل الخروج إلى مكة .
فأذنوا له ، فخرج إليها . ونكب ابن الفرات أبا علي بن مقلة ، وكان كاتباً بين يدي حامد بن العباس . وقدم مؤنس بغداد ، فالتقاه الملأ ، فأنكر ما جرى على حامد وابن عيسى فعز على ابن الفرات ، فاجتمع بالمقتدر وأغراه بمؤنس ، وقال : قد عزم على التحكم على الخلافة .
فلما دخل مؤنس على المقتدر قال له : ما شيء أحب إلي من إقامتك ببغداد ، ولكن قد قلت الأموال بالعراق ، وعسكرك يحتاجون إلى الأرزاق ، ومال مصر والشام كثير . وأرى أن تقيم بالرقة ، والأموال تحمل إليك من الجهات ، فاخرج . وعلم مؤنس أن ذا من تدبير ابن الفرات ، وكان بينهما عداوة ، فخرج بعد أيام مستوحشاً .
فتفرغ ابن الفرات في نكبة نصر الحاجب ، وشفيع المقتدري ، وكثر عليهما عند المقتدر ، فلم يمكنه منهما ، فقال : إن نصراً ضيع عليك في شأن ابن أبي الساج خمسة آلاف ألف دينار ، ولو كانت باقية لأرضيت بها الجند . فكان المقتدر يشره إلى المال مرة ، ويراعي خاطر والدته لمدافعتها عن نصر مرة ، وقالت له : قد أبعد ابن الفرات مؤنساً وهو سيفك ، ويريد أن ينكب حاجبك ليتمكن منك ، فيجازيك على حسب ما عاملته من إزالة نعمته وهتك حرمه ، فبمن تستعين على ابن الفرات والمحسن مع ما قد ظهر من شرهما واستحلالهما الدماء إن خلعاك ؟ واتفق أن وجد في دار المقتدر أعجمي دخل مع الصناع ، فأخذ وقرر فلم يقر بشيء ، ولم يزد على غي دائم ، فصلب وأحرق . فقيل : إن ابن الفرات قال لنصر بحضرة المقتدر : ما أحسبك ترضى لنفسك أن يجري في دارك ما جرى في دار أمير المؤمنين وأنت حاجبه ، وما تم هذا على أحد من الخلفاء .
وكثر على نصر ، وجرت بينهما منافسة . وفي شعبان أمر المقتدر برد المواريث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام . وفيها : دخل أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي القرمطي البصرة في ربيع الآخر في السحر في ألف وسبعمائة فارس ، ونصب السلالم ، وصعدوا على الأسوار ، ونزلوا البلد ، ففتحوا الأبواب ، ووضع السيف في الناس وأحرق الجامع ومسجد طلحة ، فهرب الناس ورموا نفوسهم في الماء ، فغرق خلق ، واستباح الحريم والأموال .
وفيها : كتب ابن الفرات بإشخاص الحسين بن أحمد المادرائي وأبي بكر محمد بن علي من مصر إلى بغداد ، وصادرهما ، وأخذ منهما مائتي ألف دينار . وفيها : ولي إمرة دمشق عمر الراشدي الذي ولي الرملة بعد ذلك ، ومات بها سنة أربع عشرة وثلاثمائة . وفيها : صرف أبو عبيد بن حربويه من قضاء مصر ، وتأسف الناس عليه ، وفرح هو بالعزل وانشرح له .
وولي قضاء مصر بعده أبو يحيى عبد الله بن إبراهيم بن مكرم فاستناب عنه أبا الذكر محمد بن يحيى الأسواني المالكي . وقدم بعد شهرين إبراهيم بن محمد الكريزي ، فحكم على ديار مصر من قبل ابن مكرم . وفي هذه الحدود أو بعدها ظهر شاكر الزاهد صاحب الحلاج ، وكان من أهل بغداد .
قال السلمي في تاريخ الصوفية : شاكر خادم الحلاج كان متهماً مثله ، حكى عنه حكايات كثيرة ، وأخرج كلامه إلى الناس ، فضربت عنقه بباب الطاق .