عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير
عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير ، أبو بكر الأزدي السجستاني الحافظ . ولد بسجستان ، ونشأ بنيسابور وبغداد ، وسمع بهما ، وبالحرمين ، ومصر ، والشام ، والثغور ، والعراق . سمع : أحمد بن صالح المصري ، وعيسى بن حماد ، وأبا الطاهر بن السرح ، وإسحاق الكوسج ، ومحمد بن أسلم ، وعلي بن خشرم ، وسلمة بن شبيب ، ومحمد بن يحيى الزماني ، والمسيب بن واضح ، وأبا سعيد الأشج ، وأمماً سواهم .
روى عنه : عبد الرحمن بن أبي حاتم ، وأبو بكر بن مجاهد ، ودعلج ، ومحمد بن المظفر ، والدارقطني ، وأبو عمر بن حيويه ، وأبو حفص بن شاهين ، وأبو بكر الوراق ، وأبو الحسين بن سمعون ، وأبو أحمد الحاكم ، وأبو القاسم بن حبابة ، وأبو طاهر المخلص ، وعيسى بن الجراح ، ومحمد بن زنبور ، وأبو مسلم الكاتب ، وخلق كثير . ولد سنة ثلاثين ومائتين ، وقال : رأيت جنازة إسحاق بن راهويه سنة ثمان وثلاثين ، وأول ما سمعت من محمد بن أسلم الطوسي في سنة إحدى وأربعين ، وكان بطوس ، وكان رجلاً صالحاً ، فسر أبي لما كتبت عنه : وقال : أول ما كتبت عن رجل صالح . وقال : دخلت الكوفة ومعي درهم واحد ، فاشتريت به ثلاثين مد باقلاء ، فكنت آكل منه مداً ، وأكتب عن الأشج ألف حديث ، فكتبت عنه في الشهر ثلاثين ألف حديث ، ما بين مقطوع ومرسل .
وقال أبو بكر بن شاذان : قدم ابن أبي داود سجستان ، فسألوه أن يحدثهم ، فقال : ما معي أصل ، فقالوا : ابن أبي داود وأصول ؟ ! قال : فأثاروني ، فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي ، فلما قدمت بغداد قال البغداديون : مضى ابن أبي داود إلى سجستان ولعب بالناس ، ثم فيجوا فيجاً اكتروه بستة دنانير إلى سجستان ليكتب لهم النسخة ، فكتبت وجيء بها ، وعرضت على الحفاظ ، فخطؤني في ستة أحاديث منها ، حدثت بها كما حدثت ، وثلاثة أخطأت فيها . رواها الخطيب عن أبي القاسم الأزهري ، عن ابن شاذان . ورواها غير الأزهري ، عن ابن شاذان ، فذكر أن ذلك الإملاء كان بأصبهان ، وكذا روى أبو علي النيسابوري ، عن ابن أبي داود ، وهو المعروف ، فكأن الأزهري غلط ، وقال : سجستان ، عوض أصبهان .
وقال الخطيب : سمعت أبا محمد الخلال يقول : كان أبو بكر بن أبي داود أحفظ من أبيه . وقال أبو القاسم بن النخاس : سمعت ابن أبي داود يقول : رأيت أبا هريرة في النوم ، وأنا بسجستان أصنف حديث أبي هريرة ، كث اللحية ، ربعة أسمر ، عليه ثياب غلاظ ، فقلت : إني لأحبك يا أبا هريرة ، فقال : أنا أول صاحب حديث كان في الدنيا ، فقلت : كم من رجل أسند عن أبي صالح ، عنك ؟ قال : مائة رجل ، قال ابن أبي داود : فنظرت فإذا عندي نحوها . وقال صالح بن أحمد الهمذاني : الحافظ أبو بكر بن أبي داود إمام العراق ومن نصب له السلطان المنبر ، وقد كان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه ، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو .
وقال أبو ذر الهروي : حدثنا أبو حفص بن شاهين قال : أملى علينا ابن أبي داود زماناً ما رأيت بيده كتاباً ، إنما كان يملي حفظاً ، وكان يقعد على المنبر بعد ما عمي ، ويقعد تحته بدرجة ابنه أبو معمر ، وبيده كتاب يقول له : حديث كذا ، فيسرده من حفظه حتى يأتي على المجلس ، وقرأ علينا يوماً حديث الفتون من حفظه ، فقام أبو تمام الزبيبي وقال : لله درك ، ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي ، فقال : كل ما كان يحفظ إبراهيم فأنا أحفظه ، وأنا أعرف النجوم وما كان هو يعرفها . وقال ابن شاهين : لما أراد علي بن عيسى الوزير أن يصلح بين ابن صاعد وابن أبي داود جمعهما عنده ، وحضر أبو عمر القاضي ، فقال الوزير : يا أبا بكر ، أبو محمد أكبر منك ، فلو قمت إليه ، فقال : لا أفعل ، فقال - يعني : الوزير - : أنت شيخ زيف ، فقال ابن أبي داود : الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الوزير : من الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هذا ، ثم قام وقال : تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل إلي على يديك ، والله لا أخذت من يدك شيئاً أبداً ، فكان المقتدر يزن رزقه بيده ، ويبعث به في طبق على يد الخادم . وقال أبو أحمد الحاكم : سمعت أبا بكر يقول : قلت لأبي زرعة الرازي : ألق علي حديثاً غريباً من حديث مالك ، فألقى علي هذا ، يعني حديث مالك ، عن وهب بن كيسان ، عن أسماء : لا تحصي فيحصي الله عليك ، ألقاه علي عن عبد الرحمن بن شيبة المديني ، وهو ضعيف ، فقلت له : يجب أن تكتبه عني ، عن أحمد بن صالح ، عن عبد الله بن نافع ، عن مالك ، فغضب وشكاني إلى أبي ، وقال : انظر ما يقول لي أبو بكر .
