سنة ست عشرة وثلاثمائة
سنة ست عشرة وثلاثمائة في أولها دخل أبو طاهر القرمطي الرحبة بالسيف واستباحها ، وبعث أهل قرقيسيا يطلبون الأمان فآمنهم . وقصد الرقة وهو في تسعمائة فارس وثلاثمائة راجل ، فقتل فيها جماعة بالربض ، ودفعه أهلها عنها . فسار مؤنس من بغداد إلى الرقة ، فأتاها بعد انصراف أبي طاهر .
ثم أتى هيت ، فرموه بالحجارة ، فقتلوا أبا الرواد من خواص أصحابه . فسار إلى الكوفة ، فنهض نصر الحاجب بالعساكر وراءه ، فمرض نصر . فاستخلف أحمد بن كيغلغ وبعث معه بالجيش فانصرف القرمطي قبل أن يلقاه .
ومات نصر في رمضان وحمل إلى بغداد . واستعفى علي بن عيسى من الوزارة ، فاستوزر أبو علي بن مقلة الكاتب . ورجع القرمطي فبنى داراً سماها دار الهجرة ، ودعا إلى المهدي ، وتفاقم الأمر ، وكثر أتباعه ، وبث السرايا ، فهرب عمال الكوفة عنها .
فسار هارون بن غريب إلى واسط ، فظفر بسرية لهم فقتلهم ، وبعث إلى بغداد بأسارى وبمائة وسبعين رأساً وأعلام بيض منكسة عليها مكتوب : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾. ففرح الناس واطمأنوا . وفيها : وقعت الوحشة بين المقتدر ومؤنس ، ووقع الكلام بأن هارون بن غريب يتولى إمرة الأمراء ، فكتب أخصاء مؤنس إليه إلى الرقة بذلك ، فقدم بغداد في آخر السنة ، ولم يأت إلى المقتدر ، فبعث إليه ولده والوزير ابن مقلة ، فوصفا شوق المقتدر إليه ، فاعتل بعلة .
وظهرت الوحشة بينه وبين المقتدر ، فأقام هارون منابذاً لمؤنس ، وجعلت الرسل تتردد بين المقتدر ومؤنس . ولم يحج أحد في هذه السنة خوفاً من القرامطة . وأما الروم فإن الدمستق لعنه الله سار في ثلاثمائة ألف على ما قرأت في تاريخ عتيق ، فقصد ناحية خلاط وبدليس فقتل وسبى ، ثم صالحه أهل خلاط على قطيعة ، وهي عشرة آلاف دينار ، وأخرج المنبر من جامعها وجعل مكانه الصليب .
فإنا لله وإنا إليه راجعون .