عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور
عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور ، أبو القاسم البغوي الأصل البغدادي ، مسند الدنيا وبقية الحفاظ ابن بنت أحمد بن منيع . ولد ببغداد في أول رمضان سنة أربع عشرة ، ومائتين ، وسمع : علي بن الجعد ، وخلف بن هشام ، وأبا نصر التمار ، ويحيى الحماني ، وعلي ابن المديني ، وأحمد بن حنبل ، وشيبان بن فروخ ، وسويد بن سعيد ، وداود بن عمرو الضبي ، وخلقاً كثيراً أزيد من ثلاث مائة . وعنه : ابن صاعد ، والجعابي ، وأبو بكر القطيعي ، وأبو حفص الزيات ، وابن المظفر ، والدارقطني ، وأبو حفص بن شاهين ، وعمر الكتاني ، وأبو القاسم ابن حبابة ، وأبو طاهر المخلص ، وعبد الرحمن بن أبي شريح الهروي ، وأبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب ، وهو آخر من حدث عنه .
وروى عنه خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى ، لأنه طال عمره ، وتفرد في الدنيا بعلو السند . قال : رأيت أبا عبيد ورأيت جنازته ، وأول ما كتبت الحديث سنة خمسٍ وعشرين ومائتين ، وحضرت مع عمي علي مجلس عاصم بن علي . وقال أحمد بن عبدان الحافظ : سمعت البغوي يقول : كنت يوماً ضيق الصدر ، فخرجت إلى الشط ، وقعدت وفي يدي جزء عن يحيى بن معين أنظر فيه ، فإذا بموسى بن هارون ، فقال : أيش معك ؟ قلت : جزء عن يحيى ، فأخذه من يدي فرماه في دجلة وقال : تريد أن تجمع بين أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي ابن المديني ؟ ! وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : أبو القاسم البغوي يدخل في الصحيح .
وقال الدارقطني : كان البغوي قل أن يتكلم على الحديث ، فإذا تكلم كان كلامه كالمسمار في الساج . وقال ابن عدي : كان صاحب حديث ، وكان وراقاً ، من ابتداء أمره يورق على جده وعمه ، وغيرهما ، وكان يبيع أصل نفسه في كل وقت ، ووافيت العراق سنة سبعٍ وتسعين ومائتين وأهل العلم والمشايخ منهم مجتمعين على ضعفه ، وكانوا زاهدين في حضور مجلسه ، وما رأيت في مجلسه قط في ذلك الوقت إلا دون العشرة غرباء ، بعد أن يسأل بنوه الغرباء مرةً بعد مرة حضور مجلس أبيهم ، فيقرأ عليهم لفظاً ، وكان مجانهم يقولون : ابن منيع شجرة تحمل داود بن عمرو الضبي ، أي من كثرة ما يروي عنه ، وما علمت أحداً حدث عن علي بن الجعد أكثر مما حدث هو ، وسمعه قاسم المطرز يقول : حدثنا عبيد الله العيشي ، فقال القاسم : في حر أم من يكذب ، وتكلم قوم فيه عند عبد الحميد الوراق ، ونسبوه إلى الكذب ، فقال : هو أنعش من أن يكذب ، يعني ما يحسن . قال : وكان بذيء اللسان ، يتكلم في الثقات ، وسمعته يقول يوم مات المروزي محمد بن يحيى : أنا قد ذهب بي عمي إلى أبي عبيد ، وعاصم بن علي ، وسمعت منهما ، ولما مات أصحابه احتمله الناس ، واجتمعوا عليه ، ونفق عندهم ، ومع نفاقه وإسناده كان مجلس ابن صاعد أضعاف مجلسه .
قلت : قد بالغ ابن عدي من الحط على البغوي ، ولم يقدر أن يخرج له مما غلط فيه سوى حديثين . ثم قال : والبغوي كان معه طرف من معرفة الحديث ومن معرفة التصانيف ، وطال عمره ، واحتاجوا إليه ، وقبله الناس ، ولولا أني شرطت أن كل من تكلم فيه متكلم ذكرته ، وإلا كنت لا أذكره . وقال الحافظ عبد الغني المصري : سألت أبا بكر محمد بن علي النقاش : تحفظ شيئاً مما أخذ على ابن بنت منيع ؟قال : غلط في حديث ، عن محمد بن عبد الواهب ، عن أبي شهاب ، عن أبي إسحاق الشيباني ، رواه عن محمد ، وإنما سمعه من إبراهيم بن هانئ ، عنه ، فأخذه عبد الحميد الوراق بلسانه ودار على أصحاب الحديث ، فبلغ ذلك ابن بنت منيع ، فخرج إلينا ، وعرفنا أنه غلط ، وأنه أراد أن يكتب : حدثنا إبراهيم بن هانئ ، فمرت يده على العادة ، ورجع عنه ، ورأيت فيه الانكسار والغم ، وكان رحمه الله ثقة .
وقال غير واحد : توفي ليلة عيد الفطر ، وعاش مائة وثلاث سنين وشهراً . قلت : آخر من روى حديثه عالياً أبو المنجى بن اللتي ، وأعرف له حديثاً منكراً في الأول من حديث ابن أخي ميمي ، وفي جزء بيبى ، وقد احتج به عامة من خرج الصحيح كالدارقطني ، والإسماعيلي ، والبرقاني . قال الخطيب : كان ثقة ثبتاً ، فهماً عارفاً .
قلت : وله كتاب معجم الصحابة في مجلدين ، يدل على سعة حفظه وتبحره ، وكذلك تأليفه للجعديات ؛ أحسن ترتيبها وأجاد تأليفها . قال الدارقطني : لم يرو البغوي عن يحيى بن معين غير حكاية . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : سألت الدارقطني ، عن أبي القاسم البغوي فقال : ثقة ، جبل ، إمام ، أقل المشايخ خطأ ، وكلامه في الحديث أحسن من كلام ابن صاعد .
قال الخليلي : أبو القاسم البغوي من المعمرين العلماء ، سمع : داود بن رشيد ، والحكم بن موسى ، وطالوت بن عباد ، وابني أبي شيبة ، ونعيم بن الهيصم ، والقواريري ، ثم قال : وعنده مائة شيخ لم يشاركه أحد في آخر عمره فيهم ، ثم ينزل إلى الشيوخ ، وهو حافظ عارف ، صنف مسند عمه علي بن عبد العزيز ، وقد حسدوه في آخر عمره ، فتكلموا فيه بشيء لا يقدح فيه ، وقد سمعت عبد الرحمن بن محمد يقول : سمعت أبا أحمد الحاكم يقول : سمعت البغوي يقول : ورقت لألف شيخ .