وقال يوسف بن الحسن الزنجاني التفكري : سمعت الحسن بن علي بن بندار الزنجاني يقول : كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من التحديث تورعاً ، وكان أبو داود يسمع منه ، وكان له ابن أمرد ، فاحتال بأن شد على وجهه قطعة من الشعر ، ثم أحضره وسمع ، فأخبر الشيخ بذلك ، فقال : أمثلي يعمل معه هذا ؟ فقال أبو داود : لا تنكر علي ، واجمع ابني مع شيوخ الرواة ، فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه السماع . هذه حكاية منقطعة .وقال السلمي : سألت الدارقطني عن ابن أبي داود ، فقال : ثقة ، كثير الخطأ في الكلام على الحديث . وقال أبو نعيم الحافظ : توفي محمد بن عبد الله بن حفص الهمذاني سنة خمس وثمانين ومائتين ، حدث عن صالح بن مهران ، والناس ، عرض عليه قضاء أصبهان فهرب إلى قاشان ، وهو سبط أمير أصبهان خالد بن الأزهر ، وهو الساعي في خلاص عبد الله بن أبي داود لما أمر أبو ليلى الحارث بن عبد العزيز الأمير بضرب عنقه لما تقولوا عليه ، وذلك أنه حسده جماعة لما قدم أصبهان ، لتبحره في الحفظ ، وأجرى يوماً في مذاكرته ما قالته الناصبة في علي ، فنسبوا إليه الحكاية ، وتقولوا عليه ، وأقاموا بعض العلوية خصماً ، فأحضروه مجلس أبي ليلى ، وأقاموا عليه الشهادة فيما ذكر محمد بن يحيى بن منده ، وأحمد بن علي بن الجارود ، ومحمد بن العباس الأخرم ، فأمر بقتله ، فاتصل الخبر بمحمد بن عبد الله ، فأتى وجرح الشهود ، ونسب ابن منده إلى العقوق لوالديه ، ونسب ابن الجارود إلى أنه يأكل الربا ويؤكله الناس ، ونسب الآخر إلى أنه مفتر غير صدوق ، وأخذ بيد ابن أبي داود فأخرجه وخلصه من القتل ، فكان يدعو له طول حياته ، ويدعو على الذين شهدوا عليه ، فاستجيب له فيهم ، فمنهم من احترق ، ومنهم من خلط وفقد عقله .
قلت : وقتل أبو ليلى الأمير في سنة أربع وثمانين ومائتين . قال أبو الشيخ : رأيت يدار برأسه . وقال أحمد بن يوسف الأزرق : سمعت ابن أبي داود غير مرة يقول : كل من بيني وبينه شيء فهو في حل ، إلا من رماني ببغض علي رضي الله عنه .
قال ابن عدي : سمعت علي بن عبد الله الداهري يقول : سألت ابن أبي داود عن حديث الطير ، فقال : إن صح حديث الطير فنبوة النبي صلى الله عليه وسلم باطل ؛ لأنه حكي عن حاجب النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني : أنسا ، خيانة ، وحاجب النبي لا يكون خائناً . قال : وسمعت محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم يقول : أشهد على محمد بن يحيى بن منده بين يدي الله تعالى أنه قال : أشهد على أبي بكر بن أبي داود بين يدي الله أنه قال : روى الزهري ، عن عروة قال : كانت حفيت أظافير علي من كثرة ما كان يتسلق على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم . قال الذهبي : هذه حكاية باطلة ، لعلها من كذب النواصب ، قبحهم الله .
وقال ابن عدي : لولا أنا شرطنا أن كل من تكلم فيه ذكرناه لما ذكرت ابن أبي داود ، وقد تكلم فيه أبوه وإبراهيم الأصبهاني ، يعني : ابن أورمة ، ونسب في الابتداء إلى شيء من النصب ، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط ، ورده علي بن عيسى ، وحدث وأظهر فضائل علي ، ثم تحنبل ، فصار شيخاً فيهم وهو مقبول عند أصحاب الحديث ، وأما كلام أبيه فيه فلا أدري أيش تبين له منه ، وسمعت عبدان يقول : سمعت أبا داود السجستاني يقول : ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء ، وسمعت علي بن عبد الله الداهري يقول : سمعت أحمد بن محمد بن عمرو يقول : سمعت علي بن الحسين بن الجنيد يقول : سمعت أبا داود السجستاني يقول : ابني عبد الله كذاب . قال ابن عدي : وكان ابن صاعد يقول : كفانا ما قال أبوه فيه . وقال محمد بن عبد الله القطان : كنت عند محمد بن جرير الطبري ، فقال له رجل : إن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي ، فقال : تكبيرة من حارس .
قلت : لا يسمع قول ابن صاعد ، ولا قول ابن جرير في عبد الله ؛ لأنه كان معاديهما ، وبينهم شنآن ، ولعل قول أبي داود لا يصح سنده ، أو كذاب في غير الحديث . وقال محمد بن عبيد الله بن الشخير : إنه كان زاهداً ناسكاً ، صلى عليه نحو ثلاث مائة ألف إنسان وأكثر ، وتوفي في ذي الحجة . وقال عبد الأعلى ابنه : خلف أبي أبا داود محمداً ، وأنا ، وأبا معمر عبيد الله ، وخمس بنات ، وتوفي أبي وله ست وثمانون سنة وأشهر ، وصلي عليه ثمانين مرة .