حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

أبو بكر الشبلي

أبو بكر الشبلي ، الصوفي المشهور ، صاحب الأحوال . اسمه دلف بن جحدر ، وقيل : جعفر بن يونس ، وقيل : جعفر بن دلف ، وقيل غير ذلك . أصله من الشبلية ، وهي قرية ، ومولده بسر من رأى .

ولي خاله إمرة الإسكندرية ، وولي أبوه حجابة الحجاب ، وولي هو حجابة الموفق . فلما عُزل الموفق من ولاية العهد ، حضر الشبلي يوماً مجلسٍ خيرٍ النساج وتاب فيه ، وصحب الجنيد ومن في عصره . وصار أوحد الوقت حالاً وقالاً ، في حال صحوه لا في حال غيبته .

وكان فقيهاً ، مالكي المذهب . وسمع الحديث . حكى عنه : محمد بن عبد الله الرازي ، ومنصور بن عبد الله الهروي ، ومحمد بن الحسن البغدادي ، وأبو القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي ، ومحمد بن أحمد الغساني ، وجماعة .

وله كلام مشهور ، وفي الكتب مسطور . فعن الشبلي في قوله تعالى : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا . قال : لو اطلعت على الكل لوليت منهم فراراً إلينا .

وقال مرةً : آه . فقيل : من إي شيء ؟ قال : من كل شيء . وقيل : إن ابن مجاهد قال للشبلي : أين في العلم إفساد ما ينتفع به ؟ قال له : فأين قوله : فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ ؟ ولكن أين معك يا مقرئ القرآن .

إن المحب لا يعذب حبيبه . فسكت . قال : قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . .

الآية . وقال : ما قلت : الله ، قط ، إلا واستغفرت الله من قولي الله . قال جعفر الخلدي : أحسن أحوال الشبلي أن يقال فيه مجنون ، يريد أنه كثير الشطح ، والمجنون رفع عنه القلم .

وقال السلمي : سمعت أبا بكر الأبهري يقول : سمعت الشبلي يقول : الانبساط بالقول مع الله ترك الأدب ، وترك الأدب يوجب الطرد . وقال أحمد بن عطاء : سمعت الشبلي قال : كتبت الحديث عشرين سنة ، وجالست الفقهاء عشرين سنة . وكان يتفقه لمالك .

وكان له يوم الجمعة صيحة ، فصاح يوماً فتشوش الخلق ، فحرد أبو عمران الأشيب والفقهاء ، فقام الشبلي وجاء إليهم ، فلما رآه أبو عمران أجلسه بجنبه ، فأراد بعض أصحابه أن يري الناس أن الشبلي جاهل فقال : يا أبا بكر ، إذا اشتبه على المرأة دم الحيض بدم الاستحاضة كيف تصنع ؟ فأجاب الشبلي بثمانية عشر جواباً . فقام أبو عمران وقبل رأسه ، وقال : من الأجوبة ستة ما كنت أعرفها . رواها أبو عبد الرحمن السلمي عن أحمد بن محمد بن زكريا ، عن أحمد بن عطاء .

وقيل : إنه أنشد : يقول خليلي : كيف صبرك عنهم ؟ فقلت : وهل صبرٌ فيسأل عن كيف بقلبي هوى أذكى من النار حره وأصلى من التقوى وأمضى من السيف وقيل : إنه سأله سائل : هل يتحقق العارف بما يبدو له ؟ فقال : كيف يتحقق بما لا يثبت ، وكيف يطمئن إلى ما لا يظهر ، وكيف يأنس بما لا يخفى . فهو الظاهر الباطن ، الباطن الظاهر . ثم أنشأ يقول : فمن كان في طول الهوى ذاق سلوةً فإني من ليلى لها غير ذائق وأكبر شيءٍ نلته من نوالها أماني لم تصدق كلمحة بارق وكان رحمه الله لهجاً بالغزل والمحبة ، فمن شعره : تغنى العود فاشتقنا إلى الأحباب إذ غنى أزور الدير سكراناً وأغدو حاملاً دنا وكنا حيث ما كانوا وكانوا حيث ما كنا أخبرنا عمر بن عبد المنعم قال : أخبرنا ابن الحرستاني ، قال : أخبرنا علي بن المسلم ، قال : أخبرنا ابن طلاّب ، قال : أخبرنا ابن جميع قال : أنشدنا الشبلي : خرجنا السن نستن ومعنا من ترى منّ فلما جننا الليل بذلنا بيننا دنّ وكان للشبلي في ابتدائه مجاهدات فوق الحد .

قال أبو علي الدقاق : بلغني أنه كحل عينيه بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر . ويروى عن الشبلي أن أباه خلف له ستين ألف دينار سوى الأملاك ، فأنفق الجميع ، ثم قعد مع الفقراء . وقال أبو عبد الله الرازي : لم أر في الصوفية أعلم من الشبلي .

قال السلمي : سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول : سمعت الشبلي يقول : أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ملكه ، وغرق في دجلة سبعين قمطراً بخطه ، وحفظ الموطأ ، وقرأ بكذا وكذا قراءة . يعني نفسه . وقال حسن الفرغاني : سألت الشبلي : ما علامة العارف ؟ فقال : صدره مشروح ، وقلبه مجروح ، وجسمه مطروح .

وقد تغير مزاج الشبلي مدة ، وجف دماغه ، وتوفي ببغداد في آخر سنة أربعٍ وثلاثين ، وقد نيف على الثمانين .

موقع حَـدِيث