الحسن بن محمد بن عبد الله بن هارون
الحسن بن محمد بن عبد الله بن هارون ، الوزير أبو محمد المهلّبي الأزدي من ولد قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة . وزر لمعز الدولة بن بويه ، وكان كبير القدر ، عالي الهمّة ، كامل الرياسة والعقل ، محبّاً للفضلاء مقبلاً عليهم . كان في أوائل شأنه قد أصابته فاقة ، حتى سافر واشتهى اللحم ، فلم يقدر عليه فقال : ألا موت يباع فأشتريه .. .
فهذا الموت ما لا خير فيه ألا موت لذيذ الطّعم يأتي .. . يخلّصني من الموت الكريه إذا أبصرت قبرا من بعيد .. . وددت لو أنّني صُيرت فيه ألا رحم المهيمن نفس حرّ .. .
تصدّق بالوفاة على أخيه فلما سمعه رفيقه اشترى له لحماً بدرهم وطبخه وأطعمه . ثمّ تقلّبت الأحوال ووزّر المهلّبي ، وضاقت الحال بذاك الرجل فقصد المهلّبي وكتب إليه : ألا قل للوزير فدته نفسي .. . مقال مذكر ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضنك عيش .. .
ألا موت يباع فأشتريه فلما وقف عليها أمر له في الحال بسبعمائة درهم ، ووقّع في ورقته : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت . ثم دعا به فخلع عليه وولاّه عملاً يرتفق به . وللوزير المهلّبي أخبار وشعر رائق ، وتوفيّ في طريق واسط ، وحمل إلى بغداد .
ومن شعره : قال لي من أحبّ والبين قد جـ .. . ـدّ وفي مهجتي لهيب الحريق ما الذي في الطريق تصنع بعدي ؟ .. . قلت : أبكي عليك طول الطّريق توفّي المهلّبي لثلاث بقين من شعبان عن نيّف وستّين سنة .
ولابن الحجّاج من أبيات يرثيه : مات الذي أمسى الثّناء وراءه .. . والعفو عفو الله بين يديه هدم الزّمان بموته الحصن الذي .. . كنّا نفر من الزّمان إليه وللوزير المهلّبي : أراني الله وجهك كلّ يوم .. .
صباحاً للتيمّن والسّرور وأمتع ناظري بصفحتيه .. . لأقرأ الحسن من تلك السّطور ولابن عبد الله بن الحجّاج يرثي الوزير المهلّبي : يا معشر الشعراء دعوة موجع .. . لا يرتجى فرج السّلوّ لديه عزّوا القوافي بالوزير فإنّها .. .
تبكي دماً بعد الدّموع عليه مات الذي أمسى الثّناء وراءه .. . والعفو عفو الله بين يديه هدم الزّمان بموته الحصن الذي .. . كنّا نفرّ من الزّمان إليه فليعلمنّ بنو بويه أنّه .. .
فجعت به الأيّام آل بويه وحكى أبو علي التنوخي : أن الوزير المهلبي مر بدرب فلزته الإراقة ، فنزل فدخل بيت إنسان ضعيف ، فدعا له صاحب البيت ، فقال : هذه الدار لك ؟ قال : لا ، قال : كم تساوي ؟ قال : خمسمائة درهم . قال : وما عملك ؟ قال : في الكيزان . فأعطاه ألف درهم ، وركب .
ولقد شاهدت له مجلسا في رمضان سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ، كأنه من مجالس البرامكة ، ما شاهدت مثله قط ، وذلك أن كاتبه عبد العزيز بن إبراهيم ابن حاجب النعمان سقط من روشن فمات بعد أيام ، فجزع عليه أبو محمد ، وجاء إلى أولاده وكنت معه ، فعزاهم ووعدهم بالإحسان ، وقال : أنا أبوكم . ثم ولى الابن الأكبر مكان أبيه ، وولى الابن الآخر عملا جليلا . ناب المهلبي في الوزارة أولا عن أبي جعفر الصيمري ، فمات أبو جعفر ، فاستوزره معز الدولة سنة تسع وثلاثين .
ثم وزر للمطيع . ولذلك سمي وزير الدولتين . وله ترسل بليغ .
استوفى ابن النجار ترجمة المهلبي . قال هلال بن المحسن : كان نهاية في سعة الصدر ، وكمال المروءة ، وبعد الهمة ، والإقبال على أهل الأدب . وله شعر مليح ، يملأ العيون منظره ، والمسامع منطقه ، والصدور هيبته ، وتقبل النفوس تفصيله وجملته .