سنة ست وستين وثلاثمائة
سنة ست وستين وثلاثمائة في جمادى الأولى زفت بنت عز الدولة إلى الطائع لله . وفيها جاء أبو بكر محمد بن علي بن شاهويه صاحب القرامطة ، ومعه ألف رجل منهم إلى الكوفة ، وأقام الدعوة بها لعضد الدولة ، وأسقط خطبة عز الدولة ، وكان قدومه معونة من القرامطة لعضد الدولة . وفيها كانت وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة ، أسر فيها غلام تركي لعز الدولة ، فجن عليه واشتد حزنه ، وتسلى عن كل شيء إلا عنه ، وامتنع من الأكل ، وأخذ في البكاء ، واحتجب عن الناس ، وحرم على نفسه الجلوس في الدست ، وكتب إلى عضد الدولة يسأله رد الغلام إليه ، ويتذلل ، فصار ضحكة بين الناس ، وعوتب فما ارعوى ، وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين ، كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف ، فأبى أن يبيعها ، وقال للرسول : إن توقف عليك في رده فزد ما رأيت ولا تفكر فقد رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض ، فرده عضد الدولة عليه .
وحج بالناس من العراق أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين العلوي ، وحجت جميلة بنت ناصر الدولة ابن حمدان ومعها أخواها إبراهيم وهبة الله ، فضرب بحجتها المثل ، فإنها استصحبت أربعمائة جمل ، وكان معها عدة محامل لم يعلم في أيها كانت ، وكست المجاورين ، ونثرت على الكعبة لما رأتها عشر آلاف دينار ، وسقت جميع أهل الموسم السويق بالسكر والثلج - كذا قال أبو منصور الثعالبي ، فمن أين لها ثلج ؟ وقتل أخوها هبة الله في الطريق ، وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية ، وأغنت المجاورين بالأموال . قال أبو منصور الثعالبي : خلعت على طبقات الناس خمسين ألف ثوب ، وكان معها أربعمائة عمارية لا يدرى في أيها كانت ، ثم ضرب الدهر ضربانه ، واستولى عضد الدولة على أموالها وحصونها وممالك أهل بيتها ، حتى أفضت بها الحال إلى كل قلة وذلة ، وتكشفت عن فقر مدقع . وقد كان عضد الدولة خطبها ، فامتنعت ترفعا عليه ، فحقد عليها ، وما زال يعنف بها حتى عراها وهتكها ، ثم ألزمها أن تختلف إلى دار القحاب فتتكسب ما تؤديه في المصادرة ، فلما ضاق بها الأمر غرقت نفسها في دجلة ، فلا قوة إلا بالله .