سنة عشرين وثلاثمائة فيها : عزل الحسين بن القاسم من الوزارة واستوزر أبو الفتح بن الفرات . وفيها : بعث العهد واللواء لمرداويج الديلمي على إمرة أذربيجان ، وأرمينية ، وأران ، وقم ، ونهاوند ، وسجستان . وفيها : نهب الجند دور الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات ، فهرب إلى طيار له في الشط ، فأحرق الجند الطيارات . وصخم الهاشميون وجوههم وصاحوا : الجوع الجوع ! وكان قد اشتد الغلاء ؛ لأن القرمطي ومؤنساً منعوا الغلات من النواحي أن تصل ،ولم يحج ركب العراق . وفي صفر غلب مؤنس على الموصل فتسلل إليه الجند والفرسان من بغداد ، وأقام بالموصل أشهراً . ثم تهيأ المقتدر وأخرج المخيم إلى الشماسية ، وجعل يزكاً على سامراء ألف فارس مع أبي العلاء سعيد بن حمدان . وأقبل مؤنس في جمع كثير ، فلما قارب عكبرا اجتهد المقتدر بهارون بن غريب أن يحارب مؤنساً ، فامتنع واحتج بأن أصحابه مع مؤنس في الباطن ولا يثق بهم . وقيل : إنه عسكر هارون وابن ياقوت وابنا رائق وصافي الحرمي ومفلح بباب الشماسية ، وانضموا إلى المقتدر ، فقالوا له : إن الرجال لا يقاتلون إلا بالمال ، وإن أخرجت الأموال أسرع إليك رجال مؤنس وتركوه . وسألوه مائتي ألف دينار ، فأمر بجمع الطيارات لينحدر بأولاده وحرمه وأمه وخاصته إلى واسط ، ويستنجد منها ومن البصرة والأهواز على مؤنس . فقال له محمد بن ياقوت : اتق الله في المسلمين ، ولا تسلم بغداد بلا حرب ، وإنك إذا وقفت في المصاف أحجم رجال مؤنس عن قتالك . فقال : أنت رسول إبليس ! فلما أصبحوا ركب في الأمراء والخاصة وعليه البردة وبيده القضيب ، والقراء حوله ، والمصاحف منشورة ، وخلفه الوزير الفضل بن جعفر ، فشق بغداد إلى الشماسية ، والخلق يدعون له . وأقبل مؤنس في جيشه ووقع القتال . فوقف المقتدر على تل ، ثم جاء إليه ابن ياقوت وأبو العلاء فقالا : تقدم ، فإذا رآك أصحاب مؤنس استأمنوا . فلم يبرح ، فألح عليه القواد بالتقدم ، فتقدم وهم يستدرجونه حتى أوقعوه في وسط الحرب في طائفة يسيرة ، وقد قدم الجمهور بين يديه يقاتلون . فانكشف أصحابه وأسر منهم جماعة ، وأبلى محمد بن ياقوت وهارون بلاءً حسناً . وكان معظم جند مؤنس البربر ، فبينا المقتدر واقف قد انكشف أصحابه رآه علي بن بليق فعرفه ، فترجل وقال : يا مولاي أمير المؤمنين ! وقبل الأرض ، فوافى جماعة من البربر إلى المقتدر فضربه رجل منهم من خلفه ضربةً سقط إلى الأرض ، فقال له : ويلك أنا الخليفة ! فقال : أنت المطلوب . وذبحه بالسيف ، وشيل رأسه على رمح ، ثم سلب ما عليه ، وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش . ثم حفر له في الموضع ودفن وعفي أثره . وبات مؤنس بالشماسية . وقال الصولي : لما كان يوم الأربعاء لثلاثٍ بقين من شوال ركب المقتدر وعليه قباء فضي وعمامة سوداء وعلى كتفه البردة وبيده القضيب والمصاحف منشورة . وكان وزيره قد أخذ له طالعاً ، فقال له المقتدر : أي وقت هو ؟ قال : وقت الزوال . فتطير وهم بالرجوع ، فأشرفت خيل مؤنس وبليق ، ونشبت الحرب ، وتفرق عن المقتدر أصحابه وقتله البربري . وقيل : كان غلاماً لبليق ، وكان بطلا شجاعاً تعجب الناس منه يومئذ مما فعل من صناعات الفروسية من اللعب بالرمح والسيف . ثم حمل على المقتدر وضربه بحربةٍ أخرجها من ظهره ، فصاح الناس عليه ، فساق نحو دار الخلافة ليخرج القاهر ، فصادفه حمل شوك فزحمه وهو يسوق حمل الشوك إلى قنار لحام ، فعلقه كلاب ، وخرج الفرس في مشواره من تحته فمات . فحطه الناس وأحرقوه بالحمل الشوك . واستخلف المقتدر خمساً وعشرين سنة إلا بضعة عشر يوماً . وكان النساء قد غلبن عليه . وكان سخياً مبذراً يصرف في السنة للحج أكثر من ثلاثمائة ألف دينار . وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة والروم والسود . وأخرج جميع جواهر الخلافة ونفائسها على النساء ومحقه . وأعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة وكان وزنها ثلاثة مثاقيل . وأخذت زيدان القهرمانة سبحة جوهر لم ير مثلها ، هذا مع ما ضيع من الذهب والمسك والأشياء المفتخرة .قيل : إنه فرق ستين حباً من الصيني ملأى بالغالية التي غرم عليها ما لا يحصى . وقال الصولي : كان المقتدر يفرق يوم عرفة من الإبل والبقر أربعين ألف رأس ، ومن الغنم خمسين ألفاً . ويقال : إنه أتلف من المال ثمانين ألف ألف دينار .وكان في داره عشرة آلاف خادم من الصقالبة . وأتلف نفسه بيده وبسوء تدبيره . وخلف من الأولاد محمداً الراضي ، وإبراهيم المتقي ، وإسحاق والد القادر ، والمطيع ، وعبد الواحد ، وعباساً ، وهارون ، وعلياً ، وعيسى ، وإسماعيل ، وموسى ، وأبا العباس . وكان طبيبه ثابت بن سنان ، وابن بختيشوع . وقال ثابت بن سنان الطبيب : إن المقتدر أتلف نيفاً وسبعين ألف ألف دينار . وقد وزر للمقتدر ، كما قدمنا جماعة . قال ثابت : لما قتل المقتدر انحدر مؤنس ونزل الشماسية ، فقدم إليه رأس المقتدر ، فبكى وقال : قتلتموه ؟ والله لنقتلن كلنا ، فأقل ما يكون أن تظهروا أن ذلك جرى عن غير قصد منكم ، وأن تنصبوا في الخلافة ابنه أبا العباس . فقال إسحاق بن إسماعيل النوبختي : استرحنا ممن له أم وخالة وحرم ، فنعود إلى تلك الحال ؟ ! وما زال بمؤنس حتى ثنى رأيه عن ابن المقتدر ، وعدل إلى القاهر محمد . فأحضر محمد ابن المكتفي والقاهر محمد ، فقال لمحمد ابن المكتفي : تتولى هذا الأمر ؟ فقال : لا حاجة لي فيه ، وعمي هذا أحق به . فكلم القاهر فأجاب . فبايعه واستحلفه لنفسه ولبليق ولولده علي بن بليق ، ولقب بالقاهر بالله ، كما لقب به في سنة سبع عشرة . وكان ربعةً ، أسمر ، معتدل الجسم ، أصهب الشعر ، أقنى الأنف . وأول ما فعل أن صادر آل المقتدر وعذبهم ، وأحضر أم المقتدر وهي مريضة فضربها بيده ضرباً مبرحاً ، فلم تظهر من مالها سوى خمسين ألف دينار . وأحضر القضاة وأشهد عليها ببيع أملاكها بعد أن كشفت وجهها ورأوها ، فلما عاينوا ما بها من الضر بكوا . وما زال يعذبها حتى ماتت معلقةً بحبل . وضرب أم موسى القهرمانة وعذبها ، ووجد عندها أبا العباس ابن المقتدر فقبض عليه ، وبالغ في الإساءة ، فنفرت القلوب عنه . وكان المقتدر قد نفى ابن مقلة إلى الأهواز ، فأحضره القاهر مكرماً واستوزره . وفيها : ادعى مؤنس أن شفيعاً المقتدري على ملكه ، ونادى عليه إهانةً له فبلغ سبعين ألف دينار ، فاشتري بذلك للقاهر وأعتقه . وذكر المسبحي أن العامة لم تزل تصلي في مصرع المقتدر . وبني في ذلك المكان مسجد .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/639644
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة